; قصص لا تنسى الرقص على الجليد | مجلة المجتمع

العنوان قصص لا تنسى الرقص على الجليد

الكاتب محمد المجذوب

تاريخ النشر الثلاثاء 24-سبتمبر-1974

مشاهدات 97

نشر في العدد 219

نشر في الصفحة 21

الثلاثاء 24-سبتمبر-1974

«إن جلالته حريص على الأسلوب الدستوري، فهو لا يتــــدخل في صلاحية الحكومة، ولكم أن تراجعوا رئيسها فيما تطلبون..» كان أبو ماجد يرد على نفسه عبارة الديوان الملكي هذه، ثم يتساءل: هل نتوقع حظًا خيرًا من هذا الرد لدى رئيس الوزارة؟.. وإلى من سيحيلنا؟ ليت شعري!.. وتتزاحم على خياله صور النسوة والأطفال، وهم يتراكضون في طلب الماء هنا وهناك، ويتذكر وجـوه الرجال الذين ما انفكوا يزحفون إلى مكتبه ومنزله من ضواحي العاصمة، يشكون إليه ظمأ أهلهم، ويسألونه في لهفة أن يجدد مساعيه لدى الكبار حتى يرقوا لهم، ويسمحوا للماء أن يعود إلى جريانه في صنابيرهم، التي انقطع عنها منذ عدة أيام.. ولم يكن في شكاواهم تلك أثر للمبالغة، فقــد شهد بعينيه الحقيقة، عندما استطاع مع إخوانه العاملين في حقل الدعوة الإسلامية، الحصــــول على بعض الصهاريج الحكومية، التي حملت إليهم بعض الدفعات من المياه، فجعلوا يتزاحمون عليها حتى ليكاد يطأ بعضهم بعضاً.. وطبيعي أن يترك هذا المنظر تأثيره العميق في قلبه وقلوب زملائه، يحترم جمعيات الآخرين، فلا يطمع بإخضاعهم لإرادته.. والظاهر أن إنذار الرئيس لم يكن مفاجئًا لرجال الوفد، فلم يتعجــل أحد بالتعقيب عليه، واتجهــــوا بأبصارهم إلى أبي ماجد كأنهـــم يفوضون إليه متابعة البحث.. ولم يشأ هذا أن يستسلم لعواطفه التي أثارها كلام الرجل، بل أجــــاب بكثير من التروي: - لا يسعنا إلا أن نشكر للمسئولين إقرارهم للشعب بحق التعبير الذي هو هبة الله لهم.. ولكن الاختلاف قد يقع في مفهوم الحرية.. - الحرية..!! - نعم يا دولة الرئيس.. إن الحرية في مفهومنا الإسلامي هــــي إخضاع التصرف للواجب وحده، على حين هي بنظر الآخرين الخروج على كل محظور أو واجب.. - وهل من الواجب في مفهومك الإسلامي أن نقید تصرفات الناس، فنمنعهم أن يلهوا، وأن يبتسموا، وأن يتحركوا خارج نطاق المسجد! - ومتى قلنا ذلك!.. لقد جئنا نذكركم بأن بطون الناس هي صاحبة الحق بالماء، فتحويله إلى المدرج الرياضي حتى يكون البحيرة التي تصلح للتجميد، ثم لألعاب الراقصات الأميركيات على الجليد.. إنما هو عدوان ظالم على حقوق العطاشى والمرضى.. ولا يمكن أن يدخل في مسميات الحرية! وكان هذا كافيًا لتهديم كـــل الحواجز التي أقامها الرئيس دون عواطفه.. فلم يتردد أن قال: «ومع ذلك فنحن نريد أن نرقص، وأن نشاهد الراقصات على الجليد، ولا نرى في ذلك بأسًا، ولكننا لا نكره أحدًا على مشاركتنا في هذه المتع.» وبمثل هذه اللهجة أجـــاب أبو ماجد: إن الذي فعلته من قبـــل في حفلة.. لا ينبغي أن يتكرر بعــــد اليوم.. وإذا أبيت إلا الإقدام عليه فلك ذلك، على أن تقوم به في دارك بعد إغلاقها، لا في مدرج هو ملـــك الأمة، ولا على مياه هي حق الأحياء، الذين تريد أن تهلكهم عطشًا لتوفــر متعتك المحرمة.. وكأن لغمًا قد انفجر تحت مقعد الرجل فإذا هو يهب واقفًا ويصرخ: هذا تطاول ستدفع ثمنه غاليًا.. ودون أن يغير أبو ماجد جلسته رد قائلًا: إن المتطاول هو الذي يقهقه في مناحة الأمة.. إن العدو يصاحبنا كل يوم بعدوان جديد، فبدلًا من أن تقف طاقتك كلها على إعداد الشعب لمقارعته، تفتح بــــلادك بوجــوه الفاجرات لتدمر فيها بقية