العنوان الموقف الأمريكي من الانتخابات الرئاسية في الجزائر
الكاتب محمد دلبح
تاريخ النشر الثلاثاء 14-نوفمبر-1995
مشاهدات 94
نشر في العدد 1175
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 14-نوفمبر-1995
- تردد أمريكا في تأييد السلطات الجزائرية صراحة سببه الرعب على مصالحها في حال قيام حكومة إسلامية.
قال مسئولون أمريكيون: إن توجه الجزائريين بكثافة إلى صناديق الاقتراع في عملية انتخاب يعتبرها مراقبون دوليون عادلة قد يعطي زروال شرعية سياسية، في حال انتخابه رئيسًا للبلاد ولكن ما من أحد في الإدارة الأمريكية يتوقع مثل هذه النتيجة، وتساءل مسئول أمريكي قائلًا: «ما الذي سينفعله بعد يوم من انتخاب زروال إذا فاز كما هو متوقع؟.. هل سنكون مستعدين لقبول نظام حكم لا يعتبره جزء كبير من الشعب نظام حكم شرعي؟ وأشار هذا المسئول الذي طلب عدم الإفصاح عن اسمه إلى أن الإدارة الأمريكية قابلة بزروال في الوقت الراهن كرئيس شرعي للجزائر وتقيم علاقات دبلوماسية مع حكومته.
غير أنه أضاف «هل سيكون زروال أقل شرعية كنتيجة لعملية الانتخاب أكثر مما هو عليه الآن؟» وقال: «إننا لم نطرح رئاسته لتكون موضعًا للتساؤل أو الشك، على الرغم من أن الجيش قد نصبه بعد أن ألغى نتائج الانتخابات التشريعية عام 1992م التي كان من المقرر أن تفوز بها الجبهة الإسلامية للإنقاذ وحلفاؤها من المجموعات الإسلامية».
وأوضح هؤلاء المسئولون أن قرار زروال المضي قدمًا بانتخابات السادس عشر من الشهر الجاري لم يفعل شيئًا للتخفيف من التوترات التي تعيشها الجزائر، مشيرين إلى أن المجموعة الإسلامية الرئيسية- أي الجبهة الإسلامية للإنقاذ- ممنوعة من عملية الانتخاب، كما أن أحزابًا رئيسية أخرى من المعارضة ستقاطع الانتخابات أيضًا.
غير أن المسئولين الأمركيين قالوا إنهم يعترفون بأن التعامل مع زروال ومساعدة حكومته لإعادة جدولة ديون الجزائر الخارجية يولد مخاطر بمنح «المتشددين الإسلاميين» فرصة لإتخاذ موقف مناهض للأمريكيين والأوروبيين ليس فقط في الجزائر بل وأيضًا في دول رئيسية أخرى مثل مصر وباكستان.
ويقول محللون أمريكيون بهذا الصدد: «إن حكومة الرئيس الأمريكي بيل كلينتون قد سعت لوضع رهاناها في الجزائر على الجمع بين إدانة العنف الإرهابي وتوجيه إنقاد شديد لسياسات حكومة زروال»، وأشاروا في هذا الصدد إلى أن وزير الخارجية الأمريكي وارن كريستوفر وغيره من كبار المسئولين في إدارة كلينتون قالوا: «إن توسيع قاعدة زروال وإدخال خصومه في عملية سياسية وتحرير الاقتصاد الجزائري بالتخلي عن القطاع العام هو وحده الذي يمكن أن يقلل مستوى العنف، وهذا ينطبق على أي شخص آخر يمكن أن يكون في السلطة في الجزائر».
وبعد مرور نحو أربع سنوات على انفجار الوضع في الجزائر وسقوط نحو 40 ألف قتيل- كما تقول مصادر عديدة- فإن الولايات المتحدة ترى أن الصراع في الجزائر يمثل بالنسبة لها ورطة مستعصية على الحل.
