; قصة قصيرة- مهمة استثنائية | مجلة المجتمع

العنوان قصة قصيرة- مهمة استثنائية

الكاتب محمد وليد سليمان

تاريخ النشر الثلاثاء 01-أكتوبر-1985

مشاهدات 65

نشر في العدد 735

نشر في الصفحة 43

الثلاثاء 01-أكتوبر-1985

«عشتما معًا عامًا كاملًا في ديار الغربة صليتما، وصمتما وتناقشتما، بل تصارعتما- مرانًا- فكنت تغلب أحيانًا ويغلبك أحيانًا أخرى بل لكم ذرفتما دمع صلاة سحر خاشعة، وقيام ليل هادئ، ولكم رسمتما الخطط المشتركة والأماني العريضة والأحلام الزاهية، وفي أحيان أخرى، لكم أصبتما بالمرارة والأسى، لقد كانت حياة طويلة مشتركة فيها تعانق الأرواح وتماثل الآمال، والتكاتف على متطلبات حياة الهجرة، أفيُعقل أن تمتد يدك غدًا إلى مسدسك لتلوح به في وجهه، وتكرهه على أن يرجع معك؟!»

 

ذرف أحمد دمعة حارة، وكادت تنبجس من عينيه شقيقتان لها، لولا ضوء باهر سطع فجأة، ويد رفيقه عامر التي ضغطت بقوة على رأسه ليتحاشيًا معًا أن يراهما حرس الحدود المتربص، وتوجه فكره من جديد إلى تلمس الدرب المناسب، وضرورة تحاشي الألغام المزروعة بكثافة عبر كل درب يتوقع أن يخطو عليه كائن حي.

 

 لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يجتاز فيها أحمد الحدود، فلقد فعل هذا مرات كثيرة، حتى ليحس بأن الأرض تدله في كل مرة على البضعة المناسبة منها ليطأها، وبأن الشجر ينبثق من باطن الأرض فجأة ليواريه ويحميه من عيون المتربصين، لقد ألفته الطرق، والمغارات، وعرفته الوديان والمرتفعات، غير أن كائنًا واحدًا فقط، يعز عليه أنه لا يعرفه في مساءات التسلل، إنه القمر الوضيء، فلقد كان أحمد يتحين فرص غياب القمر وسكونه إلى مواطنه الأخرى، ليغذ السير، ويجتاز العقبات، ويصل إلى مكان مهمته في الوقت المناسب.

 

إن أحمد يعلم، هذه المرة كما في كل مرة أن عليه الإفلات من حرس حدود الدولة التي هو فيها، بالركض العنيف تارة، والزحف على ركبتيه ومنكبيه تارة أخرى.

 

وهو يعلم أن عليه الغوص في بعض الجداول الصغيرة، وتحمل بردها القارس في الشتاء، وأن عليه بعد ذلك اجتياز أرض مكشوفة مترامية هي أرض أهله الذين يتحملون المرارات والظلم والقهر، على أمله أن يعود وإخوانه وقد حققوا الأماني في بعض من حرية وكرامة وإباء.

 

إن أحمد يعلم كم ينبغي عليه أن يكون حذرًا حين يجتاز غابة من الألغام المبثوثة بكثرة لا حدود لها، وضرورة التقوقع على نفسه، أو الالتصاق الشديد بالأرض، لكي تعمي عنه أبصار الكشافات الكبيرة التي تجعل الليل نهارًا هو يعلم كل هذه الصعوبات والعقبات، غير أن مهمته هذه المرة قد شغلت فكره وحصرته داخلها حتى لتكاد تعتصره، فقد كانت مهمة لم تخطر بباله أبدًا من قبل، ولم يوطن نفسه يومًا على القيام بها.

 

إنه يعرف رغيدًا منذ فترة بعيدة، وزادته السنة التي أمضياها معًا مهاجرين مطاردين، مجاهدين معرفة به ومودة له وحبًا، وهو ما فتئ منذ أن أعلم بما فعله رغيد يفكر بالسبب الذي دفعه لذلك، لعله يحدده بدقة، فيتعامل معه بحكمة، ويجد الطريقة المناسبة لإخراجه من أزمته.

