العنوان قضية التكفير والهجرة.. الحلقة الأخيرة: موقف الصحافة المصرية مما أسموه بـ قضية التكفير والهجرة .. السطحية وعدم البحث عن الأسباب
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أكتوبر-1977
مشاهدات 75
نشر في العدد 370
نشر في الصفحة 35
الثلاثاء 11-أكتوبر-1977
والخطأ الخامس الواضح الذي وقعت فيه الصحافة هو أنها كانت سطحية في تغطيتها للحادث، لم نقرأ إلا دراسات قليلة جدًا عن أسباب اتهام أعضاء الجماعة بقتل الشيخ الذهبي، واكتفت الصحف بسب أعضاء الجماعة ولعنهم، والمطالبة بتوقيع أقصى العقوبات عليهم.
يقول أنيس منصور: إنه كتب في مجلة أكتوبر أن التكفير ليس علاجًا، فأكبر جريمة يمكن أن نرتكبها جميعًا أن نلعن الجريمة، وأن نقف عند هذا الحد، فشتيمة الأمراض ليست علاجًا لها، وإنما يستحق الشتيمة واللعن والطرد وعظيم الاحتقار من يكتفي بتكفير جماعة التكفير.
وإنما يجب أن نجد حلًا، وأن يكون الحل هو الاقتراب والفهم والاحتواء وتقدير وزن وعمق هذه النزعات الرافضة، وبعد ذلك نتقدم معًا للعلاج.
ويقول صلاح جلال: إن لكل موضوع أسبابًا علمية يمكن دراستها، والصحافة لم تدرس في تغطيتها للحادث أسباب إقدام الشباب على هذا العمل، وإذا كان هؤلاء الشباب الرافض قد ظهروا على السطح، وتم القبض عليهم، فإن هناك آلافًا من الشباب تحت السطح يرفض كل شيء، وعلينا بدلًا من سبهم واتهامهم بالانحلال والتطرف أن نعالج أسباب رفضهم، فهم على حق في هذا الرفض، وهناك ظواهر كثيرة جدًا في المجتمع تجعل الشباب يغضب مثل: ضياع القيم والمثل العليا، وانتشار الانحلال، واتساع الهوة بين الطبقات، ووقوف القانون عاجزًا أمام سرقات وتصرفات بعض الأشخاص من أصحاب السطوة.
ويضيف صلاح جلال قائلًا: إن الصحافة الناجحة هي التي تجيب على تساؤلات الشعب وعلامات الاستفهام التي يطرحها في موضوع معين، وهناك تساؤل ضخم في موضوع التكفير والهجرة لم تتعرض له الصحافة رغم أهميته، وهو أسباب التفريق في المعاملة بين اليسار المتطرف وأعضاء جماعة التكفير والهجرة، لماذا تم تقديم الشيوعيين إلى القضاء العادي، وقدم أعضاء جماعة التكفير والهجرة إلى القضاء العسكري؟ ألم يذكر رئيس الجمهورية عقب أحداث ۱۸، ۱۹ يناير الماضي أنه لن يخرج عن سيادة القانون على الرغم من بشاعة العمل الذي ارتكبه اليسار المتطرف، وسيتم تقديمهم إلى المحاكمة العادية.
يقول محمد عبد المجيد الديروطي: إن الشعب لا يستطيع أن يفهم أبدًا كيف تحاكم انتفاضة الحرامية التي أزهقت أكثر من مائة نفس، وألحقت خسائر فاقت الخمسين مليونًا من الجنيهات، والتي كانت تبغي قلب نظام الحكم بثورة دموية، مما اضطر الدولة لأول مرة أن تفرض حظر التجوال على العاصمة، وغيرها من المدن الأخرى الهامة.
كيف يحاكم هؤلاء أمام المحاكم المدنية، ثم يحاكم أعضاء جماعة التكفير والهجرة أمام القضاء العسكري أليست سرعة الحسم والفصل في الإجراءات وسرعة النظر في القضية، وهي الحجج التي تم بها تبرير إحالة جماعة التكفير والهجرة كانت أولى بالاتباع مع اليسار المتطرف الذي كان يحاول حرق مصر، ألم يشرف وزير العدل بنفسه على التحقيق، في حادث الدكتور الذهبي وذلك خلال الأيام الأولى لارتكاب الجريمة، فما معنى إحالة القضية بعد ذلك إلى محكمة عسكرية بعيدة كل البعد عن اختصاصها؟
ويضيف محمد الديروطي قائلًا: لماذا لم تجب الصحافة حول التساؤلات التي طرحها الشعب من أن هناك جهات داخل مصر كان لها صلة بمقتل الدكتور الذهبي، وهل صحيح أن عائلة الدكتور الذهبي قد قالت: إن والدها قد قتل لأسباب شخصية، كل هذه التساؤلات كان يحب أن تجيب عليها الصحافة إذا كانت حقًا تمثل الشعب وتعبر عنه.
الهجوم على الإسلام والجماعات الإسلامية
وكان أكبر خطأ وقعت فيه الصحافة كما يقول د. يوسف القرضاوي هو هجومها على الإسلام والجماعات الإسلامية، ولم تكن الصحافة هي المتهم الوحيد في هذا الصدد، بل وشاركها جهات أخرى مثل:
- عضو مجلس الشعب الذي قام بتحريض الدولة على الجماعات الإسلامية بالجامعات، واتهمها بأنها هي مصدر الجماعات المتطرفة، والغريب أن عضو مجلس الشعب هذا هو نفسه المتهم الأساسي في حرق المركز العام للإخوان المسلمين سنة ١٩٥٤ وكأن أمنيته أن تتكرر المأساة التي كان أحد أبطالها منذ ثلاث وعشرين سنة.
- جهات الأمن التي كانت تلقي القبض في كثير من الأحيان على المتدينين في الشوارع؛ لمجرد أنهم ملتحون؛ بحجة الاشتباه في أنهم من أعضاء جماعة التكفير، وكأن إطلاق اللحية قد أصبح شبهة.
وإنه وإن كانت قد وقعت أخطاء من أجهزة الأمن، ورغم أنها لا تقارن بالأخطاء الفادحة التي كانت قد وقعت فيها سنة ١٩٦٥ ومن قبل سنة ١٩٥٤ بمحاولة ذبح وتنكيل وتشريد جميع العناصر الإسلامية.
إننا نجد أن الصحافة ما زالت تعيش بعقلية عصر الطغيان الذي كان هدفه الأساسي التنكيل بالإسلام، فنجد بعض الصحف قد انتهزت فرصة ما حدث؛ للغمز واللمز والهجوم على المتدينين والحجاب وتعدد الزوجات والسخرية من الألقاب الإسلامية مثل لقب أمير المؤمنين، وهو ما نستنكره ونرفضه، وإليك نماذج منه:
- حديث كاذب بالطبع على لسان أمير الجماعة يقول فيه: سوف نعيد للسيف هيبته، وسوف ننشر به الإسلام من جديد، وكأن الإسلام قد انتشر بالسيف، وهو ما يزعمه أعضاء الإسلام.
- صورة لأمير الجماعة كتب تحتها دون أي تعليق، خليفة الله في الأرض أمير المؤمنين طه المصطفى.
- قال كاتب كبير مبررًا التفاف أعضاء الجماعة حول أميرهم: لقد استغل ضيقهم بأشياء كثيرة، وقرفهم وفشلهم ويأسهم وربما تدينهم، وكأن الدين مرادف لهذه الأشياء التي ذكرها الكاتب.
- إحدى الصحفيات في مجلة أسبوعية أجرت حديثًا مع زوجة أمير الجماعة، وحاولت الصحفية النيل من تعدد الزوجات، فقالت: لزوجة أمير الجماعة كيف ترضين بأن يكون لرئيس الجماعة زوجة أخرى، ألست امرأة، أين الغيرة والحب له، ثم أفتت بأن القرآن حرم تعدد الزوجات بآية ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ (النساء: 3).
- السخرية من اللحية بالكلمة، كقول إحدى الصحف عن أعضاء الجماعة: إنهم أصحاب اللحية السوداء، والسخرية بالنكتة كالقول تحت صورة هزلية ظهر فيها شخص ملتحي: يا راجل تلاقيه ما كانش فاضي يحلق فعمل سني، ونجد في مجلة أخرى نكتة تسخر من لفظ أمير، حيث يقول مراهق لوالده: وفي نفس المجلة نجد نكتة يقول فيها شاب لزميله: دول كفروني لحد ما بقيت هيبز.
والغريب أن الهجوم على الإسلام قد صدر حتى من رجال الدين، فنجد أحدهم - يهاجم أعضاء الجماعة بشدة؛ لأنهم طالبوا بإقامة الخلافة الإسلامية، وقال لهم بصريح العبارة: إن إقامة الخلافة في العصر الحالي مستحيل.
لقد اعتقد بعض الصحفيين أن التدين هو الذي أدى إلى ظهور التطرف، ولم يعلموا أن فكرة التكفير والهجرة قد نشأت كما يقول مصطفى أمين في السجون، وسط جو مخنوق، وزنزانة جرداء رطبة ملعونة، تمشي على جدرانها آلاف الحشرات بالليل والنهار.
حرية الصحافة هي حرية إصدار الصحف
قد يسأل القارئ: لماذا وقعت الصحافة في هذه الأخطاء الفادحة؟ ولماذا كل هذا الانحياز في صف الحكومة والشرطة؟ أين الموضوعية والأمانة في الكلمة والإحاطة الكاملة بالموضوع خبرًا وتحليلًا، وسماع وجهات نظر جميع الأطراف، أو بعبارة مختصرة أين حرية الصحافة؟
يقول مصطفى أمين إن السبب الأساسي للسقطة التي وقعت فيها الصحافة في حادث التكفير والهجرة هو أنها ما زالت حكومية تعيش في حضن الدولة، فجميع الصحف اليومية وأغلب المحلات الأسبوعية ما زالت تابعة للاتحاد الاشتراكي، ومشكلة الصحافة أنه لا توجد صحف جديدة بعيدًا عن السلطة، وبالتالي لا توجد حرية صحافة حقيقية، أحدث صحيفة يومية عمرها على الأقل عشرون سنة، وحرية الصحافة تعني حرية إصدار الصحف، وعندما ننشئ صحفًا بعيدًا عن الدولة، فإننا سنضمن عدم تكرار مهزلة الصحافة في حادث التكفير والهجرة مرة أخرى.
ويؤدي هذا السبب إلى نتيجة مباشرة، ومبدأ خطير يجب أن ينتهي من حياتنا كلها، وهو مبدأ الولاء قبل الكفاءة الموجودة في بعض الصحف، هكذا يقول صلاح جلال ويشرح هذا المبدأ قائلًا: إن رئيس الاتحاد الاشتراكي وهو في نفس الوقت رئيس الجمهورية هو الذي يقوم بتعيين رؤساء مجالس إدارات ورؤساء تحرير الصحف التابعة للاتحاد الاشتراكي؛ لأنه يثق بهم، ويظن هؤلاء أن الذي دفع إلى هذا التعيين هو الكفاءة والثقة معًا، فلا يندفعون في تيار النفاق والرياء، ولا تكون هناك مشكلة، فالمشكلة الكبرى هي مع هؤلاء الذين يظنون أن رئيس الاتحاد الاشتراكي قد اختارهم لمبدأ الولاء له، وللنظام بحسناته وسلبياته، أما الكفاءة فلا اعتبار لها، وتأتي في المرتبة الأخيرة، وهذا المعيار هو نفس معيار عهد الطغيان، فيندفع هذا الصحفي لإثبات ولائه، ويكون حكوميًا أكثر من الحكومة نفسها، ويكون طابعه الأول هو النفاق والرياء والتزلف، ولا تأخذ الجريدة التي يرأسها إلا بوجهة نظر الحكومة فقط، وهذا ضد مصلحة الحاكم والشعب معًا، فالحاكم يريد أن يعرف وجهات نظر جميع الأطراف لا وجهة نظر الحكومة وحدها.
