; قضايا الإنتاج والإنتاجية في ضوء الشريعة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان قضايا الإنتاج والإنتاجية في ضوء الشريعة الإسلامية

الكاتب د. حسين شحاتة

تاريخ النشر الثلاثاء 15-يوليو-1986

مشاهدات 61

نشر في العدد 775

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 15-يوليو-1986

تمثل قضايا الإنتاج والإنتاجية الاهتمام البالغ لكافة الناس لأنها تؤثر في حياة الفرد والأسرة والمجتمع والأمة، ومن الخطأ أن ندرسها من الجانب الفني بانعزال عن الجوانب العقائدية والخلقية، فهي تؤثر في الإنسان الذي يعتز بقيمه ومثله وأصالته، وهو يؤثر فيها باعتباره أساسها فهو مبتكرها ومخترعها ومجددها وهو المنتج والموزع والمستهلك،

وتناقش قضايا الإنتاج في الفكر الاقتصادي الرأسمالي في ضوء مفاهيم ومعتقدات الرأسمالية، كما تناقش في الفكر الاقتصادي الشيوعي في ضوء مفاهيم ومعتقدات الشيوعية، ومن ثم فمن العبث أن تطبق مفاهيم رأسمالية أو اشتراكية في مجتمع لا يؤمن أفراده بالمعتقدات الرأسمالية والاشتراكية، لأن مآلها الفشل آجلًا أو عاجلًا، مهما أحكم النفاق والتورية واستخدمت المعاريض، ولقد أكدت التجارب التي خاضتها الدول العربية الإسلامية مرارة هذا الفشل، وظهرت الصحوة تنادي بضرورة دراسة قضايانا في ضوء قيمنا ومعتقداتنا وأكد على ذلك رواد الفكر العالمي الذين يوقنون بأنه لا يمكن فصل الاقتصاد عن المعتقدات والسلوكيات.

لذلك كان لزامًا ولا مفر من ذلك أن ندرس قضايا الإنتاج والإنتاجية من منطلق المعتقدات والأخلاق والسلوكيات الإسلامية كما بينتها الشريعة الإسلامية، وهذا هو محور الدراسة في هذه المقالة والتي سوف نركز فيها على ثلاثة محاور أساسية هي:

  • طبيعة عوامل الإنتاج في الفكر الإسلامي وعلاقتها بالقيم والمثل الإسلامية. 
  • أوليات المشروعات الإنتاجية في ضوء الشريعة الإسلامية.
  • منهج وأساليب رفع الكفاءة الإنتاجية.

طبيعة عوامل الإنتاج في الفكر الإسلامي وعلاقتها بالقيم والمثل الإسلامية:

هناك اختلاف بين علماء الاقتصاد الوضعي حول تحديد عوامل الإنتاج، فمن الرأسماليين من يرى أنها أربعة. الأرض «الطبيعة» والعمل ورأس المال والمنظم، ومنهم من يدمج المنظم مع رأس المال وبذلك تصبح ثلاثة فقط هي الأرض والعمل ورأس المال ويرى فريق آخر من الرأسماليين دمج الطبيعة ورأس المال والمنظم معًا في عنصر واحد هو رأس المال، وبذلك تصبح عوامل الإنتاج اثنين فقط هما: العمل ورأس المال، وهذا التخبط في تحديد عوامل الإنتاج في الفكر الرأسمالي دليل واضح على عدم اقتناع أنصاره به.

أما في الفكر الاشتراكي أو الشيوعي، فيرى أنصاره أن العمل هو المصدر الوحيد للثروة المنتجة، وليس للطبيعة ولا لرأس المال أي دور بدون العمل، فرأس المال عندهم ليس له دور في الإنتاج وهذا يخالف المنطق لأن العمل بدون الموارد الطبيعية وبدون وسائل الإنتاج التي تقتنى برأس المال ليس له قيمة.

والإسلام له ذاتيته المتميزة لنظرته إلى الإنتاج وعوامله، فينظر إلى الإنتاج على أنه كافة الجهود التي تبذل لتكوين ثروة تساعد في الرفاه بضرورات وحاجيات الحياة وترفع عنه الحرج والمشقة، وتيسر له أمور الحياة الكريمة، وذلك في ضوء أحكام وقواعد الشريعة الإسلامية.

وتنقسم عوامل الإنتاج في الفكر الإسلامي إلى:

١- العنصر البشري، ويقدم العمل ونصيبه من الكسب الأجر.

٢- الموارد الطبيعية وتقدم العناصر اللازمة للإنتاج مقابل الربح.

٣- رأس المال، ويساعد في العملية الإنتاجية وله حظ من الريع. وسوف تناقش هذه العوامل بشيء من الإيجاز.

أولا: العنصر البشري في الفكر الإسلامي:

يعتبر الإسلام العمل هو الدعامة الأساسية للإنتاج، وحث القرآن عليه في عديد من الآيات منها قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ﴾ (الملك: ۱٥) واعتبره رسول الله r عبادة، حيث يقول «من أمسي کالًا من عمل يده أمسى وهو مغفور له» (رواه البخاري). ويقول: «طلب الحلال فريضة بعد فريضة» رواه البخاري، وقال رسول الله r:  «إن من الذنوب ذنوبًا لا يكفرها الصلاة ولا الحج ولا العمرة، ولكن يكفرها الهموم في طلب الرزق» رواه أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة.

ونهى الإسلام عن المسألة والاستكانة والتواكل، فعنه صلى الله عليه وسلم r «لان يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة من الحطب على ظهره يكف بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه» رواه البخاري.

ويتمثل العمل في الإسلام في الجهد الفكري أو العضلي أو هما معًا، والذي يبذله الإنسان ليحول الموارد الطبيعية إلى سلع وخدمات لسد الضروريات والحاجيات المعيشية دون إسراف أو مخيلة.

ويحكم العمل الإنتاجي في الإسلام القواعد الآتية:

•تكريم واحترام ذاتية العامل وعدم المساس بإنسانيته.

•مشاركته الحقيقية الفعالة مع الجماعة في اتخاذ القرارات التي هو طرف فيها وفقًا لأسس الشورى.

•إيمانه القوي بأن العمل فرض وواجب وعبادة وشرف.

•إيمانه الراسخ بالمحاسبة الأخروية والثواب والعقاب.

•ربط الأجر بالكفاية الإنتاجية، لا كسب بلا جهد ولا جهد بلا كسب وسرعة أدائه.

•دعم العامل دون حد الكفاية من بيت مال المسلمين.

•ربط معايير الأداء بالطاقات والإمكانيات.

•العدالة في الثواب والعقاب.

ويؤمن العامل في الإسلام بأن الكسب الذي يرزقه الله إياه ليس غاية في ذاته ولكن وسيلة لتساعده على عبادة الله في الأرض، وأساس ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأنعام: ١٦٢) فللإنسان مطالبه المادية التي يقوم عليها وجوده البدني، وله مطالبه المعنوية التي يقوم عليها كيانه الروحي، ولا يمكن الفصل بينهما، كما يجب ألا يطغى أحدهما على الآخر، مصداقًا لقول الله تبارك وتعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ﴾ (القصص: ٧٧).

ولقد تضمنت الشريعة الإسلامية القواعد والأحكام التي تنظم:

•واجهات العامل.

•حقوق العامل.

•أسس حساب الأجر.

•حوافز العمل.

ثانيا- الموارد الطبيعية في الفكر الإسلامي:

تتمثل الموارد الطبيعية في العناصر التي خلقها الله واللازمة للعملية الإنتاجية، منها على سبيل المثال: الأرض، والسماء، والمياه والهواء وغير ذلك مما سخره الله سبحانه وتعالى للبشرية، ولقد أشار الله إلى ذلك في مواضع كثيرة من القرآن، فيقول: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ۚ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (إبراهيم: ٣٢-٣٤).

