; قطوف تربوية حول قصة أصحاب الكهف (۱)- معالم منهجية للتغيير الحضاري | مجلة المجتمع

العنوان قطوف تربوية حول قصة أصحاب الكهف (۱)- معالم منهجية للتغيير الحضاري

الكاتب د. حمدي شعيب

تاريخ النشر الخميس 06-يونيو-1996

مشاهدات 57

نشر في العدد 1202

نشر في الصفحة 54

الخميس 06-يونيو-1996

وهي القصة التي وردت في سورة الكهف في الآيات من (٩- ٢٦)، وهي تحكي عن عدد من الشباب، لا نعرف عددهم ولا مكانهم تحديدًا، وقد آمنوا بالله -سبحانه- وحده، وعندما بدت لهم نذر التهديد والوعيد من قبل قومهم غير المؤمنين فروا بدينهم، و آووا إلى الكهف، وأنه قد ضرب على أذانهم في الكهف -أي ناموا- سنين معدودة، وأنهم بعثوا من رقدتهم الطويلة، وقد اكتشفوا أمرهم، وأنه -سبحانه- أماتهم، وكان هناك فريقان يتجادلان في شأنهم، وقد ترك أمرهم بتفصيلاته لله سبحانه.

ونسأله -سبحانه- أن يجعلنا من الذين أراد بهم خيرًا، ففقههم في دينه، وعلمهم التأويل، وأن يلهمنا أخلص العمل وأصوبه، في محاولتنا المتواضعة لاقتطاف بعض الملامح التربوية حول هذه القصة التي تمكن -ومن خلال رؤية منهجية شاملة وواعية- من استبطان واستكناه بعض المعالم الدعوية والحركية، أو ركائز التغيير الحضاري، وهي بعض أساسيات أو قوانين ناموسية الحركة التاريخية التي تسير وفق السنن الإلهية، والتي تنظم حركة الكون والبشر والحياة:

۱- تأتي هذه القصة كنموذج طيب للقصص القرآني الذي يعتبر بابًا ومدخلاً عمليًا، وترجمة تطبيقية، لمجال واسع في المنهج، وهو الفقه الاجتماعي والحضاري الذي يقوم على مرتكز البحث في قضية سنن الله -عز وجل- في الأنفس -أي عالم البشر- والآفاق -أي عالم المادة- التي لا تتبدل ولا تتغير، ولا تحابي، وهي السنن أو القوانين والقواعد التي خلقها -سبحانه- تنظم وتحكم حركة الكون والحياة والأحياء، وتحكم التاريخ، وتتحكم بالدورات الحضارية وعوامل السقوط والنهوض الحضاري، وهو مجال لم يأخذ حقه في البحث والتعميق على الرغم من الاهتمام البارز ببحوث الفقه التشريعي والعجب يأتي من إهمال مجال الفقه الاجتماعي، رغم التأكيدات القرآنية المستمرة على ضرورة السير في الأرض، وفتح ملفات الأمم السابقة لاستجلاء سنته -سبحانه- وتدبر خطورة هذا التوجيه الكريم، ومغزاه العميق، حينما يأتي في ثنايا التعقيبات القرآنية على محنة أحد: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (سورة آل عمران: 137) (۱).

والقصص القرآني ما هو إلا برهان ثابت وموثوق حول فاعلية تلك السنن، (ولا شك أن معطيات الوحي في الكتاب والسنة تضمنت خلاصة السنن التي تحكم الحياة والأحياء، بما عرضت له من القصص القرآني عن نهوض الأمم والحضارات وسقوطها، وربط الأسباب بالمسببات، والمقدمات والنتائج بشكل أشبه ما يكون بالمعادلات الرياضية التي تحكم عالم المادة، ليعتبر أولو الأبصار، وقد يكون المطلوب اليوم أكثر من أي وقت مضى، في مجال الدراسات الإنسانية التي بلغت شأوًا بعيدًا، أن نتوجه صوب فقه القصص القرآني، بالقدر نفسه الذي توجهنا به نحو آيات الأحكام، واستنبط منها هذه الكنوز العظيمة في مجال التشريع، لنكتشف فقهًا حضاريًا في إطار علوم الإنسان، والقوانين الاجتماعية التي تحكم مسيرة الحياة والأحياء والتي تخلفنا فيها إلى درجة لا نحسد عليها) (۲).