الرجولة. ويضرب دولته سطح مكتبه بقبضته ويصرخ من جديد: هذا تطــــــاول ستدفع ثمنه غاليًا.. سمه ما شئت.. المهم أنــــك تستورد من أميركة الرقص والفجور، وعدو بلادك يستورد منها المدافــع والفانتوم.. فأين هو المتطاول في لغة المنطق.. ولم يبق ثمة متسع للكلام بنظـــر دولة الرئيس الذي بدأ يرتجف مـــــن الغضب، وضغط طويلًا على فاصـــمة الجرس، فاذا الفراش والأمين العام يدخلان مسرعين. ويصيـــــــــح الرئيس: علي بالحرس.. ويلتفت إلى أبي ماجد، الذي كان يصطنع الابتسام ليقول، والـــزبد يتطاير من شفتيه: لن تسكن بلـــدًا أنا فيه بعد اليوم..، وأقبل الحرس ليستمع إلى أمر سيده: «سوقوا هذا الـ.. إلى المعتقل.. حالًا.. حالًا ويوجه بقية الكلام إلى المشايخ: إن الحفلة ستتم.. ولو مات الناس عطشًا.. والويل لمن يقف في طريقها.. ومشى أبو ماجد أمام الحــــرس وهو يردد: أهذه ديموقراطيتك؟.. الله أكبر منك.. ﴿وَسَيَعۡلَمُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَيَّ مُنقَلَبٖ يَنقَلِبُونَ﴾ (الشعراء: 227) ويصرخ الرئيس: أتسمعون!. إنه يهددني بالانقلاب!!.. لم يشعر أبو ماجد قط بمثــــل المهانة التي أحس بها وهو يقلــب البصر في أصناف المعتقلين.. إنهم ضروب من المخلوقات لا تكاد تجمعهم رابطة.. فهناك الجـواسيس، والخونة، وكبار المجرمين.. وقد يئسوا من الفرج، فهم على خــــلاف مستمرًا فيما بينهم، ومع الحرس، ومع أنفسهم.. وأسوأ ما واجهه تلك الشتائم التي يتراشق بهـــــا أكثرهم من مسبة الدين وشــــارع الدين.. كأنهم يحاولون بذلــــك الانتقام من القدر، الذي يزعمون أنه ساقهم إلى هذا المصير.. ولا بد أن يكون لحرارة الجو أثرها الفعال في هذه الانفعالات الكريهة.. فقد كان القيظ على أشد ما وصل إليه خلال هذا الصيف، إذ سجلت الحرارة الدرجة الخمسين.. مضافًا إليها رياح الصحراء التي لا تنفك تحمل إليهم لواذع السموم، وكأنهـــا سياط الشياطين تنفذ بهم أشـــــد العقاب.. ومع كل ذلك فقد استطاع إقناع نفسه بالتزام الصبر، وجعل يحشد على ذهنه كل ما حفظه من آيات تحض عليه، وأحاديث تدفع إليه.. وشد ما نفعه قول ربه في كتـــابه المبين، ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت: 2- 3) فهو يردده على نفسه كلما استشعـــــر الضيق يلم بها، فتخفف من أعبائه، وتفيء إلى الأمل برحمة الله.. ومن يدري.. فلعل ممارسة الحياة في هذا المعتقل الرهيب شيء ضروري بالنسبة إلى أمثاله من المحـــامين والعاملين في نطاق الدعوة، لأنهم أحوج ما يكونون إلى معرفة ما وراء هذه المنافي الصحراوية من أصنــاف الخلق وضروب البلاء. وشرع يوثق صلاته بجيرانه مـــن نزلاء عنبره، فيرعی سقیمهــــم، ويسعف معوزهم بكل ما وسعه.. ولا يعدم أن يجد فرصة بين الحين والآخر يتحولهـــم فيهـــا ببعض الموعظة، فيذكرهم ما نســــوا، ويعلمهم ما جهلوا، فيجد لديهـم ما لم يكن يتوقع لأول وهلة مـــن الإصغاء والاهتمام.. وما هي إلا بضعة أيام أخرى حتى كان هنــــاك موضع للصلاة فرشت أرضه ببعض الأغطية، ثم ما زال يتسع كلمـــا ازداد عدد المقبلين عليها.. لقد تلاشى الكثير من شعور الرجل بالوحشة بفضل هـــــذا التطور.. ولكنه لم يستطع اقتلاع مخيلته، التي كانت أبدًا تطالعه بصــــور الظامئين يركضون سعيًا وراء الماء، وصور أبنائه وهم محجوبون عنـــه لا يسمح لهم برؤيته.. ثم صــــور المدرج البلدي، وقد تجمعت فيــه مياه العاصمة، وجمدت سطوحهـــا بالشباك