; قصيدة التفعيلة بين التذكير والتأنيث | مجلة المجتمع

العنوان قصيدة التفعيلة بين التذكير والتأنيث

الكاتب علي محمد الغريب

تاريخ النشر الثلاثاء 21-أبريل-1998

مشاهدات 78

نشر في العدد 1296

نشر في الصفحة 51

الثلاثاء 21-أبريل-1998

ثار الجدل واحتدم النقاش حول بحث تأنيث القصيدة بين صاحبه د. عبد الله محمد الغذامي أستاذ النقد والنظرية بجامعة الملك سعود - وبين حضور مهرجان القاهرة للإبداع الشعري الذي عقد قبل عام. 

أكد د. الغذامي أن قصيدة التفعيلة ولدت أنثى في حضن الشاعرة العراقية نازك الملائكة في قصيدة «الكوليرا» ما بين عامي ١٩٤٧م و١٩٤٨م. وبظهورها ظهرت حيرة ثقافية حرجة حول تسمية هذه الوليدة الشاذة، وبالرغم من أنها مولود مؤنث إلا أن المسميات كلها جاءت مذكرة، فنازك الملائكة - حاضنة الوليدة - منحت وليدتها اسمًا مذكرًا هو «الشعر الحر».

ولاقت القصيدة محاولات يائسة من فحول الرجال أمثال: الناقد عبد الواحد لؤلؤ، وقد سماها شعر العمود المطول لإثبات عدم أنوثتها.

 كما صدرت دراسات عدة من الرجال ينكرون فيها الريادة لنازك الملائكة، ويؤكدون أن قصيدة الكوليرا لم تكن الأولى في اختراق نطاق عمود الشعر وعروض المذكر وأنها مجرد تغيير عروضي لا يهم في عالم الشعر، فالمهم هو التغيير الفني الذي لم يحدث إلا عام ١٩٤٨م على يد بدر شاكر السياب في قصائده «السوق القديم» و«أنشودة المطر» و«هل كان حبًا»

إلا أن قصيدة التفعيلة - في رأي الغذامي ولدت أنثى على يد نازك الملائكة، ونصوص الكوليرا والخيط المشدود إلى شجرة السرور الأولى في مشروع التأنيث.

والحقيقة غير ما انتهى إليه د. الغذامي إذ إن قصيدة التفعيلة ولدت على يد الشاعر والكاتب المسرحي علي أحمد باكثير - يرحمه الله - (۱۹۱۰م - ١٩٦٩م) عام ۱۹۳۸م، أي قبل نازك بعشرة أعوام كاملة.

عندما ارتحل باكثير من موطنه حضرموت إلى القاهرة عزم على دراسة الأدب الإنجليزي لما عرف عنه من ثرائه بالشعر الرفيع، فقد كانت غايته إذ ذاك أن يصقل موهبته الشعرية، ويعد نفسه ليكون شاعرًا كبيرًا، التحق بكلية الآداب قسم اللغة الإنجليزية بجامعة القاهرة، وما أن انقضى العام الأول حتى وجد نفسه قد انجذب إلى المسرحية أكثر من انجذابه إلى غيرها من فنون الأدب الأخرى كالقصة والأقصوصة، وكان يستهويه بشكل أخص أعمال شكسبير، وقد نتج عن انجذابه إلى المسرحية انقطاعه فترة عن الشعر تمت خلالها تجربة جديدة بالنسبة له، ثم تبين أنها جديدة أيضًابالنسبة إلى مستقبل الشعر العربي الحديث.

هذه المحاولة كانت إيجاد شعر التفعيلة في اللغة العربية، واتفق له في ذلك الحين أن حدث حادث في مقاعد الدرس كان له أثر كبير في دفعه إلى التعجيل بهذه المحاولة إذ إن أحد مدرسيه الإنجليز تحدث ذات يوم عن الشعر المرسل التفعيلة وكيف أن اللغة الإنجليزية اختصت بالبراعة فيه والتفوق على سائر اللغات، وكيف أن الفرنسيين حاولوا محاكاته في لغتهم، فكان نجاحه ضعيفًا، ثم قال: ومن المؤكد أنه لا وجود له في لغتكم العربية، ولا يمكن أن ينجح فيها، فاعترض عليه باكثير قائلًا: أما أنه لا وجود له في أدبنا العربي فهذا صحيح، لأن لكل أمة تقاليدها الفنية. وكان من تقاليد الشعر العربي التزام القافية، وليس هناك ما يحول دون إيجاده في اللغة العربية، فهي لغة طيعة تتسع لكل شكل من أشكال الأدب والشعر، فاكتفى المدرس بأن أعرض عن باكثيرفشعر الرجل عندئذ بأن.