وما أحوج الدعاة لفقه جديد للقصة القرآنية والموقوف طويلاً أمام التعقيبات القرآنية المباشرة لكل قصة، والتي غالبًا ما تذكر سنة من سننه -سبحانه- الكونية المطردة، والتي من الممكن تكرارها، على أي واقع طالما وجدت أسبابها وظروفها زمانًا أو مكانًا أو أشخاصًا، ومن ثم يمكن التفاعل معها، وحسن تسخيرها في المهمة الإنسانية الاستخلافية، لهذا كانت وصية الإمام البنا -رحمه الله- البليغة (ولا تصادموا نواميس الكون فإنها غلابة، ولكن غالبوها واستخدموها، وحولوا تيارها، واستعينوا ببعضها على بعض، وترقبوا ساعة النصر وما هي منكم ببعيد) (۳)

رصيد فكري:

٢- تأتي هذه القصة في سياق سورة الكهف وهي إحدى سور القرآن المكي الذي كان يهدف إلى وضع الأساس العقيدي والفكري للجماعة المسلمة، وأما المحور الموضوعي للسورة الذي ترتبط به موضوعاتها، ويدور حوله سياقها فهو تصحيح العقيدة، وتصحيح منهج الفكر والنظر، الذي يتجلى في استنكار دعاوى المشركين الذين يقولون ما ليس لهم به علم، وفي توجيه الإنسان إلى أن يحكم بما يعلم ولا يتعداه، وما لا علم له به فليدع أمره إلى الله، وتصحيح القيم بميزان العقيدة، حيث يرد القيم الحقيقية إلى الإيمان والعمل الصالح، ويصغر ما عداه من القيم الأرضية الدنيوية التي تبهر الأنظار) (1)

والقصص هو العنصر الغالب في السورة، ومن خلاله يعرض القرآن الكريم خلاصة سننه -سبحانه- التي تنظم بعض أحوال وصور الصراع الدائم والخالد بين الحق وأهله، وبين الباطل وأهله، في عدة جولات حضارية.

ففي قصة أصحاب الكهف صورة الحق عندما يكون مطاردًا وبيان لبعض المعالم والركائز المنهجية للعمل الدعوي التغييري، وفي قصة صاحب الجنتين صورة الحق عندما تأتي لأصحابه فرصة الحوار وتقديم الحجج، أمام أهل الباطل.

وفي قصة موسى -عليه السلام- مع العبد الصالح صور الحق الهادئ، الذي يحتاج لداعية، وما يجب على الداعية من التواضع.

وفي قصة ذي القرنين صورة الحق عندما يكون ممكنًا لأصحابه، ودوره في عمارة الأرض، وصورة طيبة لأدب المستخلفين.

إذن فالسورة بمحورها وموضوعاتها، خاصة القصص تسهم في عملية البناء الفكري للأمة، وهي تبرز وظيفة الأفكار في بناء الحضارة الإنسانية، وقد أثبتت وقائع التاريخ أن أية أمة لا بد أن تنطلق في دربها الحضاري من مجموعة من الأفكار، وسلوك الأفراد في مجتمع من المجتمعات ما هو إلا الترجمة العملية لما يؤمنون به من أفكار، ولهذا السبب نجد المجتمعات تسمو وتنمو، أو تنحط أو تبيد، تبعًا لطبيعة الأفكار التي يعتنقها أبناؤها، والفكرة لا بد لها لكي تفعل فعلها من جهد بشري مكافئ يترجمها إلى فعل.

ولا بد من عامل ثالث مكمل لهما، وهو أن تكون الفكرة قابلة للتنفيذ العملي، أي أن تكون موافقة لسنة أو قانون من السنن التي فطر الله عليها أمور الخلق) (٥).

أحوج الدعاة لفقه دور القصة القرآنية، بما تحمله من رصيد فكري، فالفكرة هي المنطلق الأول في عملية النهوض الحضاري والقصة تلعب دورًا خطيرًا في عملية البناء الفكري، وما أحوجنا لأن نتذكر أن الورد القرآني اليومي الثابت يقوم بعملية تربوية دائمة، حيث يقوم بعملية الربط الدائم بين العقلية المسلمة والأفكار، خاصة ما تقدمه القصص.

٣- ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ (سورة الكهف: ٩) تبدأ القصة بتوجيه إلى الحبيب -صلى الله عليه وسلم- أم ظننت أن خبر هؤلاء النفر الذين آووا إلى الغار وكتابهم الذي سُجل فيه أسماؤهم وقصتهم، كان أعجب مما أتيتك من العلم والكتاب والسنة، ومن قدرتنا وسلطاننا وخلقنا للسموات والأرض، كلا إن الأمر ليس كذلك، وفي هذا توجيه للداعية، ألا تشغله القضايا الجزئية عن أهدافه العظام، وألا تكون الجزئيات سببًا يعوق مسيرة، ويخلط أوراق أولوياته.