وبينما تُحَمِّل الولايات المتحدة الحكومة العسكرية في الجزائر مسئولية إثارة الصراع، فإنها تحاول تسجيل عدم موافقتها على أساليب العنف التي تصفها بـ «الإرهابية» التي تمارسها المجموعات الإسلامية المسلحة، وعزا خبراء هذا الموقف إلى رغبة واشنطن بتجنب النموذج الإيراني، وحتى لا توجه إليها تهم على الطريق الإيرانية بأنها «الشيطان الأكبر» إذا ما وصل الإسلاميون للسلطة في الجزائر.
ويفسر دانيال بايبس الذي كان يعمل في مجلس الأمن القومي في عهد إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان موقف إدارة كلينتون بقوله: «إن سياستنا تعكس صدمة إيران، فالشعور هنا في واشنطن هو أننا ارتكبنا خطأ رهيبًا بعدم فتح خطوط مع الخيمني».
وعلى الرغم من أن نحو 80 شخصًا أجنبيًّا قتلوا في الجزائر في أعقاب التهديد بضرورة مغادرة الخبراء الأجانب البلاد، إلا أنه لم يقتل أي أمريكي، ويعزو بايبس ذلك إلى سياسة وزارة الخارجية الأمريكية باستغلال المعارضة التي تقف وراء أعمال العنف، وفي الوقت نفسه فإن سياسة فرنسا المتعنتة برفض التعامل مع المعارضة جعلتها عرضة لحملة من أعمال العنف والتفجيرات الانتقامية.
وطبقًا لما يقوله خبير آخر فإنه في الوقت الذي كان موقف فرنسا يقوم على أساس استرضاء السلطات الجزائرية فإن موقف الولايات المتحدة يقوم على النقيض من ذلك إذ إن واشنطن تقف إلى جانب المبادئ.
ويضيف هذا الخبير القول «بالنسبة لكثير من الجزائريين والأوروبيين فإن حقيقة كون الأمريكيين محصنين من أعمال العنف هو الدليل على وجد مساومة ضمنية من جانب الولايات المتحدة بين السلطات الجزائرية والمعارضين الإسلاميين».
البديل الوحيد
ونسبت صحيفة واشنطن بوست إلى نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكية ديفيد ويلش قوله: «إن المرء يريد دعم قمع الإرهاب ولكن ليس قمع السياسة»، وأضاف «إننا نعتقد أن حلًّا سياسيًّا يشمل الحوار بين النظام والعناصر الأخرى في المجتمع الجزائري المستعدة لنبذ العنف هو البديل الوحيد القابل للحياة بالنسبة للشعب الجزائري»، وقال «لقد نقلنا هذه الرسالة إلى كل من عناصر المعارضة والحكومة الزائرية على أعلى المستويات».
وقد دافع مسئول بوزارة الخارجية الأمريكية عن السياسة الأمريكية إزاء الجزائر بالقول «إن هذه السياسة تهدف إلى إنهاء مسلسل العنف» وهذا يعني الوصول إلى مختلف اللاعبين في الجزائر، وأضاف «نحن نعتقد أن حلًا سياسيًّا يشتمل على إجراء حوار بين نظام الحكم وعناصر أخرى في المجتمع الجزائري مستعدة لنبذ العنف هو البديل الوحيد لشعب الجزائر».
وكان نائب مساعد وزير الدفاع الأمريكي بروس ريدل قال في شهادة له في جلسة استماع عقدتها مؤخرًا إحدى لجان مجلس النواب الأمريكي: «إن الحكومة الجزائرية أوجدت الظروف التي سبقت أعمال العنف من جانب المعارضة، وأن جهود رئيسها للإبقاء على سيطرته استنادًا إلى قاعدة سياسية ضيقة أبعد الشعب عن حكومته، كما أن قرار الحكومة الجزائرية بالسعي إلى حل راديكالي قد تسبب في تدعيم المعارضة العنيفة المثابرة، وفي النهاية فإن أعمال الحكومة همشت العناصر المعتدلة في المجتمع وأعطت قوة للراديكاليين الإسلاميين الذين تصدوا لمقاتلة الحكومة بحماس».