إن المتدبر في هذه الآيات وغيرها يستشعر أن الله سبحانه وتعالى سخر كل هذه الأشياء للإنسان، ولذلك لا يجب مطلقًا أن يكون الإنسان عبدًا لها ذليلًا من أجل الحصول عليها وإلا قد عكس فطرة الله.

ومن الإعجاز الرباني أن حاجيات البشرية من هذه الموارد ومن غيرها مقدرة سلفًا فلا يخشى أحد من نفادها، ولقد أثار القرآن الكريم إلى ذلك ويقول الله تعالى: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ (فصلت: ١٠) ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ (الفرقان: ٢).

وتأسيسًا على ذلك لا يقيم الاقتصاد الإسلامي مفاهيمه وأسسه على نظرية ندرة الموارد وحاجات الإنسان اللانهائية، بل على أساس ضرورة السعي والجد والاجتهاد للحصول على الرزق الطيب الكريم طبقًا لمسلمات ثلاث هي:

•خلق الله الكائنات كلها وفق قوانين ونواميس دقيقة سبحانه ألا له الخلق والأمر.

•تسخير بعض من هذه الكائنات للإنسان حسب حاجته وانتظام حياته، وتسخير الإنسان لخدمة أخيه الإنسان.

•فطرة الإنسان السعي والعمل واستغلال الموارد المتاحة لاستخلاف الله في الأرض ومبادئه.

«راجع في هذا الأمر د أحمد السالم، د. فتحي عبد الكريم في كتابهما «النظام الاقتصادي في الإسلام»، صفحة ١٣٨ وما بعدها» وتأسيسًا على ما سبق، لا تعتبر الأرض فقط هي أحد عوامل الإنتاج كما يعتقد الاقتصاديون الوضعيون، بل كافة الموارد الطبيعية، فهل يستطيع أن يتم الإنتاج بدون المياه والهواء والغازات والسوائل والنواميس الكونية، عبثًا ما يفكرون.

ثالثا- رأس المال في الفكر الإسلامي:

يتكون رأس المال في الفكر الإسلامي من تجمع فوائض استغلال العنصر البشري للعناصر الطبيعية، أي أنه ناتج من عمل الإنسان ويستخدم في المساعدة على إنتاج الضروريات والحاجيات والتحسينات في دورات تالية.

ولقد تضمنت الشريعة الإسلامية القواعد التي تحكم تكوين وتملك واستثمار رأس المال وحددت معالم تشغيله ودورانه ليقوم بدوره في العملية الإنتاجية، وذلك على النحو الذي سوف نبينه بعد قليل.

ويختلف رأس المال في الفكر الوضعي عن الفكر الإسلامي، ففي الفكر الرأسمالي ينظرون إليه على أنه ثروة قد أسهم الجهد البشري في إنتاجها، وأحيانا يدمجونه في الطبيعة، ويؤجر رأس المال نظير فائدة، وفي نظر الفكر الاشتراكي أو الشيوعي، يعتبر رأس المال ثروة حسب كمية العمل المختزن فيها.

والشريعة الإسلامية تنظر إلى رأس المال على أنه لا ينمو ولا يزيد إلا من خلال تفاعله مع العمل عن طريق التقليب في الأنشطة المختلفة، وهو بذلك يكون له حظ من عائد النشاط حسبما يرزقه الله من رزق، فالمال بذاته لا يلد مالًا، ومن ثم جربت الشريعة الإسلامية الفائدة على رأس المال باعتبارها ربًا وأوجدت البديل هو استثمار المال عن طريق نظم المشاركة المختلفة مثل المضاربة، شركات المفاوضة، شركات العنان، وتصدها من المشاركة المشروعة.