ما أشبه الليلة بالبارحة:

٤- لقد كان مما ورد في سبب نزول هذه السورة وورود هذه القصة ما ذكره ابن اسحاق حدثني شيخ من أهل مصر قدم علينا منذ بضع وأربعين سنة عن عكرمة عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: بعثت قريش النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط إلى أخبار يهود بالمدينة، فقالوا لهم سلوهم عن محمد، وصفوا لهم صفته، وأخبروهم يقوله فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم ما ليس عندنا من علم الأنبياء فخرجا حتى أتيا المدينة، فسألوا أخبار يهود عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ووصفوا لهم أمره وبعض قوله، وقالا إنكم أهل التوراة، وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا، قال: فقالوا لهم سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم فإنهم قد كان لهم حديث عجيب، وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه، وسلوه عن الروح ما هو؟ فإن أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعوه، وإن لم يخبركم فإنه رجل متقول فاصنعوا في أمره ما بدا لكم، فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش فقالا يا معشر قريش جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور، فأخبروهم بها، فجاءوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: یا محمد أخبرنا، فسألوه عما أمروهم به فقال لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أخبركم غدًا عما سألتم عنه، ولم يستثن؛ أي ولم يقل إن شاء الله، فانصرفوا عنه، ومكث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- له خمس عشرة ليلة لا يحدث له في ذلك وحيًا، ولا يأتيه جبرائيل -عليه السلام- حتى أرجف أهل مكة، وقالوا وعدنا محمد غدًا واليوم خمس عشرة قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء عما سألناه عنه، وحتى أحزن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مكث الوحي عنه وشق عليه ما يتكلم به أهل مكة، ثم جاء جبرائيل -عليه السلام- من الله -عز وجل- بسورة أصحاب الكهف فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم، وخير ما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل الطواف وقول الله -عز وجل-﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ (سورة الإسراء: ٨٥) (٦).

الهوامش:

١– آل عمران (۱۳۷).

٢– (أزمتنا الحضارية في ضوء سنة الله في الخلق د. أحمد محمد كنعان، من تقديم عمر عبيد حسنه ١٣ – ١٤ بتصريف).

٣– (مجموعة الرسائل - المؤتمر الخامس: الإمام البنا ۱۲۷)

٤– (في ظلال القرآن: سيد قطب 2257/15 – ٢٢٥٨ بتصرف).

٥– (أزمتنا الحضارية في ضوء سنة الله في الخلق د. أحمد محمد كنعان، من تقديم عمر عبيد حسنه ٣١ - ٣٢ بتصريف)

٦– تفسير القرآن العظيم ابن كثير 76/3.

رسالة إلى أخي المغترب:

أخي في الله المسافر في ديار الغربة:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بادئ ذي بدء أود أن أخبرك أني أحبك في الله -عز وجل- ويشهد الله على ذلك، وأسال الله -تعالى- أن يجمعنا تحت ظل هذه المحبة في الفردوس الأعلى ﴿إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ (سورة الحجر: ٤٧).

أخي العزيز يعز علينا فراقك، فقد كانت أيام جميلة وسعيدة قضيناها معًا في الدعوة إلى الله تعالى، ولكني لن أنساها حتى ولو كانت فترة لقائي معك قصيرة، فكما يقول الشافعي: الحر من راعى وداد لحظة، وانتمى لمن أفاده لفظة، والشهادة لله أني قد استفدت منك الكثير، وليس ذلك مجاملة، ولكنها الحقيقة التي أسال الله -تعالى- أن يجعلها في ميزان حسناتك، وستظل بصمة في القلب تذكرنا بالأيام التي خلت، وهذه حال الدنيا فكما يخبر الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، واثنان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا على ذلك»، فالدعوة إلى الله جمعتنا على طاعته -سبحانه- وسنظل على ذلك ما حيينا، ونسأله الثبات على ذلك، وإن كانت الأجساد تفترق لسفر أو لبعد مسافة أو غيره من الأمور لكن تتلاقى الأرواح وتأتلف، وكما يقول الشاعر:

ألا فليعجب الناس مني أن لي *** جسدًا بلا روح وروحًا بلا بدن

أخي في الله، أوصيك بتقوى الله -تعالى- والحرص على طاعته والاستعانة به عند الشدائد فكما قيل: «ما خاب من استشار وما ندم من استخار»، ويقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «قل آمنت بالله ثم استقم»، وكما قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- في حديثه: «النظرة إلى المرأة سهم من سهام إبليس من تركه خوف الله أثابه الله إيمانًا يجد حلاوته في قلبه» هذه حلاوة الإيمان التي أوصيك أن تسعى لها بمجاهدة نفسك، والابتعاد عما حرمه الله -عز وجل عليك- وأنت يا أخي -إن شاء الله- على قدر المسئولية والقدرة على التكيف مع وضعك الجديد، لكن هي مجرد وصية، وكما يقول -تعالى-: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (سورة الذاريات: ٥٥).

 أخي ستظل ذكراك في القلوب، وإن شاء الله -تعالى- لن ننساك بدعائنا لكن فإن لك بصمة واضحة في الدعوة إلى الله تعالى، وكل ما نرجوه أن يتقبل الله منا ومنك صالح الأعمال، ولا أقول وداعًا إلى لقاء قريب، نراك فيه وقد رجعت إلى موطنك وصحبتك بتوفيق من الله -عز وجل- وترجع بالسلامة لتواصل الطريق مع إخوانك، وتحمل الدعوة معهم، وتنضم إلى خلفاء الله على هذه الأرض مع إخوانك الدعاة إلى الله تعالى.

خالد علي الملا.

الرابط المختصر :