; المجتمع الثقافي.. عدد 1654 | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي.. عدد 1654

الكاتب المحرر الثقافي

تاريخ النشر السبت 04-يونيو-2005

مشاهدات 81

نشر في العدد 1654

نشر في الصفحة 48

السبت 04-يونيو-2005

علاء محمد الصفطاوي

قصة قصيرة 

وزلزلت الأرض

دق جرس الهاتف.. رفع السماعة.. سمع صوت أخيه في كلمات متناثرة جعلته يتساءل: ماذا يريد؟ كلماته تنبئ بأمر مهم يشغله... جلس يترقب لحظة مجيئه... مرت الدقائق ثقيلة الخطو.. كان خلالها قلقًا تملكه الخوف.. فلما سمع دقات على الباب أسرع بلهفة فاتحًا ... كانت كلماته تسبق حركة الباب: ماذا بك؟ شغلتني.

  • السلام عليكم ورحمة الله.

  • وعليكم السلام ورحمة الله.. وأردف متسائلًا: ماذا بك؟... أريد أن أطمئن.

  • جلس على كرسي .. وجلس أخوه مقابلًا له

  • أرجو أن تتكلم لتزيل لهفتي...

  • لا تتعجل فالأمر هين.. أنت تعلم أننا تقاسمنا أرض أبينا يرحمه الله مناصفة.

  • وماذا في هذا لإثارته الآن؟ ثم إن هذا الموضوع مضى عليه زمن طويل.

  • دعني أكمل...

  • تفضل.

  • لقد مر على زواجي أكثر من خمسة عشر عامًا ولم يقدر الله لي أن أرزق بأولاد.

  • هذا أمر الله.. وما قدر يكون .... وأولادي هم أولادك.

  • نعم... أعلم ذلك.. وأنا أحبهم وأعتبرهم أولادي، ولهذا أريد أن أقدم على خطوة أمل ألا تعترض عليها .

  • بشوق ولهفة: ما هي؟

    بعد أن أكتب لزوجتي حقها الشرعي فيما أملك سأكتب لك ما بقي وأسجل ذلك في الشهر العقاري 

  • وما يدريك لعل الله يرزقك بالأولاد، وما ذلك على الله ببعيد. 

  • نعم.. ولكن الأطباء أخبروني بأنه لا أمل طبيًا في هذا .. وقد انتهيت إلى قراري هذا بعد تفكير عميق.

  • موافق ... وهي لك متى شئت.

    وبلهفة وسرعة كأنه يسابق الزمن خوفًا من شيء يطارده ـ لعله الموت ـ سجل لأخيه ما تبقى من إرثه، وتنفس الصعداء... وكأنه أزال حملًا ثقيلًا من على أكتافه، وذهب إلى أخيه وأعطاه الأوراق المسجلة... ومرت الأيام سريعة.. متتابعة بشهورها وسنينها حتى جاء ما لم يحسب له حسابًا. في يوم أشرقت شمسه على الدنيا فملأتها ضياء شعرت الزوجة العاقر بألم في بطنها فظن زوجها أنه مغص ألم بزوجته فأسرع بها إلى المستشفى... وأجريت لها الفحوص والتحاليل.. وأسرع الزوج إلى الطبيب و القلق يدفع خطواته جيئة وذهابًا ... والهواجس تعبث بعقله وقلبه ولكن الطبيب طمأنه قائلًا: إن ما تعانيه الزوجة ليس مغصًا.

  • إذن فما العلة؟

    ابتسم الطبيب ثم قال: إنها بشائر الحمل،

     حمل!... حمل!... ماذا تقول؟!.. لقد حسم الأطباء هذا الأمر من زمن بعيد...

    قاطعه الطبيب قائلًا: ليقل الأطباء ما يشاؤون أنسيت ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ (الحج: 5).

  • أنت متأكد من أن الحمل حقيقي؟ ربما يكون حملًا كاذبًا كما يسمونه

  • لا .. لا الحمل أكيد إن شاء الله .

  • رقص قلبه طربًا .. تحركت مشاعر الأبوة بداخله... قال لنفسه: بعد هذا الحرمان الطويل... سأكون أبًا !!

    شكر الطبيب وأخذ بيد زوجته، ولولا حياؤه لحملها عن الأرض خوفًا على ما في بطنها. 

    وبعد أن هدأت نشوة الفرح بالخبر السعيد تذكر ما أقدم عليه مع أخيه... فقال: ماذا أفعل الآن؟ 

    قالت له زوجته: اذهب إلى أخيك واشرح له الأمر وأنا متأكدة أنه سيعطيك الأوراق. 

    جلس مع أخيه... وهاجس الخوف يكاد يقتله .

    ثم قال: أخي لقد من الله علي وأخبرني الطبيب بالأمس أن زوجتي حامل.

  • حامل!. معقول .. بعد هذه المدة الطويلة؟! 

  • هذه هي الحقيقة التي أثبتتها الفحوص والتحاليل وأكدها لي الطبيب. 

  • (ببرود شدید): مبروك.

  • بارك الله فيك... وقد جئتك اليوم لتعيد لي الأوراق.

  • أي أوراق.. أي أوراق؟ 

  • أوراق الأرض

  • (هازئاً) الأرض.. الأرض أصبحت ملكي وفي حيازتي.

  • ولكنك قلت لي يومها: هي لك متى شئت.

  • هل أجبرتك على كتابتها؟

  • لا.

  • إذن فكل شيء تم بإرادتك واختيارك... والأوراق كلها موثقة ولذا أنصحك بنسيان هذا الموضوع.

  • انا كتبتها لك.. نعم ولكن في ظروف معينة.

  •  أقول لك بصراحة: لا أرض لك عندي... 

  • عندما كانت تخصني كتبتها لك وتنازلت عنها، لكنها الآن أصبحت تخص أولادي من بعدي (قالها وكأنه يستعطفه).

  • هذا كلام لن يفيد .

  • أنت بفعلك هذا تقطع ما بيننا.

  •  هذا لا يهم.. المهم الأرض.

  • سقطت دمعة على خده مسحها بسرعة وهو يقول:

  • سأخرج الآن ولكن تذكر : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ (إبراهيم: ٤٢)

  • لست ظالمًا... فلم أجبرك على شيء.. وإن كنت ترى أنك مظلوم فأرفع أمرك للقضاء. 

  • لقد رفعت أمري بالفعل.. إلى الحكم العدل ...إلى الله ثم خرج. 

    أحس بثقل قدميه.. أظلمت الدنيا في عينيه... هل يعقل هذا؟ أخي.. ابن أمي وأبي يفعل هذا؟ صحيح صدق من قال:

    وظلم ذوي القربي أشد مرارة

                                  على النفس من وقع الحسام المهند

     دخل إلى زوجته مهمومًا.. أخبرها بما حدث... هدأت من روعه ثم قالت: هون عليك.. لقد حرصت على وصل رحمك.. وهو حرص على قطعها.. فدع أمرك لله.. وتذكر أن ما عندنا يكفي لأن نحيا حياة كريمة ... لكنه هب واقفًا وقال:

    لابد أن نخرج من هنا.. لا أريد أن أعيش معه في بيت واحد وانتقل إلى شقة بعيدة....

    ومرت الأيام بحلوها ومرها.. وانقطعت أخبار أخيه عنه. فرقت بينهما الأرض.. وحتمًا ستجمع بينهما في يوم ما ...

    وفي يوم أصاب الهلع الجميع.. وجرى الناس حفاة.. شبه عراة.. وقد ملأ المدينة صراخ النساء والأطفال... واهتزت المدينة بأكملها.. كان الزلزال مدمرًا.. تذكر الناس يوم الحشر...

    وجاءت اللحظة التي غفل عنها الظالم.. فقد مات تحت أنقاض بيته هو وأولاده وزوجته.. لم تقتله الأنقاض.. وإنما قتله ظلمه ... ودفنته أطماعه في قبر الوحشة. 

