العنوان قضايا العالم الإسلامي: الضغط على مراكز الوعي
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 10-مايو-1988
مشاهدات 66
نشر في العدد 866
نشر في الصفحة 22
الثلاثاء 10-مايو-1988
الدعاة
والمفكرون الإسلاميون.. الجامعات.. المساجد.. الاتحادات الطلابية.. دور النشر..
مراكز الوعي في الأمة ومراكز ثقل الفكر الإسلامي تتعرض لضغوط قوية بالتدريج، وفي
حركات توافقية بين أرجاء العالم الإسلامي والعربي، ومن شرقه إلى غربه، ومن شماله
إلى جنوبه، في محاولات مكشوفة تهدف إلى تجميدها، وتقليص نفوذها، والتقليل من
تفاعلها مع قضايا الأمة وتأثيرها في الأوساط الجماهيرية المحيطة بها بشتى الوسائل.
فما هو سر هذه الضغوط ومن يقف وراءها؟
ضغوط على
الجامعات
عندما دخل
الاتحاد السوفيتي إلى أفغانستان في عام 1978، كان أول من حمل لواء الجهاد ضد الحكم
الشيوعي والغزو السوفيتي هم أساتذة جامعة كابل وتلاميذها. لقد كان مركز الوعي
الفكري في أفغانستان شعلة للتوحيد والإيمان العميق بالله، تنبثق من عقيدة إسلامية
خالصة، تؤمن بالجهاد طريقًا وحيدًا للتصدي ضد الغزوين الفكري والعسكري لبلادها.
والآن، وضعت
الحكومة الأفغانية كل ثقلها في الميزان لحصار الوعي الإسلامي في الجامعة الأولى
للبلاد، وتخديرها بأفيون العقول: «الشيوعية الملحدة».
وفي مصر، كان
طلبة الجامعات وبخاصة في كليات الهندسة والطب التي تحوي نخبة الشباب في البلاد، هم
القوة الأولى التي عارضت حكم السادات وخطوات التسوية مع العدو اليهودي طوال فترة
حكمه وما بعد ذلك.
وكانت المجلات
الحائطية والندوات الطلابية هي المحور الذي التف حوله فئات كثيرة من المجتمع
المصري، تستنير به في مواقفها العقائدية والفكرية والسياسية.
واليوم، يُحارب
الحجاب الإسلامي واللحية بقوة قانون الطوارئ في هذه الجامعات، بل إن بعض مساجدها
قد تم تخريبها عن عمد، وحُولت إلى بنوك للدم، ومُنعت كافة المجلات الحائطية،
واختُرع ما يسمى بالبوليس الجامعي كنوع من الرقابة القسرية على الطلبة الجامعيين
في أول سابقة من نوعها في تاريخ التعليم في العالم.
وفي اليرموك،
الجامعة الثانية في الأردن، تم قمع تحركات طلابية بالقوة؛ لثني جمعياتها عن بعض
المطالب، راح ضحيتها العديد من الطلبة الأبرياء، وتم إلباس الاعتصام الطلابي الذي
تم ثوبًا سياسيًّا فضفاضًا لم يكن يحمله أصلًا.
وفي تركيا،
مُنعت أستاذة تركية من إلقاء محاضراتها بسبب الحجاب الذي ترتديه، بينما أصدر رئيس
الدولة تعليماته من خلال مؤسسات الدولة يمنع المحجبات من دخول الجامعة والدراسة أو
التدريس فيها، فيما اعتبر رئيسها الحجاب واللحية من علامات التخلف والتنكب عن طريق
أتاتورك، بل إنه تم إقالة وزير التربية التركي؛ لأنه منع إقامة حفل ملكات جمال
الطالبات والذي تظهر فيه المتسابقات من فتيات المدارس بالمايوه فقط.
أما تونس قبل
تنحية بورقيبة، فشهدت قمعًا عنيفًا متزايدًا للطلبة المتدينين في الجامعات وهجومًا
إعلاميًا عنيفًا على الحجاب الإسلامي، وبصورة غير طبيعية أو عقلانية، وأطلقت
الشرطة النار على أحد الطلبة الجامعيين؛ مما أدى إلى مصرعه.
وفي إندونيسيا
وماليزيا، يتعرض الشباب الجامعي المسلم لإجراءات تعسفية من قبل الحكومات المعنية؛
لمجرد مطالبتهم بالقوانين الإسلامية، وتنحية المبادئ المخالفة للإسلام مثل
«البانتشاسيلا» والتي تريد الحكومة الإندونيسية إحلالها محل الدين الإسلامي.
كل هذا حدث خلال
الخمس سنوات الأخيرة وفي خطوات متلاحقة ضد أساتذة وطلبة الجامعات واتحاداتها
الطلابية، وافتعال المعوقات باسم القوانين والبروتوكولات الحكومية واللوائح
التنظيمية؛ للحد من انتشار الوعي الإسلامي بين هذه الفئة المهمة من المجتمعات
الإسلامية.
إنها سياسة قلع
الأظافر بالقانون على الطريقة الإنجليزية وحسب الآراء الأمريكية التي تُشير بها
على العديد من الحكومات الإسلامية من خلال وزاراتها وسفاراتها وخبرائها ووكالة
الاستخبارات المركزية.
خنق حرية
التعبير وقتل الرأي الآخر
أما المفكرون
الإسلاميون فيعانون من عزلة إعلامية رهيبة مفروضة عليهم من قبل وسائل الإعلام
الرسمية التي تهلل لفلان لاعب الكرة وفلانة الفنانة والراقصة فلانة، في حين يعيش
ويموت العالم والمفكر المسلم دون أن يدري به أحد.
