; قصة قصيرة مكتشفات من زمن سرادقات الموت | مجلة المجتمع

العنوان قصة قصيرة مكتشفات من زمن سرادقات الموت

الكاتب محمد السيد

تاريخ النشر السبت 04-أغسطس-2007

مشاهدات 64

نشر في العدد 1763

نشر في الصفحة 48

السبت 04-أغسطس-2007

الليل مدلهم، والعتمة تتدفق فوق الآفاق، فلا رؤية يجليها قمر متكامل الأيام، ولا عتبة أمل يلقيها ربيع على الأبواب المتهالكة، تخفي خلف إغلاقها الهش أسرار سرادقات الموت، فهل عندك مكتشفات تحن إلى شريط ذكرياتها فترويها، لتكون صرخة ألم مباح ينداح فوق تخوم ظلام أسود، لعلها تفكك سدفه المتراكمة كالموت المتبلد.

الاكتشاف الأول

قال لي وهو يبعد ناظريه عن وجهي أريد أن أزورك.

اليوم مساء إذا كان ذلك يناسبك بعد صلاة العشاء إن شاء الله ... وكان المساء ورجعت بصحبته من صلاة العشاء في مسجد الحي، وبعد أن استقر بنا الجلوس، نظرت في وجهه تحت نور المصباح، كانت تضاريسه توحي بموج هائل يتفاعل في داخله، فيجعله مصرًّا على الصمت المتحفز يدل عليه التململ المتكرر جلسته داخل غرفة الاستقبال المتواضعة التي كنت أملكها.

وحتى تلك اللحظة من ذلك المساء الربيعي الدافئ التي دخلت وإياه فيها إلى بيتي الكائن في حي دمشقي شعبي، لم يراودني شك في أن الشاب مقبل وليس مديرًا ولكن القضية عنده لم تكن مختمرة بعد، فهو يحاور قلبه وعقله بها لينسج له مسوغًا قويًّا، خصوصًا وهو يرى ويسمع ما يدور في المشهد السوري من أذى يلحق المؤمنين لا يحتمله أحد.

قلت محاولًا كسر جدار الصمت

- يوسف.. ماذا تنتظر بعد التخرج؟

- قدمت طلبًا لوزارة التربية لعلي أتعين مدرساً.

. وبعد، أين الطموح؟

سوف أعتمد على الوظيفة لأموِّل متابعة التخصص.

ولكنهم إذا عرفوا بتدينك فلن يقبلوك.

أعرف هذا.. وأعرف أن ديني قبل كل شيء قبل الوظيفة، وقبل الطموح (وأضاف والكلمات تخرج حذرة من حنجرته) من أجل ذلك جئتك الليلة مستفسرًا مصممًا ...

- اسأل وأنا أجيبك.

عندي قناعة أن الانتماء للحركة الإسلامية واجب يكمل الالتزام، ويقويه ويضمن استمراره ونماءه، ويضع الجهد في تيار يصل إلى النتائج المرجوة من العمل ويوظفه في المجال المناسب.

عظيمة هذه القناعة يا يوسف.

مهلك يا أستاذي، فهناك سؤال في صدري يبحث عن إجابة عندك.

ما السؤال يا يوسف، قل بسرعة فأنا لا أطيق الانتظار.

إني متخوف مما يقال: إن الحركة تفكر بالعنف وبالسلاح وبمثل هذه الإشاعات، فأنا مؤمن أن الدعوة إلى الله تحتاج إلى أناة ورفق ووسائل اتصال هادئة مقنعة وأن كل سير بالاتجاه الآخر غير مجدٍ.

يوسف، وهل تصدق ما يقولونه؟ إن حركة الإسلام عندنا، دعوة إلى الله

بالحكمة والموعظة الحسنة وحسب، وما قلته وما تؤمن به هو منهج هذا الحراك وقواعده.

عظيم عظيم هذا هو الاكتشاف الأول.. وهذه هي الخطوة الأولى...

