العنوان في الذكرى الثانية لحرب صيف 1994م: قضايا الحرب والانفصال تتفاعل بين الوحدويين والاشتراكيين في اليمن
الكاتب ناصر يحيي
تاريخ النشر الثلاثاء 16-يوليو-1996
مشاهدات 54
نشر في العدد 1208
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 16-يوليو-1996
شهدت اليمن في الأسبوع الماضي احتفالات عسكرية ومدنية بمناسبة مرور عامين على انقضاء حرب صيف ١٩٩٤م، والتي انتهت بهزيمة الحزب الاشتراكي اليمني، وفشل مشروع إعلان دولة منفصلة في الأجزاء الجنوبية والشرقية من اليمن.
وتدل الأبعاد الكبيرة التي اتخذتها الاحتفالات على أن القيادة اليمنية عازمة على اعتبار يوم 7 يوليو هو اليوم الأهم بالنسبة للاحتفالات الوطنية اليمنية، وهو أمر لا توافق عليه أحزاب المعارضة الموالية للاشتراكيين، باعتبار أن الحرب الأهلية مست بضررها الجميع، وأنها لا تصلح للافتخار بها، بينما يؤكد حزبا المؤتمر والإصلاح -ومؤيدوهم- على أهمية الانتصار الذي تحقق قبل عامين، وأنهى الازدواجية السياسية والعسكرية والإدارية التي كانت تتسم بها اليمن بالرغم من إعلان الوحدة في مايو ١٩٩٠م.
ويبدو هذا الخلاف في تقييم أحداث الحرب واضحًا في صحافة الطرفين، إذ تتعامل صحافة المنتصرين مع الحدث باعتباره ذكرى وطنية ومنعطفا تاريخيًا هامًا في حياة اليمنيين، وفي المقابل تحرص صحافة المنهزمين في الحرب على تناول الذكرى بصورة أدعى للتشاؤم والأسى وتعتبرها إجهاضًا للديمقراطية والتوحد السلمي الذي تم في ١٩٩٠م.
ويمكن القول إن أحداث الحرب والانفصال الفاشل في عام ١٩٩٤م قد أبرزت ما يمكن تسميته بقضايا الحرب والانفصال التي تنقسم بشأنها الآراء والتفسيرات والتحليلات في المنتديات الرسمية والشعبية وفي الصحافة.
من فجر الحرب؟
وفي مقدمة هذه القضايا، يأتي سؤال هام يتركز حول من بدأ الحرب؟ ويعتبر كل طرف أن الإجابة عن هذا السؤال هي المفتاح لفهم الأحداث وتحديد المتسببين فيها.
فأما الحزب الاشتراكي وأنصاره فإنهم يصرون على أن الحرب كانت مؤامرة لتصفية الحزب الاشتراكي، وإسقاط وثيقة العهد والاتفاق التي تم التوقيع عليها في الأردن في فبراير ١٩٩٤م.
وهي الوثيقة التي رسمت شكلًا جديدًا للنظام الدستوري والسياسي لليمن في أعقاب الأزمة السياسية الطويلة التي فجرها الاشتراكيون في أعقاب هزيمتهم في الانتخابات النيابية.
ويؤكد الاشتراكيون وأنصارهم أن الرئيس «علي عبد الله صالح» وأنصاره من الإسلاميين هم الذين بدأوا الحرب لتصفية قوات الحزب في المحافظات الشمالية تمهيدًا للانتقال إلى المحافظات الجنوبية والشرقية الخاضعة لهيمنة الاشتراكيين.
أما الطرف الآخر، الذي يطلق على نفسه لقب الوحدويون، فيؤكدون أن المخطط الاشتراكي كان يسعى منذ بداية الأزمة في أغسطس ۱۹۹۳م للتراجع عن الوحدة بعد هزيمة الحزب في الانتخابات، وأن الأزمة السياسية الطويلة أدت إلى وجود انفصال في الواقع، ولا سيما بعد انسحاب معظم قيادات الحزب وكوادره في أجهزة الدولة والجيش والشرطة إلى المحافظات الجنوبية والشرقية، إضافة إلى التضييق على الكوادر المنقولة من صنعاء وإجبارها على مغادرة مراكز وظائفها بمن فيهم عدد من المحافظين والموظفين الكبار، وبصفة عامة فقد كانت عملية إدارة الأزمة السياسية من قبل الاشتراكيين تكرس وجود نظامين مختلفين في دولة، وهو ما مهد -فيما بعد- الإطلاق شعار الفيدرالية وصولًا إلى الكونفدرالية وانتهاء بالانفصال.
ومن القضايا التي لا تزال تثير قدرًا واسعًا من الجدال ما حدث من أعمال نهب في بعض مناطق القتال، فعلى صعيد الاشتراكيين وأنصارهم، فهم ما يزالون يوجهون اتهامات لخصومهم المنتصرين بأنهم استباحوا المحافظات الجنوبية والشرقية.
وللتاريخ، فإن عملية النهب التي حدثت تركزت في ممتلكات الدولة التي انهارت تباعًا في المحافظات الجنوبية مع تقدم قوات الوحدة حيث كان المواطنون يستولون على كل ما تقع عليه أيديهم، وكاتب هذه السطور شاهد بعينيه المواطنين في مدينة عدن -بعد يومين من دخولها- وهم ينهبون إحدى المؤسسات العامة، وهي حقائق لم ينازع فيها أحد حتى الآن وهي أن الاشتراكيين -قبل انسحابهم- أباحوا للمواطنين الاستيلاء على أي شيء تعود ملكيته للدولة بحجة أنهم أحق بها من القادمين من «الشمال».
النوع الآخر من عملية «النهب»، كانت عبارة عن عملية استرداد لممتلكات مواطنين اضطرتهم الصراعات السياسية أيام حكم الاشتراكيين إلى الفرار إلى خارج البلاد، وترك منازلهم، وهؤلاء -ولا سيما أنصار الرئيس السابق «علي ناصر محمد»- كانوا في طليعة القوات المنتصرة، وأصروا على استعادة منازلهم وممتلكاتهم التي كان الحزب الاشتراكي قد منحها لغيرهم.
ثم هناك عملية الاستيلاء على أسلحة القوات المنهزمة وذخائرها... إلخ، حيث أذنت الدولة للمقاتلين بأخذ الأسلحة الفردية، لكن عددًا من الأفراد استولوا -كذلك- على كميات كبيرة في ظل الظروف غير الطبيعية التي كانت سائدة آنذاك، وفي المقابل، فإن قيادات الانفصال متهمة -حتى من أنصارها- بأنها استولت على مبالغ بملايين الدولارات لحسابها الشخصي في الخارج، ويؤكدون بأن اختفاء «صالح السبيلي»، أحد الرموز البارزة في الحزب الاشتراكي له علاقة بتلك الملايين الضائعة، والرجل كان مسؤولا عن استثمارات الحزب الخاصة قبل الحرب، وفي أثناء الحرب كان الرجل هو القوي في «عدن» حتى اختفائه في ظروف غامضة.
البحث عن النفوذ:
ومن القضايا التي ما تزال تثار بمناسبة ذكرى الحرب الأهلية، قضية العفو العام، وعودة الاشتراكيين إلى مراكزهم الإدارية ففي أثناء الحرب أصدر الرئيس «علي عبد الله صالح» قانونا للعفو العام عن كل الذين شاركوا في القتال باستثناء (١٦) من قيادات الانفصال، وما يزال الاشتراكيون يزعمون أن القانون لم يتم تطبيقه بالفعل، وإن كثيرين مازالوا ممنوعين من العودة لأعمالهم الطبيعية، وفي المقابل تؤكد مصادر الدولة أن الآلاف ممن شاركوا في القتال قد عادوا لوظائفهم تنفيذًا لقانون العفو العام.
وبالإضافة إلى ما سبق فإن المنهزمين يؤكدون على أن الحرب التي دمرت البلاد، توجب على الجميع الدخول في مصالحة وطنية، بينما يصر المنتصرون على أن المصالحة قد تحققت بقانون العفو العام. واستمرار التعددية السياسية، ونشاط أحزاب المعارضة السياسي والإعلامي. أما إذا كانت المصالحة الوطنية، تعني عودة الاشتراكيين للسلطة فهي مسألة مرفوضة حتى الانتخابات القادمة.
وفي كل الأحوال تبدو اليمن -بعد عامين على الحرب الأهلية- في حاجة إلى مزيد من استعراض أوضاعها السياسية والاقتصادية والحزبية والإعلامية لتنضح صورة حقيقية أو أقرب إليها، يمكن على أساسها الخروج بتقييم كامل للوضع العام في البلد وهو ما نرجو أن نتمكن من تحقيقه في الأعداد القادمة بإذن الله تعالى.