; قضية التليفزيون | مجلة المجتمع

العنوان قضية التليفزيون

الكاتب المحرر المحلي

تاريخ النشر الثلاثاء 09-فبراير-1988

مشاهدات 72

نشر في العدد 855

نشر في الصفحة 6

الثلاثاء 09-فبراير-1988

في دراسة أجرتها صحيفة القبس بتاريخ 5/9/1985 تحدث مدير البرامج في تلفزيون الكويت بالنيابة ومراقب شؤون الرقابة قائلًا: "إن للتلفزيون تأثيرًا كبيرًا في الدرجة الأولى على القضية التربوية، إذ إن تأثيره يعادل تأثير المدرسة والبيت، ويعكس الترابط بين الدول العربية، لهذا يترتب على المسؤولين إعطاؤه فرصة كبيرة في الترتيب وتوفير البرامج التوجيهية والترفيهية البريئة."

هذه الكلمة التي مضى عليها ما يقارب السنة والنصف، من أحد مسؤولي الإعلام، أردتها أن تكون المنطلق في حديثي حول الإعلام في بلدي الحبيب.

تحديد الأهداف

لا بد من تحديد واضح لأهداف وسائل الإعلام من "صحافة وتلفزيون وإذاعة وغيرها"؛ بمعنى هل هي ترفيهية؟ أم توجيهية تربوية؟ أم سياسية؟ أم هي خليط بينها؟ ففي جميع بلدان العالم المتقدم تُحدد أهداف وسائل الإعلام بما يتناسب مع قيم تلك الدولة ومعتقداتها وعاداتها وتقاليدها وتاريخها وقضاياها المصيرية. وإذا كنا قد وضعنا أهدافًا لإعلامنا، فهل راعينا تناسبها مع ما ذكرنا آنفًا؟ وإذا كنا قد راعينا كل ما ذكر، فلماذا نرى بروز جانب واحد دون باقي الجوانب؟ وهو الجانب الترفيهي البحت الذي يكون في كثير من الأحيان ليس كما حدده السيد مراقب شؤون الرقابة "بالترفيهية البريئة".

الترفيه البريء

لست ضد البرامج الترفيهية البريئة التي أعتقد أنها في حدود القيم والدين والأخلاق، كبرامج الرياضة، والأطفال والمسابقات، وغيرها. ولكن لا يستطيع عاقل أن يطلق على المسلسلات العربية التي زادت زيادة فاحشة في الآونة الأخيرة بأنها من "الترفيه البريء"، ويدور محور الغالبية العظمى منها حول العشق والغرام والخيانة الزوجية، وتشجيع تمرد الأبناء على سلطة الآباء والأمهات، حتى إن الكثير من المواطنين قد أقلع عن مشاهدة مثل هذه المسلسلات التي لا يتغير محور القصة فيها بعضها عن بعض.

ولا يستطيع عاقل أن يطلق على المسلسلات الغربية بأنها من "الترفيه البريء" وهي تغرس في نفوس أبنائنا العنف في جميع صوره، وتفصيل الجريمة وشرب الخمر والمادية المفرطة التي تغيب عندها جميع القيم، مع إبراز "الغربي" بأنه هو البطل القدوة الذي يجب الاقتداء به. فهي تتلخص في جريمة ارتكبها محترف توارى عن الأنظار، ولم يترك أثرًا وراء جريمته ليبحث بعد ذلك رجال الشرطة عنه حتى يعثر عليه في آخر الأمر. وخلال ذلك كله تعرض الجريمة في ألوان شتى من الممارسة، بحيث لا يبقى في ذهن الحدث إلا أسلوب القتل والعنف والاعتداء من أجل المال والشهوات. مثل هذه المسلسلات رفضها المجتمع الأمريكي، وتقدمت آلاف الأمهات في الولايات المتحدة تطلب من الكونجرس أن يعمل على وقف إنتاجها وعرضها على الجيل الجديد، واستجابوا لجانب من الطلب فسمحوا بالاستمرار في إنتاجها وشجعوا على تصديرها للجيل العربي المنكود.

إعلامنا والمرأة

ما يحدث في التلفزيون يحدث في الصحافة والإذاعة في آن واحد. وإلا فما معنى أن تنقل صحافتنا كل يوم أخبار الفن في أمريكا ودول الغرب، وأن يُرفع شأن الساقطات من ممثلات هوليوود وغيرهن من المطربات، وتوضع مذكراتهن في صفحات كاملة، وأن تُفرد صفحات كاملة للشعر المبتذل الذي يحث الشباب على المعاكسة والحب "غير العفيف"، وأن تكون القضية هي قضية "حب امرأة" فقط في نفوس شبابنا.

حيث باتت المرأة عنصرًا مهينًا مستغلًا في دنيا الإعلام والإعلان معًا، حتى صنف حال المرأة في إعلامنا أحد المحاضرين في ندوة الإعلام التي أُقيمت في المملكة العربية السعودية إذ يقول: "ففي دنيا الأدب الرخيص تعتبر المرأة المعراة المحور الذي يدور حوله شعر الشاعر وأدب الأديب وعمل المسرح، تدغدغ العواطف وتثير الجنس وتهبط بإنسانية الإنسان في عالم يعج باللهاة والعار حول فتنة الجسد وإشباع الشهوات. وفي تناول سريع لما تقدمه الأفلام، نرى أن الوطنية عند الأدباء امرأة والمدنية المقهورة المدمرة امرأة، والحرية لدى الشعراء امرأة، ولكنها مكشوفة السوأة معراة، ومسابقات الجمال أو قل أسواق النخاسة الحديثة تدور حول جسد المرأة ومفاتنها، وكل يصف الجسد منها ويفصل فيما يصف حتى لتحس أنك أمام نخاسين يريدون الرواج لبضاعتهم الفاسدة والربح لتجارتهم الحرام".