بل إن كثيرًا من
المفكرين المسلمين هم رهن الحصار والاعتقال والتعذيب في العديد من بلدان العالم
الإسلامي، لا لشيء إلا لأنهم يقولون: ربنا الله، ويطالبون بتطبيق الشريعة
الإسلامية.
وبعض ما تفتق
عنه ذهن بعض الحكومات التي لا تخاف الله هو إرسال بعض هؤلاء الدعاة إلى مستشفيات
الأمراض العقلية، كما حدث مع الشيخ المجاهد عبد السلام ياسين وعدنان أوكتار.
إن المفكرين
الإسلاميين ممنوعون من استخدام وسائل الإعلام من صحافة وتلفاز وإذاعة، والتي تسيطر
عليها الحكومات المعادية للنهج الإسلامي.
وهم في نفس
الوقت ممنوعون من وسائل التعبير الأخرى، كالندوات والمحاضرات، أو إلقاء الخطب في
المساجد، فالشيخ عبد الحميد كشك لا زال حتى الآن موقوفًا عن الخطابة على منابر
المساجد، رغم مضي سبع سنوات على موت السادات الذي أمر باعتقاله ومنعه من الخطابة؛
لانتقاده الممارسات غير الإسلامية في بلدان العالم الإسلامي عامة ومصر خاصة، ومثله
الشيخ حافظ سلامة بطل المقاومة الشعبية في السويس، والذي اتهمه السادات بعد ذلك
بالجنون؛ لأنه طالب بتطبيق الشريعة.
وحتى المجلات
والصحف الإسلامية التي تصدر في أنحاء عديدة من العالم الإسلامي عن جهات غير
حكومية، وتمثل صوتًا وحيدًا يُصرح في خلاء الغفوة، فإنها تعاني من التضييق
والتعطيل والرقابة الصارمة في أكثر من بلد مسلم.
إن شباب العالم
الإسلامي يعرف الكثير عن سير الفنانين والرياضيين وعن آخر أخبارهم أكثر بكثير مما
يعرف عن أي داعية أو عالم أو مفكر مسلم في القديم أو الحديث، فوسائل الإعلام
العربية والإسلامية عامة تهتم بأخبار ديانا ومادونا ومارادونا أكثر من اهتمامها
بشهداء فلسطين وأفغانستان، بل إنها تغطي خبر ثوب السهرة التي ارتدته فلانة الفنانة
في عيد ميلادها بنفس الحماس الذي تغطي به أخبار استشهاد الفلسطينيين في ساحات
المسجد الأقصى عقب مظاهرات صلاة الجمعة.
ولا زالت وسائل
الإعلام هذه تتعامل بنفس العقلية مع علماء ودعاة الإسلام ومفكريه، ففي عالمنا
الإسلامي إذا لم يكن الرأي الآخر حكوميًا فلا حق له في الحياة.
الإعلام
الإسلامي ممنوع
ومن خلال وسائل
الإعلام الرسمية، لا نجد للتاريخ الإسلامي أثرًا ولا لبطولات رجال الإسلام أثرًا،
فليس هناك من تاريخ سوى تاريخ الغرب، وليس هناك من بطولات على شاشات السينما
والتلفاز الإسلامية سوى بطولات الكاوبوي و«رامبو» الأمريكي.
ليس هناك إحياء
لأمجاد المسلمين وبطولاتهم العريقة واقتداء بهم، هنا الفراعنة، وهناك الفينيقيون،
وهنا الأشوريون، وهناك الذئب الأغبر، وهناك عاد وثمود، لم تبقَ حضارة ميتة ولا
كافرة، حتى من الغربيين، لم يبقَ ساقط ولا ملحد ولا أجرب إلا وافتخر المتمسلمون
به، ولكن لا ذكر لمحمد صلى الله عليه وسلم وأصحاب محمد أو رجال الإسلام، حتى الشعر
الإسلامي ممنوع بأمر الرقابة، وما يكاد يخرج للوجود شاعر حر معطاء، ويشتهر حتى يتم
ذبحه أو سجنه أو تسفيره، ويُشنق شعره على باب الوالي، وتُذبح دواوينه قربانًا
للحاكم بأمر الشيطان، ويُمنع شعره من رؤية النور على صفحات الجرائد، ويتم قتله
خنقًا في رحم المطبعة.
اعتداء على
مراكز الوعي
إنه اغتصاب
للعقل المسلم واعتداء على مراكز الوعي فيه، وتجريد وحشي له من حرية التعبير والرأي
الإسلامي الحر في مواجهة العلمانية وذئاب الحكم وعبيد الطواغيت. إنه تكسير لليراع
المسلم ولعظام اليد المجاهدة في وجه الغزو الصليبي الجديد الذي تقوده يهودية أبناء
(إسرائيل)، وتؤازره الشيوعية الملحدة. إنه خنق لجنين الحرية بقنابل القهر المسيل
للدماء، وقطع للحبل السري الذي يغذي العقل المسلم بالإيمان والعقيدة الخالصة بسكين
القانون الغاشم. إنه كما الفرق بين حكم الإسلام وحكم غيره، إنه الفرق بين مبضع
الجراح وساطور الجزار. وبرغم هذا الكيد والمكر كله؛ فإن الله غالب على أمره، ولو
كره الظالمون.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل