; قضايا أساسية في فكر الإمام البنا (أخيرة) موقف الإخوان من الحكومات والأحزاب وقضايا الإرهاب | مجلة المجتمع

العنوان قضايا أساسية في فكر الإمام البنا (أخيرة) موقف الإخوان من الحكومات والأحزاب وقضايا الإرهاب

الكاتب د. محيي حامد

تاريخ النشر الجمعة 20-يناير-2012

مشاهدات 52

نشر في العدد 1985

نشر في الصفحة 46

الجمعة 20-يناير-2012

 يضعون أنفسهم ومواهبهم تحت تصرف أي حكومة تخطو بالأمة نحو الرقي والتقدم

 يتعاونون مع أي حزب يجمع الكلمة ويبرأ من الغرض ويحدد الغاية ويحسن القيادة والتوجيه

 يقبلون بتعدد الأحزاب ويعارضون وضع قيود من السلطة على تكوينها .. ويرضون بتداول السلطة عن طريق الانتخاب الحر المباشر

 يرون أن المنهاج الإسلامي في التغيير هو السلمي الدعوي التربوي الشامل

 سلوك التدرج في الإصلاح الاجتماعي والسياسي الذي هو جزء من الإصلاح التربوي والفكري والدعوي

 يؤمنون أن الجهاد في المفهوم الإسلامي أعم وأشمل من القتال.. فالجهاد بذل الجهد واستفراغ الطاقة في ميادين الإصلاح جميعها

تناولنا في العدد الماضي نظرة الإخوان المسلمين للحكم ونوع الحكومة التي يريدونها .. وذلك من خلال كتابات الإمام حسن البنا يرحمه الله. وفي هذا العدد تتناول موقف الإخوان المسلمين من الحكومات والهيئات والأحزاب، كما تتناول موقفهم من قضايا العنف والإرهاب، ومنهاج الإخوان في التغيير وذلك من خلال وثائق الجماعة الصادرة والمنشورة على مدار تاريخها.

موقف الإخوان المسلمين من الحكومات والهيئات لقد أوضح الإمام البنا - يرحمه الله - موقف الإخوان المسلمين من الهيئات والحكومات من أجل تحقيق الإصلاح بقوله:

«.... فهذه رسالة الإخوان المسلمين نتقدم بها وإنا لنضع أنفسنا ومواهبنا وكل ما نمتلك تحت تصرف أي هيئة أو حكومة تريد أن تخطو بالأمة الإسلامية نحو الرقي والتقدم نجيب النداء ونكون الفداء، ونرجو أن نكون قد أدينا بذلك أمانتنا وقلنا كلمتنا، والدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم» (1).

والإخوان المسلمون لم يكونوا في يوم من الأيام في خصومة مع غيرهم من الحكومات والهيئات، ما دامت أنها تسعى إلى النهوض بالأمة الإسلامية، ويعتبرون أنفسهم جنودًا لها، من أجل تحقيق الإصلاح والتقدم والرقي الجميع أبناء الأمة الإسلامية والعالم أجمع.

الإخوان.. والحزبية

لقد تناول الإمام البنا - يرحمه الله - الحديث حول الأحزاب والعمل الحزبي في أكثر من موضع في رسائله، ويمكن ترتيبها على هذا النحو حتى يتجلى لنا بوضوح موقف الإخوان المسلمين من هذه القضية التي تثار من حين لآخر.

يؤكد الإمام البنا - يرحمه الله - على المبدأ العام بقوله: «نحن دعوة القرآن الحق الشاملة الجامعة : طريقة صوفية نقية .. وجمعية خيرية نافعة.. ومؤسسة اجتماعية قائمة.. وحزب سياسي نظيف يجمع الكلمة ويبرأ من الغرض ويحدد الغاية، ويحسن القيادة والتوجيه» (٢).

ونخلص من ذلك بصفات أساسية لأي حزب سياسي نظيف:

١- يجمع الكلمة.

2- ويبرأ من الغرض.

3- ويحدد الغاية.

4- ويحسن القيادة والتوجيه.

ويؤكد - يرحمه الله - على ضوابط العمل الحزبي بقوله :

وفرق - أيها الإخوان - بين الحزبية التي شعارها الخلاف والانقسام في الرأي والوجهة العامة وفي كل ما يتفرع منها، وحرية الآراء التي يبيحها الإسلام ويحض عليها، وتمحيص الأمور وبحث الشؤون والاختلاف فيما يعرض تحريا للحق، حتى إذا وضح نزل على حكمه الجميع سواء أكان ذلك اتباعا للأغلبية أو للإجماع، فلا تظهر الأمة إلا مجتمعة، ولا يُرى القادة إلا متفقين» (3).

ويحدد الإمام البنا - يرحمه الله - موقف الإخوان المسلمين من الأحزاب السياسية بقوله: «أما موقفنا من الأحزاب السياسية فلسنا نفاضل بينها ولا ننحاز إلى واحد منها ولكننا نعتقد أنها تتفق جميعا في عدة أمور:

- تتفق في أن كثيرًا من رجالها قد عملوا على خدمة القضية السياسية المصرية واشتركوا فعلا في الجهاد في سبيلها، وفي الوصول إلى ما وصلت إليه مصر من ثمرات هذا الجهاد الضئيلة أو الجليلة، فنحن في هذه الناحية لا نبخس هؤلاء الرجال حقهم.

- وتتفق كذلك في أن حزبًا منها لم يحدد بعد منهاجًا دقيقًا لما يريد من ضروب الإصلاح ولم يضع هدفًا يرمي إليه، وهي لهذا لا تتفاوت في المناهج والأغراض والغايات وتتفق كذلك في أنها جميعًا لم تقتنع بعد بوجوب المناداة بالإصلاح الاجتماعي على قواعد الإسلام وتعاليم الإسلام، ولا يزال أقطابها جميعًا يفهمون الإسلام على أنه ضروب من العبادات والروحانيات لا صلة لها بحياة الأمم والشعوب الاجتماعية والدنيوية. ونحن لا نهاجمهم؛ لأننا في حاجة إلى الجهد الذي يبذل في الخصومة والكفاح السلبي لننفقه في عمل نافع وكفاح إيجابي وندع حسابهم للزمن معتقدين أن البقاء للأصلح، ﴿ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاء وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ (17)﴾ (الرعد: الآية 17 ).

ولقد أوضحت جماعة الإخوان المسلمين موقفها من التعددية السياسية والحزبية في إحدى وثائقها التاريخية:

- ولما كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم الواجبات التي نصت عليها شريعة الإسلام.

- ولما كان تقويم الحكام ومواجهتهم ومعارضة نزواتهم وانحرافاتهم لم يعد مما يقوى عليه فرد من الأفراد، بل بات من الضروري أن يجتمع عليه جمهور من الأمة.

- ولما كان الاختلاف واقعا فيما هو محل اجتهاد من النصوص الشرعية.

- ولما كان تنظيم المباح يشمل غالب معايش الناس : فإنه لابد أن تختلف فيه مناهج الإصلاح والتدبير

- ولما كان الخلاف والتعدد طبيعة من طبائع البشر وواقعا ملموسا في الحياة لا يجوز إنكارها، وقد حدث الاختلاف في الرأي في حضرة الرسول ﷺ في العديد من الأمور فلم ينكره، وإنما المنهي عنه هو التنازع الذي يؤدي إلى الفشل والضعف والهوان، أما اختلاف الآراء؛ فهو تكامل وتنوع للنظر لابد منه؛ لاستجلاء الحق والوصول إلى الأصلح والأرجى منفعة، خصوصًا إذا اقترن بالتسامح وسعة الأفق، والبعد عن التعصب وضيق النظرة.

«ولذا فإننا نقبل بتعدد الأحزاب في المجتمع الإسلامي، وأنه لا حاجة لأن تضع السلطة قيودا من جانبها على تكوين نشاط الجماعات أو الأحزاب السياسية، وإنما يترك لكل فئة أن تعلن ما تدعو إليه وتوضح منهجها، وما دامت الشريعة الإسلامية هي الدستور الأسمى، وهي القانون الذي يطبقه قضاء مستقل محصن بعيدًاا عن أي سلطة أو جهة، ومؤهلاً فكريًا وعلميًا وفقهيًا وثقافيًا فإن في ذلك ما يكفي؛ لضمان سلامة المجتمع واستقامته على الطريق السوي».