نريد أن نرى في إعلامنا إبراز دور المرأة المربية، المرأة المضحية، المرأة التي تعرف كيف تدير الأسرة بنجاح، وتعرف كيف تؤدي واجبات الزوج بنجاح، المرأة المطيعة لوالديها، المرأة الصابرة على فقد الزوج، المرأة الوفية، المرأة المقتصدة، التي لا تنهك كاهل الزوج أو الوالد أكثر مما يضيقان، المرأة العابدة الوقورة التقية. وكفانا رؤية المرأة المبتذلة في وسائل إعلامنا، حتى أصبحت هي الأصل وسواها من النساء من الاستثناء في إعلامنا.

 

الأغنية في إعلامنا

يقول الأستاذ يوسف العظم: "لقد سمعت أغنية في إيطاليا وأخرى إسبانية، وكنت في سيارة مع صديق أكن له الحب والتقدير وذهلت وهو يحدثني كيف أن جماهير الشعب في إيطاليا وإسبانيا يحبون مثل هذه الأغاني ويتعلقون بها. وحين سألته عن معناها لأني لا أعرف الإيطالية أو الإسبانية أجاب: إن الأغنية الإيطالية سمعتها تتحدث عن تلوث البيئة هواءً وماءً، إنها تهاجم شركات الأسمنت التي تثير الغبار في الأنوف وتجمده عمارات تسد الفضاء، وتقضي على الخضرة في المراعي والزهر في الحقول."

أما وسائل إعلامنا فإنها تعرض الأغنية مع كثرة ما تعرض منها، بمعانٍ واحدة مع اختلاف في الكلمات والعبارات ووجوه المغنين والمغنيات، فهي لا تخرج في معظمها عن الحب والهجران والحرمان والصد والدمع والألم والسهر والأنين والجراح والنواح وقسوة الحب. حتى أغاني البحر البريئة، وصيحات النهام دخل عليها ما يوجد في قاموس العشاق من سقط الكلام ورذيلة، وكأن قضايا المجتمع ومشاكله وآلامه وآماله انتهت ولم تبق إلا مشكلة الحب يعاني منها المواطن. فهل هذا توجيه سليم يتناسب مع الأهداف التربوية والتوجيهية التي يجب أن تؤخذ بالاعتبار؟

خلق الشخصية المتناقضة

إن التناقض الشديد الذي حدث بين أهداف الأجهزة التربوية والعلمية في الدولة، وبين أجهزة الإعلام بشتى أنواعها، خلق جيلًا متناقضًا في كل أمر. فهو ينشأ وقد تعلم على يد الوالدين معنى الاحترام لهما والطاعة، وإذا به يرى في التلفزيون مسلسلًا يحث على التمرد على سلطة الوالدين اللذين لا يريدان لولدهما مغازلة ابنة الجيران خوفًا من الانحراف. ويتربى على يد والده وأستاذه في المدرسة على معاني الرجولة والبطولة، وصور من بطولة واستبسال جيل الصحابة وقادة العرب والمسلمين أمثال خالد بن الوليد، والقعقاع بن عمرو التميمي، وعمرو بن الجموح، وعمرو بن العاص، وصلاح الدين. وإذا به يفاجأ ببداية أحد أفلام الغرام والآهات العربية، يبدأ به بأسماء الممثلين- "بطولة" فلان بن فلان وفلانة بنت فلان. ويرى من خلال المسلسلات الأجنبية رجل الكاوبوي، والرجل الحديدي والسوبرمان والفريق الخاص من يفعل الأفاعيل، فمن سيبقى في مخيلته البطل؟

أذلك الصحابي والقائد الذي خاض المعارك وفتح الفتوح والبلدان وصد الأعداء عن الأوطان، أم ذلك الممثل المائع وذلك المغامر في سباق السيارات وحقول الكاوبوي؟ وغيرها من التناقضات الكثيرة التي لا يتسع المجال لذكرها في هذا المقال.

إن وسائل الإعلام أخذت تنحو منحى خطيرًا بعيدًا بزاوية منفرجة عن الأهداف التوجيهية والتربوية، التي نريد أن نغرسها في جيل المستقبل والذي نريده امتدادًا لجيل الأجداد الصبور المجاهد المضحي. فإننا لا نريد جيلًا من المعاكسين والمعاكسات، لا نريد جيلًا من اللامبالين بمصلحة الوطن وقيمه وأخلاقه، لا نريد جيلًا لا يعرف هويته ويستجدي على موائد اللئام فتات العادات الدخيلة والمستوردة التي لا تسمن ولا تغني من جوع. وليس عيبًا أن نتلمس الخطأ ونعرفه، ولكن الخطأ هو السكوت عن الخطأ وغض الطرف عن مواضع الضعف. وطريق الألف خطوة يبدأ من خطوة واحدة، فهل تبدأ هذه الخطوة وترجع خطواتنا على الجادة، بعد أن حادت عن الطريق وكاد التيار أن يجرفها؟

 

الرابط المختصر :