    وتذكر الأخ الأكبر أخاه الأصغر.. وجرى رغم كبره حتى وصل إلى البيت الذي خرج منه رأى ما يشيب له الوليد أين الأخ؟ أين الأولاد؟ التف الناس حوله، لكنه سقط مغشيًا عليه من هول ما رأی.

البحث عن ذاكرة الأمة في المخطوطات الموقعة

المخطوطات الموقعة هي مؤلفات المفكرين والعلماء المكتوبة بخط مؤلفيها والتي يوقعون عليها لإثبات صحة ما كتبوا وكذلك ما يتم نقله عن النُّسخ الأم وإن تم بعض الإضافات من المدققين (المخطوطات الموقعة) كان عنوان المؤتمر الدولي الثاني لمركز المخطوطات بمكتبة الإسكندرية الذي عرض الكثير منها، من تركيا والعراق وسوريا ومصر وفرنسا. وأدار نقاشًا ثريًا حول الدور المطلوب لترميم هذه المخطوطات وجمعها خاصة بعد الاحتلال الأمريكي للعراق والاعتداء على التراث العربي تمهيدًا لمحوه من تاريخ البشرية .

الحداثيون العرب

ذهبت الناقدة الإسلامية سهيلة زين العابدين حماد إلى أن: الحداثة الموجودة على الساحة العربية ليست قائمة على التجديد والتحديث والتطوير، وإنما هي قائمة على إلغاء كل ما له علاقة بالإسلام دينًا وعقيدة ولغة وتاريخًا وتراثًا، إنها تستهدف اجتثاث جذور الإنسان العربي المسلم وجعله تابعًا للآخر .. لا هوية له ولا قرار تائهًا ضائعًا، هذه حال الحداثيين العرب، فهل صحيح أن الحداثة في أدبنا العربي يقصد بها معاداة الإسلام ولغته وقد خُطط لها من قبل أعدائنا؟ وهل هي - كما كشفت الكاتبة البريطانية فرانسيس ستوز سوندرز في كتابها (من يدفع التكاليف) - ممولة من قبل المخابرات الأمريكية .

الذائقة الشعرية

إن العلاقة الحضارية بين النص المصوغ والفهم العملاق في واحة الإبداع العربي في عصور الإبداع الذهبية هي التي حفظت للذائقة الشعرية مكانتها، وللمستوى النقدي مكانته، وظل الشعر بخصوصيته الموسيقية ودفقاته الشاعرية يشكل نمطية نصية تغاير النصوص الأخرى، حتى لو كانت من الناحية الفنية لا يستهان بها كالخطبة والمقامة... وحتى حينما يقدم لنا أصحاب هذا النهج قصائد فإنها تبدو من خلال عنوانها أو من خلال النص الإضافي الذي يقترحه الكاتب قصائد وطنية ممجوجة سمجة لا تناسب روح القضية ولا تنسجم مع طبيعة النص الجهادي المقاوم.


د.عبد الغني أحمد التميمي

ائتلاف الخير

الحمد لله أن البذل ألوان                          وكله بائتلاف الخير يزدان

البذل في الدين ركن ليس نافلة                   ولا تقام بغير البذل أركان

ما الفن أن تمتطي للقول حنجرة                الفعل للصدق ليس القول برهان

ابذل ووصل وحث الناس مغتنمًا              فأنت بالبذل والمعروف فنان 

والمال يأتي ويمضي والحياة كذا                 من سره زمن ساءته أزمان 

....