لم أفهم، افهمني، اكتشاف،

خطوة! ما هذا؟

الآن يا أستاذ أحمد اكتشفت طريقي، وهذه أولى خطواتي، فقد بقيت ردحاً من الزمن حائراً أتساءل: أين أضعها وكيف؟

ومرت لحظات صمت نغشتها فرحة مكبوتة ملأت فضاء الغرفة كانت فائضة عن القلبين الساكنين فيها.

الاكتشاف الثاني: (الخراب)

بعد الاكتشاف الأول وبعد تلك اللحظة التي حظيت فيها مع يوسف بأبهى لقاء. معبئًا جنبات روحي بأعذب الآيات، انطلق يوسف خلال أربعة شهور أمضاها بيننا كانت ألفتها كفيلة بأن تهمي دمعًا غزيرًا. سكبته لوعة الوداع حين غادرنا الحبيب يوسف إلى منطقة الجزيرة السورية مدرسًا للرياضيات، وفي تلك اللحظة، كان يوسف يلوح لنا من قريب وهو يقول:

لا تخافوا على بعد اليوم سأكون عند حسن ظن ربي بي..

وكيف تخاف عليك؟ وقد رأينا منك في الأشهر السعيدة ما ساقنا إلى ذكرى سلالة من صحابة لا يتوقفون، حتى تتوقف القلوب عن النبض

وغاب يوسف ثلاثة أشهر، لم نحظ بسماع صوته إلا مرتين: كان صوته فيها يحمل رنة حزينة، وكان كلامه مقتضبًا تشوبه بحة قهر، ولا يلبث طويلاً على الهاتف حتى يقول: عندما أعود أحكي لكم كل شيء...

وتمضي الأيام متثائبة متوجسة، وليس إلا الانتظار والأمل، ما يحمل الروح على الصبر الذي يعطي اللحظات مسوغًا لوجودها، فقد كانت كلمات يوسف في الهاتف غير مطمئنة، بل كانت تبعث بكثير من الهواجس وتنطوي ثناياها المشنوقة على لوحة قاتمة من ذلك الزمن العدمي الذي ظل الناس في سورية يعانونه، وهو يدنو كل لحظة من أنفاسهم وكل حركة أو سكنة من ساعاتهم.

وجاء شهر يناير من عام ستة وسبعين وتسعمائة وألف وعاد يوسف في إجازة نصف السنة وكانت اللهفة تسبقنا إليه، وما إن استقر بي المقام معه في بيته مهنئًا بسلامته حتى بادرته بالسؤال

ها .. يوسف: أنا على أحر من الجمر لسماع حكايتك.

كانت سحنته تمتلئ بالأسى، ويبدو مشوشًا، وقد تدافعت الأفكار في مخيلته فلا يعرف من أين يبدأ، ظهر لي هذا من تقلبات وجهه، وقد ألقى ذلك قلبي في عاصفة من التكهنات.

وكأنه قرأ ما يدور في خلدي، فقال:

- لا تذهب بأفكارك باتجاه آخر يا أخي.. أنا بخير، والهداية في قلبي تعمقت

أكثر فأكثر.

ولكن ...

لقد اكتشفت يا أخي من خلال عملي وتعاملي مع هيئة التدريس والإدارة والطلاب والمنظمات التي افتعلوها لقيادة الشباب، اكتشفت أن هناك ماكينة خبيثة تدور محركاتها من فوق لتحت لتصل بالشباب إلى الضياع، وذلك من خلال الاختلاط وغسل أفكار الناس من كل ما يمت لدين وتراث الأمة وتقاليدها الحميدة، تحت شعار التقدمية والحرب على الرجعية، أما الكارثة الكبرى فهي المتمثلة في أن كل من يحاول الوقوف في وجه تيارهم التخريبي هذا، المختبئ خلف منظمات الشبيبة والاتحادات المتنوعة الأخرى، يعد عندهم رجعيًّا معاديًا (للثورة) وأهدافها، وبالقانون هو محكوم بالإعدام أو بالسجن المؤبد بلا محاكمة والتعذيب الذي يتمنى الواقع تحته الموت ليل نهار، ولقد عرفت العديد من القصص الدامية الكارثية التي أودت بصاحب أي كلمة تشير إلى مخالفة نهجهم ولو من بعيد، ولقد نصحني بعض الخلص بأن أبتعد عن مواطن القول الذي يعتبرونه مشبوهًا، وحتى المداومة على الصلاة في المسجد نصحت بأن أخفف منها لأنهم يعتبرونها من الأدلة على معاداة الثورة والنهج التقدمي.