رقابة على الصحف من داخلها
سبب ثالث أدى إلى سقطة الصحافة في هذا الحادث وغيره من الحوادث، وهو كما يقول صلاح جلال: غضب كبار المسؤولين من الصحافة بأن لها دورًا أساسيًا في سخط الشعب، وأنها تبالغ وتزايد ولا تنشر إلا الجانب السيئ لوجه مصر، فيخاف الصحفيون وينحازون إلى الحكومة تمامًا؛ لاستجلاب رسائلها، مما أدى هذا إلى وجود رقابة مشددة من رئيس مجلس إدارة الجريدة على كل ما يكتب في جريدته، هكذا يقول جلال الحمامصي، ويضيف أن سلطة الرقيب قد انتقلت بسبب ذلك من رقيب رسمي إلى رقيب من داخل الجريدة نفسها، وهي رقابة أسوأ من الأولى؛ لأنها رقابة من الصحفيين على الصحفيين، ويضيف جلال الحمامصي قائلًا: إن حرية الصحافة الحقيقية تعني أنه لا يجوز لأي مسئول داخل الجريدة أو خارجها أن يشطب أو يحذف الكاتب الصحفي إلا في حالة واحدة فقط، وهي حالة إذا كان ما يكتبه يحرمه القانون، ويؤدي بالجريدة كلها إلى ساحة القضاء، أما في غير ذلك من الأحوال، فالكاتب له الحق في أن يكتب بحرية، ويستطيع رئيس مجلس إدارة الجريدة أو غيره من المسئولين أن يعلق على هذه الكتابات، ويهاجمها إذا شاء في نفس الصفحة التي يكتب فيها الكاتب.
إن الواقع الذي يحدث يختلف عن التمني والمطالبة بالحرية الحقيقية، فكثيرًا ما يقوم المسئول في الجريدة بحذف ما يكتبه أحد كتابها؛ لمجرد أنها لا تتفق مع وجهة نظره، آخر مثال لذلك هو ما حدث مع جلال الحمامصي نفسه، حيث كتب مقالًا عقب استشهاد الدكتور الذهبي بعنوان - شباب ضائع.. كيف ننقذه ونطهره- وشرح فيها الظروف التي أحاطت بحادث مقتل الشيخ الذهبي فتم حذف نصف المقالة على الأقل، وأخرجت مبتورة مشوهة، ونعرض على القارئ الأجزاء المحذوفة ليحكم بنفسه ويقدر:
شرح جلال الحمامصي ظروف الشباب المتطرف فقال:
هذه الظروف قد تكون نابعة أصلًا من أوضاع عائلية مريرة وقاسية، جعلتهم يهربون من الواقع الأليم الذي يحيط بهم، وهي قد تكون نابعة من مشاهد ومناظر وحالات مرضية داخل المجتمع لا نجد من يعالجها أو يواجهها بالإجراء الإصلاحي الحاسم، واتخذها قادة التفكير والهجرة أساسًا لإقناع هذا الشباب البريء بالانضمام إليهم، والانطلاق في تنفيذ تعاليمهم، وهي ظروف ربما كانت نابعة من تناقضات مسيطرة على المجتمع، إذ يسمع الشباب كلامًا جميلًا، ولكنهم لا يرون له تطبيقًا عمليًا، وما أتعس الشباب الذي يعيش تحت مظلة مثل هذه التناقضات، إن علينا كي نصحح كل هذا الذي جرى أن نسأل أنفسنا سؤالًا كبيرًا، ما الذي دفع الشباب إلى هذا الاتجاه؟ وعندما نصل إلى الإجابة الصادقة والمبرأة من أي غرض، فإننا لن نفتقد الشباب الذي ذهب ضحية لهذه الجماعة بل إننا سنضمن ألا يتكرر مثل هذا الطيش مستقبلًا.
انتهى كلام جلال الحمامصي، ويستطيع أي قارئ أن يحكم على هذا الحديث بأنه منطقي وموضوعي وهادئ، والسؤال ما هي الأسباب التي دفعت إلى حذفه، ومنعه من النشر؟ هل السبب أن تسير الصحيفة في اتجاه واحد هو مهاجمة أعضاء الجماعة وسبهم، والمطالبة بسحقهم، وتوقيع أقصى العقوبات عليهم.
وبعد.. إن حرية إطلاق إصدار الصحف، والمجتمع المفتوح الذي تتعدد فيه الآراء والصحف المختلفة ستؤدي إلى خلاص الصحفي من النفاق لجهة معينة؛ لأنها تتحكم في قوته ولقمة عيشه ففي المجتمع المفتوح والصحافة الحرة لا توجد جهة واحدة، تتحكم في رقابة الصحفي، وعندما نصل إلى هذا، سنضمن عدم سقوط الصحافة في أخطاء فاحشة كالتي وقعت فيها في حادث مقتل الشيخ الذهبي، سنضمن وجود صحفيين ينطلقون في البحث والتحليل وعرض كافة وجهات النظر، وسينتهي عصر إملاء الخبر وينتهي عصر صحف عهد الطغيان.