ولقد حث الإسلام على المحافظة على رأس المال وتنميته بكافة الوسائل المشروعة بوسائل كثيرة تقوم على المحافظة على غريزة الإنسان لحب تملك ثمرة جهده وجهاده، سواء أكانت ثمرة مادية أو معنوية، وهذا يدفع إلى العمل بكفاءة عالية وزيادة الإنتاجية إلا أنها تطالبه في ذات الوقت بتأدية حقوق هذا المال، مثل الزكاة والنفقات الفرضية والنفقات التطوعية.

ويحكم استثمار وتشغيل رأس المال في الإسلام المعايير التالية:

١- المعيار العقائدي: ويتمثل في الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى هو المالك الحقيقي لهذا المال وأنه سخر له الموارد الطبيعية من أجل تسهيل تفاعل العمل مع المال، كما يتمثل في الإيمان بالتفاوت بين الناس في عوائد تشغيل المال، وكذلك الإيمان بالمحاسبة يوم القيامة عن الأعمال من أين اكتسبه وفيم أنفقه.

٢- المعيار الأخلاقي: ويتمثل في تحلى من يستثمر ويشغل المال بالقيم والأخلاق والمثل الفاضلة مثل الصدق والأمانة والتسامح والقناعة وتجنب أكل أموال الناس بالباطل والبعد عن استثمار المال في المفسدات.

٣- المعيار الأخلاقي: ويتمثل في تشغيل المال بما يحقق للمجتمع الإسلامي التنمية الاجتماعية، وذلك باختيار المشروعات الاستثمارية التي تفي بالضروريات والحاجيات الأساسية للناس، وقيام صاحبه بأداء ما عليه من حقوق للمجتمع سواء في صورة زكاة أو نفقات أو صدقات.

٤- المعيار الاقتصادي: ويتمثل في تشغيل المال بالأسلوب الذي يحقق للمجتمع الإسلامي التنمية الاقتصادية، مع عدالة التوزيع. ويجب على المسلم أن يربط بين التنمية الاجتماعية والاقتصادية وتحقيق عائد مرضى له في ضوء متوسط أرباح المشاركات السائد في مثل هذا النشاط.

٥- المعيار السياسي: ويتمثل في تحرير المال من التبعية السياسية واستثماره في المجالات التي تقيد الأمة الإسلامية، ويمنع من أن يستفيد منه أعداء المسلمين، كما أننا نحرص أن يعم نفع المال على كل مسلم.

٦- معايير شرعية: وتتمثل في الآتي:

أ- لا ضرر ولا ضرار.

ب- التقليب والمخاطرة.

ج- الغنم بالغرم.

ومما يجب أن يذكر في هذا الخصوص أن المعايير العقائدية والخلقية والشرعية لا تؤخذ في الاعتبار عند تشغيل رأس المال في النظم الوضعية، بل المعايير الأساسية عندهم هي: تحقيق أقصى عائد ممكن، وتعتبر الفائدة هي تكلفة رأس المال ومعيار وأساس في قبول أو رفض الاستثمار.

خلاصة القول:

نخلص مما سبق أن للفكر الاقتصادي الإسلامي ذاتيته المتميزة في تحديد طبيعة عوامل الإنتاج، والتي تختلف عن الفكر الوضعي الذي ما زال وسوف يظل يتخبط شرقًا وغربًا، وسبب للعالم أزمات اقتصادية عديدة، ولقد أكد ذلك البروفيسور جاك أوتستري أستاذ الاقتصاد الفرنسي حيث يقول: إن طريق التنمية الاقتصادية ليس محصورًا في الرأسمالية والاشتراكية، بل هناك اقتصاد ثالث راجع هو الاقتصاد الإسلامي ما يبشر بأسلوب كامل للحياة ويحقق كافة الميزات ويتجنب كافة المساوئ.

وصدق الله إذ يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: ٨٩)، ويطيب لي أن اختم هذا المقال بنداء إلى علماء الاقتصاد المسلمين. ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (المائدة: ١٥-١٦).

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

الرابط المختصر :