«كما أننا نرى أن قبول تعدد الأحزاب في المجتمع الإسلامي على النحو الذي أسلفناه يتضمن قبول تداول السلطة بين الجماعات والأحزاب السياسية، وذلك عن طريق انتخابات دورية».

وتؤمن الجماعة أن مصلحة الأمة وأمنها واستقرارها يكمن في حرية العمل العلني للأحزاب والجماعات، وهذا لن يتم إلا بإقرار الحريات العامة، وإشاعة ثقافة الحوار في المجتمع، بدلاً من ثقافة الإقصاء، وثقافة التعايش، بدلاً من ثقافة الاستئصال.

سادسًا : موقف الإخوان المسلمين من العنف والإرهاب:

لقد حدد الإمام البنا - يرحمه الله - موقف الإخوان المسلمين من قضية العنف والإرهاب بهذه الكلمات التي ذكرها في بيانه للناس المنشور بتاريخ ١١ يناير ١٩٤٩م جريدة «المصري»:

«كان هدف دعوتنا حين نشأت العمل لخير الوطن، وإعزاز الدين ومقاومة دعوات الإلحاد والإباحية والخروج على أحكام الإسلام وفضائله».. فما كانت الجريمة ولا الإرهاب ولا العنف من وسائلها ؛ لأنها تأخذ عن الإسلام وتنهج نهجه وتلتزم حدوده، ووسيلة الإسلام في الدعوة مسجلة في كتاب الله ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) ﴾( النحل: الآية 125).

والقرآن الكريم هو الكتاب الذي رفع من قدر الفكر، وأعلى قيمة العقل، وجعله مناط التكليف، وفرض احترام الدليل والبرهان وحرم الاعتداء حتى في القتال فقال: ﴿ولا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ (البقرة: الآية 190).

والإسلام الحنيف هو دين السلام الشامل والطمأنينة الكاملة والروحانية الصافية والمثل الإنسانية الرفيعة، ومن واجب كل مسلم ينتسب إليه أن يكون مظهرًا لهذه الحقيقة التي صورها النبي الكريم بقوله: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده».

ولقد حدث أن وقعت أحداث نسبت إلى بعض من دخلوا هذه الجماعة دون أن يتشربوا روحها .. ولما كانت طبيعة دعوة الإسلام تتنافى مع العنف بل تنكره، وتمقت الجريمة مهما يكن نوعها، وتسخط من يرتكبها، فنحن نبرأ إلى الله من الجرائم ومرتكبيها.

ولما كانت بلادنا تجتاز الآن مرحلة من أدق مراحل حياتها ما يتوجب أن يتوافر لها كامل الهدوء والطمأنينة والاستقرار.. وكل ذلك يفرض علينا أن نبذل كل جهد، ونستنفد كل وسع في أن نعين الحكومة في مهمتها وتوفر لها كل وقت ومجهود للقيام بواجبها والنهوض بعبثها الثقيل، ولا يتسنى لها ذلك بحق إلا إذا وثقت تمامًا من استتباب الأمن واستقرار النظام، وهو واجب كل مواطن في الظروف العادية، فكيف بهذه الظروف الدقيقة الحاسمة التي لا يستفيد فيها من بلبلة الخواطر، وتصادم القوى، وتشعب الجهود إلا خصوم الوطن وأعداء نهضته ؟!

لهذا أناشد إخواني لله والمصلحة العامة أن يكون كل منهم عونا على تحقيق هذا المعنى وأن ينصرفوا إلى أعمالهم، ويبتعدوا عن كل عمل يتعارض مع استقرار الأمن وشمول الطمأنينة حتى يؤدوا بذلك حق الله والوطن عليهم». ولقد أكدت جماعة الإخوان المسلمين موقفها من قضية العنف والإرهاب في إحدى وثائقها بالنقاط العشر الآتية:

1- إن الجماعة تؤكد أن المنهاج الإسلامي في التغيير، الذي تلتزم به دائمًا هو المنهاج السلمي الدعوي التربوي الشامل.

2- إن هذا التغيير السلمي الدعوي التربوي السياسي لا بد أن يسلك سنة التدرج في الإصلاح، وهو المنهاج الذي تلتزمه جماعة الإخوان المسلمين عندما تعمل على أن يكون الإصلاح الاجتماعي والسياسي جزء من الإصلاح التربوي والفكري والدعوي، بل وثمرة لإعادة صياغة الإنسان - فردًا وأسرة وأمة - صياغة إسلامية.

3- إن الجهاد في المفهوم الإسلامي هو أعم وأشمل وأوسع من القتال.. فالجهاد هو بذل الجهد واستفراغ الوسع والطاقة في أي ميدان من ميادين الإصلاح.

4- إن القتال المزهق للأرواح، هو ضرورة استثناء، وليس من طبائع الفطرة السوية ولا من الغرائز الإنسانية، ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ﴾ (البقرة: الآية 216).

5- إن الجهاد القتالي لا مكان له في داخل الصف الإسلامي، ولا في السياسة الداخلية للمجتمعات الإسلامية، أو التدافع مع القوى والتوجهات العاملة في ميادين السياسة والإصلاح الإسلامية.

6- إن المقاومة الوطنية بكل أساليبها المناسبة والمشروعة للغزاة والمحتلين والمعتدين والمغتصبين الذين يحتلون ولو شبرًا واحدًا من أرض الإسلام، حق من حقوق الإنسان قد جعلتها الشريعة الإسلامية فريضة إلهية وتكليفًا دينيًا وضرورة إنسانية.

7- إن المنهاج الإسلامي في حل مشكلات الداخل الوطني، وفي التدافع السياسي والاجتماعي داخل الصف الوطني بالمجتمعات الإسلامية، هو منهاج الرفق في الإصلاح والدعوة بالحسنى، مع اتباع سنة التدرج في الوصول إلى تحمل مقاصد الإصلاح، ومن ثم فإن استخدام العنف المسلح في داخل المجتمعات الإسلامية إنما هو بغي ينحرف بأصحابه عن المنهج الإسلامي في التطور والتقدم والتغيير، وذلك فضلا عن أن هذا العنف الداخلي - الذي يهز الاستقرار الوطني والأمن الاجتماعي - إنما يجعل بأس المسلمين بينهم شديدًا، الأمر الذي يخدم في النهاية القوى المتربصة بالمسلمين.

8- لقد أثبتت تجربة العقود الماضية أن استخدام العنف في داخل النسيج الوطني قد أدى إلى عسكرة الدولة وزيادة الطابع البوليسي للنظم الحاكمة، واستشراء القوانين سيئة السمعة، بل والتنسيق مع الدوائر المعادية وأجهزتها الأمنية ضد حركات الإصلاح الإسلامية.

9- إن جماعة الإخوان المسلمين تنبه إلى أن فتح أبواب العمل السلمي الديمقراطي أمام مختلف تيارات الفكر، ومنها التيار الإسلامي هو واحد من أهم آليات إزالة الاحتقانات والتوترات السياسية والاجتماعية، الأمر الذي يؤدي إلى تحجيم نتوءات العنف السياسي والاجتماعي في بلادنا .

10- إن الإصلاح الذي يشترك فيه جميع أفراد المجتمع وجميع فئاته وطبقاته هو السبيل الإسلامي للتغيير.

وبعد..

فإن مواقف الإخوان المسلمين التي عبر عنها الإمام المؤسس حسن البنا - يرحمه الله - والتي أكدتها وثائق الجماعة الصادرة والمنشورة على مدار تاريخها واضحة تمام الوضوح، ولا تحتمل أي لبس أو تأويل، ولذا فمن حق هذه الجماعة والتاريخ والأمة الإسلامية والعالم بأسره عدم تشويه الحقائق أو طمسها .. وليعلم الجميع قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللّه بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَهُ مُتِمُ نُوُرِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ﴾ (الصف: الآية 8).

الهوامش:

(1، 2، 3 ) رسالة «اجتماع رؤساء المناطق ومراكز الجهاد».

الرابط المختصر :