تخوفات أمريكية
وأوضح ريدل أن للولايات المتحدة مصالح كبيرة في الجزائر معرضة للخطر وقال إنه «إذا ما تدهور الوضع في الجزائر وتحول إلى حرب أهلية شاملة أو أصبحت الجزائر دول ثورية إسلامية معادية للولايات المتحدة فإن قواتها العسكرية الكبيرة يمكن أن تعقد سريعًا العمليات العسكرية الأمريكية في مختلف أنحاء العالم»، وأضاف «وفي الوقت نفسه فإن الفوضى يمكن أن تمتد بسرعة إلى الدول المجاورة وتزعزع الاستقرار في شمال إفريقيا وربما في جنوب أوروبا».
وقد لقى الموقف الأمريكي تذمرًا من جانب الحكومة الجزائرية التي ألمحت في مناسبات عدة على عدم قبولها بذلك، وقال سفير الجزائر لدى الولايات المتحدة عثمان بن شريف: «إننا على خلاف بعض الشيء مع الحكومة الأمريكية بسبب ازدواجية موقفها تجاه كل من مصر والجزائر»، واشتكى من أن واشنطن ضغطت بقوة على الرئيس زوال بينما تسامحت مع حملة مماثلة يقوم بها الرئيس المصري حسني مبارك ضد المجمعات الإسلامية في مصر، وإن تكن حملته أقل مستوى.
وقال بن شريف: «أنه ليس صحيحًا كما يعتقد بعض المسئولين الأمريكيين أن الجبهة الإسلامية للإنقاذ هي الوجه المقبول للإسلام».
وقال بن شريف في حديث لصحيفة فوروورد اليهودية الأمريكية الأسبوع الماضي: «إن المسألة هي ضرورة عدم التوصل إلى حل وسط بالنسبة إلى المبادئ، وينبغي وقف الأصولية، مهما كان الثمن، فإذا لم نوقفها الآن فسوف تنتشر مثل وحش مرعب»، وأضاف «بأن الجزائر تقف في مفترق طرق وأن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تقف على جانبي الطريق وتنتظر النتائج».
وأعرب عن قلقه بصورة خاصة تجاه ما أسماه «تأييد واشنطن لأنور هدام» «رئيس البعثة البرلمانية للجبهة الإسلامية للإنقاذ في الخارج والموجود في واشنطن» الذي قال بأنه يستغل الحرية الأمريكية في التعبير للدعاية لقضيته.
ونقلت صحيفة فوروورد عن نائب رئيس مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية مالكولم هونلاين قوله: «إنه بذل جهودًا لإقناع الفرنسيين بوقف التعامل مع رجال الدين الجزائريين» وأضاف «أن المسئولين الفرنسيين وصفوا له السياسة الأمريكية بأنها تنطوي على تعامل مع المتطرفين المماثلين لأولئك الذين يحكمون إيران».
وبالرغم أنه تم حرمان الجبهة من المشاركة في الانتخابات بعد أن حظرت الحكومة الجزائرية نشاطاتها، فإن بن زروال سيفوز»، وأضاف: «إن المقياس لن يكون في الشخص الفائز بل بنسبة الذين يشتركون في الانتخابات».
غير أن ما تخشاه إدارة الرئيس كلينتون هو أن تسفر الانتخابات عن إعلان هو فوز الرئيس زروال، بما يعني المصادقة بصورة رئيسية على الوضع الراهن في الجزائر تاركة الولايات المتحدة تكافح من أجل الموازنة بين كراهيتها الشديدة للتكتيكات الإرهابية التي يستخدمها المعارضون الإسلاميون ورغبتها بعدم تجاهل مليار مسلم في مختلف أنحاء العالم.