أهلًا وسهلًا بأهل الخير مقدمهم               ظل ظليل وأزهار وريحان

يأتون والأرض للإحسان ظامئة                  ويذهبون ووجه الأرض ريان

والحي إن نزلوا فالخصب منزلهم                والدار إن سكنوا فالدار بستان

أما أكفهم فالله سخرها                             لصنعة الخير ما هانت ولا هانوا 

 فهم قصيدة هذا العصر أنشدها                الخير أسطرها والصدق عنوان

 إن ائتلافكم للناس قاطبة                          خير ونور وإسعاد وإحسان

 الوقت والجهد والأموال غالية                  لكن باذلها في الله ربحان

أغلى من المال إدخال السرور به                أغلى من الماء أن يروها ظمـآن

 صناعة الخير إبداع ومفخرة                     بغير ذلك ما الإنسان إنسان

وإن خلا الناس من بر ومرحمة                  فالأرض سجن ومسجون وسجان

فابذل إذا كان إمكان ومقدرة                      فلا يدوم على الإحسان إمكان

....

نادت فلسطين واغوثاه فانتدبت                لها كرام لهم عزم وإيمان 

 لبيك مسرى رسول الله نحن هنا                 جند أباة لنصر الحق شجعان

إن جاع أهلك جعنا كلنا فثقي                       أنا وأهلك في الإسلام إخوان

نهديك من لحمنا يا قدس أعظمه                هذي فداؤك أرواح وأبدان

 نداؤك اليوم لباه الأباة وقد                        أتوا عمان بهم تزهو وعمان

 أرض الكنانة لبت غير وانية                       فرددت من صدى حلوان أسوان

 وديرة الخير في الحرمين ما بخلت               فإنها لهموم الناس سلوان

كل الجزيرة ما استثنيت من أحد                 فهم لنصرة أهل الخير أعوان

 والمغرب الشامخ الماضي بفتيته                وفي الجزائر أبطال وفرسان

 وفي دمشق أساة للعلا هبوا                       وهب يدعمهم في الخير لبنان

 ومن تقاصر شعري ليس يذكره                  فسوف يذكره في الحشر ميزان

....

يا إخوتي في ائتلاف الخير كلكم                    أساة جرح له في القلب إمعان

كم دمعة كفكفت من بذلكم أبدا               وكم تلاشت لأهل الحزن أحزان 

 أنتم مرافئ خير كم نجا بكم                        من لجة البؤس والحرمان غرقان

 وأنتم الغيث ما سخت سحائبه                إلا تحلت بهذا الغيث أوطان 

 فالله يجزيكم خيرًا ويحفظكم                  ذخرًا، ويرحمكم في الأرض رحمان

محمد أبو زهرة

في ذكرى استشهاده السادسة والأربعين

من قتل الشاعر الإسلامي هاشم الرفاعي؟

في مهرجان الشعر الأول الذي عقد بالعاصمة السورية دمشق سنة ١٩٥٩م وقف من بين الشعراء الشبان شاعر يخاطب أباه في ثقة وإيمان:

أبتاه ماذا قد يخط بنائي                            والحبل والجلاد ينتظران

ثم يستمر وهو يحكي قصة المأساة لجيل كامل على لسان شهيد ينتظر تنفيذ

حكم الإعدام فيه، إلى أن يقول:

أهوى الحياة كريمة لا قيد لا                        إرهاب لا استخفاف بالإنسان

فإذا سقطت سقطت أحمل عزتي                    يغلي دم الأحرار في شرياني 

ويتابع الشاعر إلقاء قصيدته وينال إعجاب سامعيه، وتتحدث عنه الصحف ويظفر بالجائزة الأولى لهذا المهرجان من بين عشرات الشعراء العرب الذين إشتركوا في هذا المهرجان (۱).

 أما الشاعر فهو هاشم الرفاعي الطالب بكلية دار العلوم بالقاهرة، وأما القصيدة فهي (رسالة في ليلة التنفيذ) التي ذاعت في العالم الإسلامي وتغنى بها شباب الصحوة الإسلامية في كل مكان (هي وأخواتها: وصية لاجئ - أغنية أم - شباب الإسلام)، وأما السؤال من قتل هاشم الرفاعي فإليك الجواب عنه أيها القارئ الكريم:

 كان هاشم الرفاعي سليلًا لأسرة متدينة (٢). وقد نشأ في بيت يعنى بالعلم ويهتم بالتفقه في دين الله ويحرص على التربية الإسلامية، التحق بمعهد الزقازيق الديني التابع للأزهر الشريف سنة ١٩٤٧م وحصل على الشهادة الإبتدائية الأزهرية في عام ١٩٥١م، ثم أكمل دراسته في هذا المعهد وحصل على الشهادة الثانوية سنة ١٩٥٦م ثم التحق بكلية دار العلوم ولقي الله شهيدًا قبل أن يتخرج سنة ١٩٥٩م (٣). وكان في مراحل دراسته كلها بارزًا بين زملائه، يقول الشعر ولما يبلغ الثانية عشرة من عمره، ويقود الطلبة في المظاهرات ضد الاحتلال البريطاني والأوضاع الفاسدة السائدة في مصر وقتها :

يا مصر قد عاثت بأرضك عصبة                     باسم الصيانة والحماية أفسدوا

قتلوا شباب الجامعات وجندلوا                     في النهر من بمياهه يستنجد

ماذا جنوا حتى أرقت دماءهم                     وبأي حق في المضاجع وسدوا (٤) 

والخطاب في البيت الأخير موجه إلى الملك فاروق الذي أمر بإطلاق النار على الطلبة في مظاهرة كوبري عباس الشهيرة، وأمر بفتح الكوبري على المتظاهرين فمن نجا من الفرق لم ينج من رصاص البوليس، وفي واحدة من هذه المظاهرات أصيب هاشم الرفاعي برصاصة طائشة تركت أثرًا في أعلى رأسه، وفُصل من معهد الزقازيق الديني مرتين، كانت الأولى قبل قيام الثورة، وفي هذا يقول الشاعر: 

يا فتية النيل الممجد إننا                                 تأبي ونرفض أن نساق قطيعًا

هذا أبن نازلي للهلاك يقودن                              جهرًا ويلقى في البلاد مطيعًا

فإلى متى هذا الخنوع وإنه                         جرم أضاع حقوق مصر جميعا (٥)

بمثل هذا الحماس المتوقد كانت نفس شاعرنا تشتعل ثورة ضارية لم يستطع أن يكبتها، وأبت إلا أن تعلن عن نفسها في أكثر من موضع من شعره:

يا ثورة في ضلوعي                                            وما لها من هجـــوع

إلام أقضي حياتي                                              في ذلة وخضوع؟(٦) 

وظل شاعرنا هكذا حتى أشعلت ثورته ثورة أخرى عندما أُعلن عن قيام ثورة الضباط الأحرار في مصر بقيادة اللواء محمد نجيب الذي طرد الملك والإنجليز من مصر، واستقبل المصريون والعرب جميعًا هذه الثورة بالفرحة الغامرة، وكان لشاعرنا الحظ الأوفر من هذه الفرحة فجاءت قصائده في الإشادة بالثورة و بقائدها نجيب تترى:

 أمل تحقق في البلاد عسيرُ                                قد كان في خلد الفقير يدورُ

 لما أعيد إلى الكنانة مجدها                              وانجاب عنها الليل والديجورُ

 بعث الإله إلى البلاد نجيبها                             فتحطمت للمفسدين صخور

لا أرجع الرحمن أيامًا مضت                             كانت علينا بالشقاء تدور (۷) 

ولكن سرعان ما انقلبت الثورة على نفسها، وتأمر جمال عبد الناصر وزمرته على محمد نجيب وألقوا القبض عليه في مشهد مهين، وساقوه إلى الإقامة الجبرية بتهمة أنه يستمع إلى الإخوان المسلمين ويفتح لهم بابه، وأعلن جمال نفسه زعيمًا ورئيسًا لمصر حفاظًا على ما يسمى بمكتسبات الثورة وحماية لها من أعدائها الإسلاميين المتربصين بها! وفتح المعتقلات للإخوان سنة ١٩٥٤م ودبر تمثيلية (المنشية) الشهيرة ليقدم مبررات لحملته على الإخوان أمام الرأي العام المصري والعالمي، ودخلت البلاد في دوامة حكم شمولي بوليسي لم يأمن فيه الناس على أنفسهم، وقد رأوا السجن الحربي يفتح لهم فاه ويقول هل من مزيد.