عليه أن يتحدى هذا الزعم ويدحضه بالبرهان والعمل، فانصرف من الدرس وقد ملك عليه هذا التحدي كل أمره، فبدا له أن خير ما يبدأ به في هذا السبيل هو أن يترجم فصلًا من مسرحية روميو وجولييت لشكسبير، وقد وجد أن بحور الشعر العربية التي يمكن استعمالها في هذه الترجمة هي البحور ذات التفعيلة الواحدة المكررة كبحر الكامل، والرمل، والمتقارب والمتدارك والرجز، وتمت له الترجمة كما أراد، فكانت عباراتها في هيئة الموتى مدة اثنتين وأربعين ساعة ريثما يحضر زوجها روميو فينطلق بها من القبر:

الوداع الوداع!! إلهي يعلم وحده 

أين يجمعنا الدهر بعد اليوم

 هذي برداء الخوف النافض راجفة في عروقي 

حتى لتكاد تجمد سعر حياتي 

فلانادهما لتعودا إلى لتسكين روعي 

یا حاضن لا لا فماذا عساها تصنع عندي؟

 إن هذا الدور القائط لابد لي أن أمثله وحدي

 يا جام هلم إلي

 ربما لا يصنع لي شيئًا البتة هذا المزيج أفأغدو غداة غد زوج باريس؟

كلا يأبى خنجري هذا، فلتبق إلى جانبي تضع خنجرها بجانبها[1]

أحس باكثير بعد أن أتم هذا العمل ورضي عن نجاحه أنه قد أن الأوان ليؤلف مسرحية على هذهالطريقة، فوقع اختياره على موضوع اخناتون الذي استهواه تاريخ حياته وحركته الدينية وثورته على كهنة أمون، وتبشيره بالحب والسلام، فأنت مسرحية أخناتون في العام نفسه - الذي ترجم فيه روميو وجولييت ۱۹۳۸ م وصدرت الطبعة الأولى منها عام ١٩٤٠م لتؤكد اقتداره وتمكنه من هذه الطريقة الجديدة، لكن هذه الطريقة لم تستقبل بالترحاب والاستحسان عند ظهورها إلا من الشاعر إبراهيم عبد القادر المازني - يرحمه الله - الذي كتب مقدمة المسرحية[2]ولنقرأ شيئاً من هذه المسرحية على سبيل المثال، هذا أخناتون وهو محزون لوفاة زوجته الأولى نادو، يقص على والدته بعض ذكرياته معها

ما أنس من الأشياء فلن أنسى 

ما كنا نخرج في أنفاس الصباح الجديد

 إلى الروض المطلول فنتساب بين الغصون

 نبلل أوجهنا بالطل النضيد

 ونسير على العشب المنضور 

ونعدو هنا، وهناك على المرج المسحور 

ونجمع شتى الأزاهير تنظمها مثل الإكليل 

ونجري وراء الفراش الجميل 

نطارده من غصن الغصن فأمسكه، فتشير 

على بإطلاقه من جديد فأطلقه فيطير[3]

وكان باكثير يعتزم متابعة كتابة مسرحياته بهذه الطريقة غير أن تجاربه جعلته يقطع بأن النثر هو الأداة المثلى للمسرحية، ولا سيما إذا أريد بها أن تكون واقعية، والشعر لا ينبغي أن يكتب به غير المسرحية الغنائية التي يراد بها أن تلحن وتغنى.

وهنا أجد الحديث يقودنا إلى سؤال مهم وهو هل كان على باكثير أن يسجل طريقته هذه ويحصل بها على براءة اختراع إن جازت التسمية ليشهد له بالريادة في شعر التفعيلة، وذلك كما أشار عليه من قبل صديقة الأستاذ كمال النجمي.

 كلما ظهرت هوجة يدعي فيها المدعون نسب شعر التفعيلة لأنفسهم- ممازحًا لو أنك سجلت اختراعك لما سرقوه منك وادعوا أنهم أصحابه[4].

أم نكتفي بتسجيل شهادة الشاعر بدر شاكر السياب - يرحمه الله - (١٩٢٦م - ١٩٦٤م) الذي يعتبره البعض أول من كتب شعر التفعيلة ويعتبره البعض الآخر الثاني بعد نازك الملائكة حيث قال: ولا يعرف لهذه الطريقة أبًا شرعيًا غير باكثير[5]

________________________

الهوامش

[1] فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية - علي أحمد باكثير

[2]  اخناتون ونفرتيتي - علي أحمد باكثير

[3] فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية علي أحمد باكثير

[4] باكثير في مرأة عصره د. محمد أبو بكر حميد

[5] المرجع السابق

الرابط المختصر :