الكهربائية، لتتهادى فوقها فاجرات أميركة عـــدوة العـــــرب والإسلام.. وبين الفينة والفينـة يتساءل: ليت شعري! هل وصلت المحنة إلى صفوف الجماعة!!.. وهل قبض على رفاقه من شيوخ الوفــد؟.. وهل انطلق الطغيان في طريقـــــة الهوجاء، يحارب الدعوة، ويفتن شبابها، جريًا على خطة أعـــداء الإسلام من المنتسبين إليه في مطاردة العاملين له!.. وفي انكسار عميق أخذ يرســـل ضراعاته اللاهبة وهو ساجد في نافلة الظهيرة: اللهم كف يدي هذا الطاغية عن دعوتك.. ولما انفتل من صلاته دنا منه أحد زملاء السجن ليهمس في أذنه بالدعوة إلى طعام الغداء، ولكنه اعتذر إليه ورجا منه أن يجعل ذلك عشـــاء لأنه صائم.. وعلى مائدة ذلك الزميل سمع أبو ماجد أحدهم يتساءل: هل لاحظتم أن إذاعة العاصمة قد اقتصرت طوال اليوم على القرآن ونشرات الأخبار؟! وعلق الزميل على النبأ بقوله: «لا بد أن وراء ذلك موت كبير.. لأن الإذاعات العربية لا تقتصر على القرآن إلا في مثل هذه النوازل.» وقال أبو ماجد: فأدر المفتـاح إذن إلى أية إذاعة أجنبية لعلهــا توضح السر..، وفعل الرجل .. وارتفع صوت المديح الأجنبي يقول: في الساعة الـ... نسف مقر رئاسة الــوزراء في عاصمة.. فمزق جسد الرئيس ولم يحص عدد الضحايا حتى الساعة. وبهت الثلاثة، وكان عقدة حبست ألسنتهم فلم يطيقوا تحريكها بكلمة.. واستمر ذلك لحظات حتى عاد المذيع يقول: تلقينا الآن هذا الخبر: لقد اتجه التحقيق في كارثة.. إلى جماعة الإخوان المسلمين، ولا ينتظر انتهاؤه في وقت قصير، لأن الحادث ذهب بمعظم الذين كانوا في البناء. وهنا فقط استطاع أبو ماجد أن يتكلم فعقب، وهو يفرك كلا مـــن راحتيه بالأخرى: أن الخطب الهائل.. وأهول منه أن يؤخذ بالجريمة الأبرياء.. والله، إن شباب الإسلام لأطهر يدًا من أن يقدموا على مثل هذا الضرب الخسيس من الإجرام. وتوقع أبو ماجد أن يساق كــل فقيه وخطيب ذي صلة بالدعـــــوة إلى السجن بصفتـــه محرضًـا علــى الجريمة.. وأن توجه إلى الجماعة تهمة التنظيم للاغتيال.. وانتظر أن يصل إليه التحقيق بين الساعة والأخرى، لاستكمال المزاعم التي تمكن لخصوم الإسلام من القضـــاء على دعاته.. ولم يكن لنزلاء معتقل «الجفر» من وسيلة للاتصال بالدنيا إلا المذياع الصغير، الذي وجد سبيله إلى بعض الأيدي ولكنه عاجز عن الاتصال بالمحطات البعيدة إلا أثناء الليل، ومن هنا جاء اهتمام الرجل بمصاحبة المذياع، يستطلعه أنباء الكارثة كلما وجد إلى ذلك سبيلًا. وشد ما اهتزت أعصابه عندمــــا بوغت بصوت المذيع بعد أسبوع من الكارثة، يعلن أن التحقيق في جريمة نسف المقر الوزاري قد استكمل عناصره، وقد أسفر عن أن موظفين من المقر نفسه، يعملان لمصلحــــة إحدى المخابرات الخارجية، قد نظما عملية النسف، وفرا إلى خــــارج البلاد.. وأقبل زملاء العنبر يهنئون أبا ماجد على براءة إخوانه، ويترجمون له توقعاتهم السارة بقرب الإفراج عنه.. وأطرق ملياً كأنه يستحضر في خياله ملابسات الحادث الكبير، وما كان ينتظر له من ذيول، ثم قال: ثقوا أيها الزملاء أن كــل ابتهاج يراودني في هذه اللحظات لیس مرده إلى براءة الإخوان، فهذا أمر لم يخالجني فيه أدنى شك. ولكنه عائد إلى تقديري فضل اللـه بإحباط مساعي المفسدين، الذين لا يسرهم شيء مثل الإيقاع بالعاملين للإسلام عن أي طريق.. أمر آخر. وقاطعه الزميل صاحب الدعوة: هو تعطيل الحفلة.. أليس كذلك. وأردف أبو ماجد: أجل.. إنه تعطيل تلك الحفلة الماجنة نهائياً.
الرابط المختصر :