وأمام هذا الظلم والجبروت والادعاءات الكاذبة المزيفة وإلغاء الأحزاب والحياة النيابية وإقصاء نجيب، ثارت ثائرة هاشم الرفاعي من جديد ولم يتمالك نفسه وأعلن منذ أول يوم رفضه العبد لناصر وزبانيته: 

أنزل بهذا الشعب كل هوان                                  وأعد عهود الرق للأذهان 

أطلق زبانية الجحيم عليه من                                 بوليسك الحربي والأعوان 

وفي القصيدة نفسها يتحدث عن محكمة الشعب الهزلية التي أقامها عبد الناصر للإخوان ونصب لها قضاة مزيفين من زمرته الفاسدة لتحكم بأحكام معدة سلفًا، فكانت محط سخرية المصريين جميعًا :

ما بين محكمة تقام وأختها                                   مُني الضمير بغفوة النعسان

الشعب يلعنها وتقرن باسمه                                أرأيت كيف تبجح البهتان

فيها القضاة هم الخصوم وإنها                                لعدالة مختلة الميزان!

ويعلن هاشم الرفاعي أنه لن ينخدع بكل هذا البهتان الذي زيفه جمال:

هبني خُدعت بكل ما زيفته                                 عن سادة الأحزاب والإخوان

هل خان قائدنا نجيب عهدنا                          أم راح نهب الحقد والأضغان؟(۸)

وهو سؤال دخل به شاعرنا منطقة محظورة وحقل ألغام خطير، ولكنه لم يأبه لذلك. وراحت قصائده في عبد الناصر وأزلامه تترى، وشارك في المظاهرات ضد رجال الثورة الذين ضربوا الاتجاه الإسلامي وأقصوا نجيب، وكانت هذه هي المرة الثانية التي يفصل فيها من معهد الزقازيق لمدة سنتين (من ١٩٥٤ - ١٩٥٦م) وكان فصله في هذه المرة بسبب قيادته للمظاهرات التي خرجت من معهد الزقازيق ضد عبد الناصر (۹). 

في تلك الفترة كتب الشاعر عدة قصائد في الهجوم على عبد الناصر، منها قصيدة مصر بين احتلالين، والدلالة هنا واضحة حيث يقصد بالاحتلال الأول الاستعمار الإنجليزي، وبالثاني عهد عبد الناصر، وفيها يقول:

ما عدت يا أرض الكنانة موطنًا                        للحر بل قد صرت دار نکال

قد حورب الأحرار في أرزاقهم                        من ظالم في الظلم ليس ببالي

عد يا جمال بما تشاء مظفرًا.                          إن الطغاة قصيرة الآجال

لم يعرف الباستيلُ، يومًا بعض ما                      في سجنك الحربي، من أهوال

من كان يخشاه فمصر قد غدت                      سجنًا كبيرًا محكم الأقفال (۱۰)

وبرغم التحذيرات الكثيرة من أصدقاء الشاعر المخلصين ونصحهم إياه بالكف عن التعرض لعبد الناصر خوفًا عليه من بطشه، إلا أن هاشم الرفاعي أعلن تمسكه بقول الحق مهما كلفه، وسجل ذلك في قصيدة (جمال.. رئيس الجمهورية!!(

لا مصر داري ولا هذي الربا بلدي               إني من الحق فيها قد نفضت يدي

وقائل لي - ينهاني وينصحني:                      السجن بات قريبًا منك فابتعد

إن كنت ذا شمم في معشر جنحوا               للذل فأجنح له تركن إلى رشد

فقلت: فكري.. إحساسي أأقتله؟         هذا الذي لم يدر يا قوم في خلدي (۱۱)