ها .. ها.. ها.. الآن وقد اشتاقت روحك إلى عذب الإبحار في أفق الشوق للحبيب؟ لقد جاء اكتشافك متأخراً، لقد فاتني أن أنبهك قبل سفرك إلى مثل هذا المخطط الذي وصفت، طمأنتني إذ بينت لي قلقك، فقد ذهبت بي الظنون مع غيب آخر، أما هذا الاكتشاف فإني أعده تثبيتًا لك، وكان يجب أن تعرفه من خلال رؤيتك للوطن المستباح، ومن يونيو ١٩٦٧م التي افتعلوها، وقدموا فيها الدليل للأعداء على مواصفات ثورتهم التي جاءت بالردة.

أخي أحمد على كل حال فأنا لن أعود إلى الجزيرة، فقد طلبوني للجيش - للخدمة الإلزامية - وأظن أن موقعي سيكون مع قطعاتنا في لبنان (ما يسمونه جيش الردع العربي)...

الاكتشاف الثالث: (الموت برهان)

بعد أشهر من التحاق يوسف بالخدمة الإلزامية في لبنان عاد في إجازة قصيرة عاد ومعه ذكريات مرة، فقد جلس يروي لنا عن جيش اشتغل ضباطه الطائفيون بنهب لبنان واللبنانيين، وبقتل كل مقاوم سواء أكان لبنانيًّا أم فلسطينيًّا، كان يوسف يروي فظاعات الجيش الذي ينتمي إليه، وكيف أنهم أفسدوا عقائد هذا الجيش وأخلاقه حتى إنهم انتزعوا إنسانيته، وقال في سرده: لقد صحت روحي أكثر فأكثر، وعلمت أني أخدم أناسًا يدنسون الوقت من عمري، لقد انفرجت كل الزوايا الرمادية التي كان يختبئ فيها حاكمونا عنا، وبان زيف لافتاتهم، والكذب الذي يغطيها، لقد امتدت مسافات الوعي في أفقي، وتعبأ دمي بحب اللقاء فانكشفت لي الحقائق وظهرت لي بيانات الجمع الذي يسوقنا في قنواته... لذلك كله لم تخني كلماتي، وعزتني آهاتي. وكنت كمن يكتشف ما حوله لأول مرة، مدهوشًا، مفجوعًا مصممًا على إعلان رأيه فيما يجري، وليكن ما يكون.. وفعلت. وسجنت وهددت من قبل لصوص الضباط ولا بد أني انتظر الأهوال عند عودتي إلى قطعتي في لبنان، إنهم ليسوا جيش ردع لبث الأمن إنهم جيش يعيث فسادًا في الأرض بأوامر من هنا من الرؤوس الكبيرة، ولن أزيد على ذلك، فالتفاصيل ستأتي وهي مروعة ...

لم يعد يوسف فقد داهموا منزله وهو في إجازة، وأخذوه، لأنه تكلم باتجاه الإصلاح وحسب، وبعد أسبوع اكتشف أن الموت برهان على صدق العزيمة والشهادة طهارة من الرجس الذي وضعوه فيه، واستلمه والده جثة مشوهة، ودفن الشهيد ليلاً وحيدًا، دون أن يمر علينا ليحكي لنا التفاصيل، ونودعه بدمعة وقبلة.

الرابط المختصر :