 

ربما من رغيد إلى داره وبستانه، وصباحات بلدته المشرقة المتلألئة، وربما حن رغيد إلى أهله، فوالداه كثيرا الولع به، دائما الشوق إليه، وكذلك إخوته الذين يرون فيه المثال والقدوة، على الرغم من أنه ليس أكبرهم سنًا. نعم ربما تعب رغيد من الغربة والبعاد، وقد يكون فعل ما فعل لأنه كان جديد عهد بالالتزام بالعمل مع إخوانه، فلم تتعمق في نفسه معاني الصبر وتحمل الابتلاء، وتوطين النفس على أن الهجرة أو الاعتقال أو التشرد من مقتضيات الإيمان ومستلزماته في بعض الأحيان.. لكن أحمد لم يستطع أن يقتنع، برغم كل هذه الأسباب المحتملة، إن رغيدًا يمكن أن يقدم فعلًا على التخلي عن إخوانه ويسلم نفسه وسلاحه للسلطة الغادرة المُتربصة به وبإخوانه!

 

لكن فكرة واحدة جعلته- وهو يقترب من بلدته أكثر فأكثر- ينتفض بقوة و «ينرفز» دون حق، وهو يتحدث مع رفيق رحلته عامر، حين نبهه هذا إلى مرور سيارة من بعيد، قادمة باتجاههما، كان لا يريد لهذه الفكرة أن تخطر بباله أبدًا، فهو يكرهها لرغيد، كما يكرهها لنفسه ويحقد عليها، ترى أينسلخ رغيد دفعة واحدة عن دينه وإيمانه وخلقه، بل عن نفسه الأصيلة، فيتنكر لهذا كله ويمشي في ركاب السلطة الجائرة، مُخبرًا أو تابعًا أو جاسوسًا ذليلًا؟!

 

كان لا يريد لهذه الفكرة أن تخطر بباله أبدًا، وحين وصل إلى مكمنه في البلدة، في بيت الأخ محمد، قبيل الفجر، ساءه أن يكون محمد مقتنعًا بها إلى حد بعيد، وإذ لم يقدم أدلة عليها. بل بالعكس فقد رأى أحمد في ركون رغيد إلى بيته وعدم خروجه منه دليلًا على كل احتمال، إلا أن يكون قد خان دينه وإخوانه.

 

وبعد أيام حين اطمأن الإخوة إلى دقة رصدهم، وحسن تخطيطهم للعملية المقبلة، انطلق أحمد وعامر في ظلمة الليل إلى بيت رغيد.

 

وصلا... كمن عامر قرب جدار منزو، متوثبًا لكل الاحتمالات، وبحصيات صغيرة، «نقر» أحمد نافذة الغرفة التي ينام فيها رغيد، جاءه صوت رغيد، فيه أثر من نوم، وأثر من خوف أيضًا: من؟

 

تعال يا رغيد. أنا أحمد أريدك لأمر هام. تعال بسرعة.

دقيقة، أنا قادم.

تحسس أحمد مسدسه- على كره- وأعطى الإشارة المتفق عليها إلى عامر، ليزيد من حذره، ثم جاء رغيد بلباس نومه، تساءل أحمد: عجيب، إن رغيدًا كان يرفض النوم إلا بثيابه وسلاحه بجانبه منذ أن بدأت الاعتقالات، مع أن «دوره» كان بعيدًا جدًا، أفيطمئن رغيد اليوم إلى هذا الحد؟!

 

صافح أحمد رغيدًا بهدوء غريب، صمتا برهة، ثم بصوت قوي فيه تهدج و ارتجاف طلب أحمد من رغيد أن يلبس ثيابه بسرعة ويأتي معه وإلا!!

 

ولكن. إلى أين؟

تعال الآن، وبعد ذلك نتفاهم.

دعني فقط أخبر والدي.

ستخبره فيما بعد، تعال الآن، فأنا لا أستطيع المكوث طويلًا هنا. لا أستطيع؛ ستكون كارثة على أهلي.

اطمئن. سنسوي الأمر، تعال الآن أسرع.

غاب رغيد دقائق قليلة، وفيما أحمد ينتظر بتوثب وقلق، عاد رغيد وبيده علبة صغيرة.

 

ما هذه؟

علبة «بسكويت» وشيء من الطعام!

اطمأن أحمد.. ابتهج في سره تحسس مسدسه- بفرح هذه المرة- لقد هدأت نفسه دون أن يسأل رغيدًا أي سؤال.

 

انضم إليهما عامر، وفي ركب من ثلاثة، بدأت رحلة العودة.

 

اجتازوا الوديان، قطعوا السهوب، غاصوا في الجداول الباردة، وثبوا بين حقول الألغام، صلوا، رقدوا، كمنوا، زحفوا، لقد عادت اللحمة، لقد رجع رغيد ورجعوا إليه.

 

في البيت الذي ينتظرهم إخوانهم فيه دخل رغيد.. ذرف دموعًا كثيرة وارتمى عليه إخوانه معًا باكين.

الرابط المختصر :