في دار العلوم

وفي سنة ١٩٥٦م ينتقل هاشم الرفاعي إلى القاهرة ويبدأ مرحلة جديدة من حياته في كلية دار العلوم، مرحلة اتسع فيها أفقه وصقلت فيها تجربته الإسلامية، وارتبط أكثر بقضايا المسلمين في ربوع الوطن الإسلامي الكبير (فلسطين - السودان – إيران - الجزائر – الصومال) وذاع صيته وانتشرت قصائده من خلال الندوات والاحتفالات التي كان يشارك فيها بقصائده، وبخاصة تلك التي كانت تعقد في جمعية الشبان المسلمين، وفيها ألقى روائع قصائده الإسلامية مثل قصيدة شباب الإسلام:

ملكنا هذه الدنيا قرونا                                 واخضعها جدود خالدونا

وسطرنا صحائف من ضياء                          فما نسي الزمان ولا نسينا

وآلمني وآلم كل حــر                                     سؤال الدهر: أين المسلمونا

تُرى هل يرجع الماضي فإني                          أذوب لذلك الماضي حنينا (١٢)

أصابع الغدر تحيك النهاية

وأمام كل هذا التألق والإبداع والذيوع والانتشار لشاعر إسلامي واعد لم يكمل دراسته الجامعية بعد، فكيف إذا طال به العمر وازداد ذيوعًا وانتشارًا، لا شك أنه عندها سيشكل تهديدًا حقيقيًا لمصالح الطغاة، ومن ثم سارعت أصابع

الغدر والطغيان التي عصفت بمحمد نجيب والإخوان المسلمين وكل المصريين المخلصين، سارعت إلى إنهاء هذا الكابوس الجاثم على صدرها، وفي الثاني من يوليو ١٩٥٩م تم استدراج هاشم الرفاعي إلى خصومة مصطنعة مع أعدائه الشيوعيين في بلدته أنشاص وفي الخفاء تقدمت نحوه يد الغدر بطعنة جبانة من سكين حمقاء، ليصعد بعدها شهيدًا ينضم إلى قافلة الشهداء الذين سقطوا على يد عبد الناصر، تصعد روحه إلى بارئها تشكو ما يلاقيه العباد من ظلم العباد.

ويشكل مقتله المفاجئ صدمة لأبناء الاتجاه الإسلامي في مصر والعالم، وبخاصة في كلية دار العلوم التي برز هاشم الرفاعي بين أبنائها وكان يتولى مسؤولية النشاط الأدبي في هذه الكلية التي كان عميدها الأستاذ الشاعر علي الجندي، والذي كان معجبًا بهاشم الرفاعي ويتنبأ له بمستقبل عظيم، ولهذا لم يتمالك مشاعره تجاه هذا الغدر الأليم فقال يرثيه: 

لهف نفسي على الصبا المنضور                          لفه الغدر في ظلام القب

فجعتنا عصابة الكفر والإلحاد                          والبغي والخنا والفجور 

قتلوه بغيًا ليخفوا سناه                          كيف يخفى سنا الصباح المنير! (١٣)


الهوامش

  1. محقق الديوان : ۹

  2. نشأ هاشم الرفاعي في قرية أنشاص إحدى قرى محافظة الشرقية بمصر.

  3. محقق الديوان:  ٢٦-١٩

  4. من قصيدة (بين عهدين): ۱۳۲

  5. من قصيدة (عقيدة)، ونازلي هي أم الملك فاروق، ١٣١

  6. من قصيدة صيحة البعث: ١٤٩ 

  7. من قصيدة توزيع الملكية: ١٥٧ 

  8. من قصيدة ، جلاد الكنانة: ٣٩٦ 

  9. محقق الديوان : ۱۹ 

  10. الديوان ٣٩٤

  11. الديوان: ٤١٦

  12. الديوان: ۳۸۳

  13. الديوان: ۲۰

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 38

154

الثلاثاء 08-ديسمبر-1970

ندوة العلماء ودار العلوم

نشر في العدد 58

85

الثلاثاء 04-مايو-1971

مع القراء (58)