العنوان قصة قوم لوط بثوب جديد (الإيدز)
الكاتب أحمد محمد كنعان
تاريخ النشر الثلاثاء 30-أغسطس-1994
مشاهدات 79
نشر في العدد 1114
نشر في الصفحة 61
الثلاثاء 30-أغسطس-1994
في تاريخ «الإيدز» هناك محطتان هامتان تستحقان أن نتوقف عندهما مليًّا...
المحطة الأولى:
أما المحطة الأولى فتعود إلى سنوات بعيدة موغلة في القدم، وبالتحديد أيام نبي الله لوطه- عليه السلام- ومعلوم أن قوم لوط كانوا أول من ابتدع فاحشة الشذوذ الجنسي، كما فهم أكثر المفسرين من الآية التي وردت على لسان نبي الله لوط عليه السلام: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ ﴾ (العنكبوت:٢٨-٢٩).
ويوحي ظاهر الآية أن قوم لوط هم أول من مارس الشذوذ الجنسي، وهذا ما ذهب إليه جمهور المفسرين في القديم، إلا أن أبحاثنا كشفت أن الشذوذ كان معروفًا قبل قوم لوط بأمد غير قصير، فإذا ما صح هذا الاكتشاف فإن فهمنا للآية التي أشرنا إليها، بل فهمنا للمشكلة كلها، يمكن أن يكون على نحو آخر، وهو أن قوم لوط لم يكونوا أول من مارس الشذوذ، ولكنهم كانوا أول من جعل ممارسة الشذوذ أمرًا عامًّا، معترفًا به من قبل المجتمع بدليل أنهم خصصوا للشذوذ والشاذين نوادي عامة جعل الناس يغشونها، ويمارسون فيها عهرهم على الملأ.
وهكذا بعد أن كان الشذوذ يمارس في السر، وفي نطاق فردي، أمسى الشذوذ عند القوم يمارس علنًا، وعلى نطاق جماعي.
وليس هذا فحسب، بل أصبح الذي يمارس الجنس الحلال موضع احتقار من المجتمع، لهذا قال القوم عن نبي الله لوط والذين أمنوا معه ﴿أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ (النمل:٥٦)، أي أن الطهارة والعفاف أصبحا في ذلك المجتمع سبة، وعارًا وانحرافًا، وشذوذًا.
وهناك يكمن سر هذه البدعة الشنيعة التي ابتدعها قوم لوط فإنهم بسلوكهم المنحرف ذاك قد قلبوا فطرة الله- عز وجل- رأسًا على عقب، فجعلوا الحلال حرامًا، والحرام حلالًا ولم يقتصر هذا الانحراف على الرجال وحدهم كما يظن معظم الناس، بل شمل النساء أيضًا.
وعندما يدخل المجتمع مستنقع الحرام وتنتقل المعصية من النطاق الفردي إلى النطاق الجماعي، فحينئذ يصبح المجتمع مهددا بالهلاك، وهذه سنة من سنن الله في الخلق... وهذا ما حصل لقوم لوط، فجاءهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم، وقلب الله بهم الأرض، فجعل عاليها سافلها، وأمطر عليها حجارة من السماء أبادتهم، وطهرت المجتمع لبشري من شرورهم. وهذه سنة ربانية مطردة، كلما توافرت شروطها، حصلت نتائجها، ولقد توافرت شروطها منذ عهد قريب فكان الإيدز ثمرتها الحتمية المرة.
المحطة الثانية:
وهنا نصل إلى المحطة الثانية لنتحدث عن الانقلاب الذي حدث في عصرنا الراهن، وأعاد إلى الأذهان من جديد.. قصة قوم لوط.. ففي شهر أغسطس «آب» من عام ۱۹۷۳م، وفي مدينة سان فرانسيسكو في الولايات المتحدة الأمريكية عقد مؤتمر علمي للأمراض النفسية لكن ما تمخض عنه المؤتمر من توصيات كان أبعد شيء عن العلم، فقد خرج المؤتمرون من ذلك المؤتمر بتوصيات عجيبة غريبة، منها:
- أن الشذوذ الجنسي ليس شذوذًا.
- وأن من يمارس الجنس على الصورة التي درج الناس على وصفها بالشذوذ هو إنسان طبيعي تمامًا.
- ومن ثم قال المؤتمرون و«أكاد أقول المتآمرون» تعالوا نشطب مرض الشذوذ من كتب الطب، فلا حاجة لمن يمارس هذا الفعل إلى أي علاج نفسي، أو تأهيل اجتماعي.
وهكذا حصل الانقلاب في الفطرة مرة أخرى كما حصل في قوم لوط، ولكن مع فارق جوهري، وهو أن الذين تزعموا الدعوة إلى الرذيلة في قوم لوط كانوا أراذل الناس وجهلتهم وسفلتهم، وأما في العصر الحديث فإن الذين تزعموا الدعوة كانوا علية القوم، وهذا ما زاد من حجم الكارثة، لأن الناس اعتادوا أن يتقبلوا كل ما صدر عن العلماء دون مناقشة.. فكيف إذا كان الناس من أصحاب الأهواء، والشذوذ، والانحراف، وجاهم من يبرر أهواءهم وشذوذهم وانحرافهم تحت ستار من العلم.
كانت النتيجة أن الذين كانوا يمارسون الرذيلة والشذوذ خلسة، أو خفية، أو على استحياء، أصبحوا يمارسونه علنًا في وضح النهار، ويجاهرون به بل أكثر من هذا راحوا يقيمون له النوادي العامة «كما فعل قوم لوط من قبل» ويؤسسون له النقابات للدفاع عن حقوق الشاذين «وربما الدفاع عن شرفهم أيضا».
وتذكر الإحصائيات أنه في مدينة سان فرانسيسكو نفسها التي احتضنت المؤتمر المشئوم ارتفعت نسبة الشاذين في أقل من عام واحد بنسبة ٦٢٪ عما كانت عليه قبل المؤتمر، ولا عجب، فإن العلماء قد أعطوا للشذوذ صك الغفران، وطبعوه بطابع العلم فكسروا بذلك الحاجز الأخير الذي كان يحول بين كثير من الناس وبين الوقوع في الرذيلة، وعندئذ حدث الانفجار، وانطلق الناس تحت ذلك الغطاء الخادع من العلم وراء شهواتهم ونزواتهم، حتى اجتاحت العالم موجة عارمة من الإباحية الجنسية والانحلال الأخلاقي لم يشهد التاريخ لها مثيلًا في اتساعها ومدها .
وهكذا أعاد التاريخ إلى الأذهان قصة قوم لوط، وحان الوقت من جديد لكي تفعل سنة الله في العذاب فعلها بعد أن تهيأت أسبابها فصدرت الأوامر الإلهية لجنود الرحمن أن يتحركوا، فتحركوا وبدأ وباء الإيدز يجتاح العالم، ويحصد الأرواح بالجملة.
والخلاصة:
فإن الظاهر من مسلك الإيدز حتى الآن إنه ليس مرضًا عاديًّا مثل بقية الأمراض، وإنما هو مرض موجه جاء للقيام بمهمة خاصة في إطار سنة من سنن الله في الخلق، فهو بمثابة إنذار شديد اللهجة موجه إلى المجتمع البشري كله للوقوف صفًّا واحدًا في وجه موجة الإباحية الراهنة التي إن لم نواجهها مواجهة حاسمة أصابت منا البري والمتهم دون تمييز مصداقًا لقول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (الأنفال:٢٥).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل