العنوان قضية الحجاب.. بين «صراع» سياسي و«صراع» حضاري
الكاتب نبيل شبيب
تاريخ النشر السبت 03-يناير-2004
مشاهدات 54
نشر في العدد 1583
نشر في الصفحة 36
السبت 03-يناير-2004
ما يجري في فرنسا لتقنين حظر الحجاب يعطي درسًا بليغًا لمن يعتبرون العلمانية في «أوروبا» ليست استبدادية كما في بعض البلدان العربية والإسلامية.
الأسوأ في القضية تلك المواقف التي صدرت بألسنة من المفروض أنها تمثل الإسلام وتدافع عنه وأبرزها موقف شيخ الأزهر.
ما يراد تقنينه منع فريضة إسلامية مقابل منع «رموز» دينية مسيحية ويهودية لا ترقی قطعا إلى الفريضة وهذا لم يغب عن المحللين الأوروبيين أنفسهم.. فهل يغيب عن علماء المسلمين؟!
الذين حولوا قضية الحجاب إلى قضية سياسية خصوم الحجاب لا أنصاره وعلى قدر ما ينطلق أنصاره من أعتباره جزءًا من الأحكام الإسلامية فإنه يأتي ضمن الدعوة للعودة إلى الإسلام حياة وحكمًا.
المرأة المحور الأول في بناء الشخصية المتميزة التي صنعتها العقيدة والحضارة الإسلامية ولهذا كانت أيضًا المدخل الأول للنفاذ إلى أعماق بلادنا عبر حملات العلمانية المتوالية.
أول ما ينبغي رصده أن النسبة العظمى ممن يواجهن مشكلة الحجاب في فرنسا هن المسلمات من ذوات الأصول الفرنسية والألمانية ومن اللواتي لم تنجح محاولات عزلهن عن المجتمع حتى الآن.
قطاعات عديدة تتحرك من منطلق عدائي دون أن يكون الجهل بالإسلام السبب الحقيقي للعداء.. ويسري هذا أولًا على صانعي القرار.
كثير من القطاعات الشعبية والفاعليات الفكرية في الغرب يحركه الجهل بالإسلام والمسلمين بالدرجة الأولى.
المغزى الأول لظاهرتي مواجهة الإسلام والمسلمين بأسلوب التقنين.. العجز عن سلوك سبل أخرى في المواجهة الحضارية التي يمارسها صانع القرار الغربي.
من المغرب إلى إندونيسيا ومن السودان إلى تركيا وفي قلب البلدان الغربية أصبح إقبال المرأة المسلمة والفتاة المسلمة على حجابها ظاهرة تنتشر في كل مكان وتسقط مع أنتشارها سقوطًا ذريعًا إحدى الذرائع التي استخدمها خصوم الحجاب منذ عشرات السنين تحت رايات تزعم تحرير المرأة، وتقول إنها في الإسلام مجبرة على وضع الحجاب، من أبيها أو زوجها أو حتى أخيها، وإن الحجاب يقيد حريتها، لم يعد يمكن لهذا الزعم أن يصمد أمام ظهور الإرادة الذاتية الحقيقية للمسلمات من مختلف الأعمار والجنسيات، إلى جانب ظهورهن في المجتمع، وظهور قدرتهن على العطاء والإنجاز.
ونعيش- حديثًا- ظاهرة أخرى من المفروض أن تثير العجب، وهي أنتقال خصوم الحجاب من مزاعم الدفاع عن حرية المرأة إلى موقع «إجباره» المسلمة على نزع حجابها بأساليب مختلفة، ومنها سلطة القانون، ومنها التعامل الرسمي الذي يخيرها بين حق إرتدائها الحجاب وبين حقوقها الأصيلة الأخرى في المدرسة وفي الجامعة وفي مكان العمل.. ولا شك أن ذلك يمثل نقلة نوعية تؤكد إعلان الإفلاس المطلق على المستويين السياسي والحضاري.
وقفة قصيرة في فرنسا
من المفروض أن ما يجري في فرنسا لتقنين حظر الحجاب في المدارس والمؤسسات الحكومية وأماكن العمل الأخرى يعطي على الأقل درسًا بليغًا لفريق من ذوي القلم ما زالوا يحاولون الدفاع عن العلمانية- والمقصود هنا عندما تتبناها السلطة منهجًا للحكم- فيقولون إنها في أوروبا التي ليست استبدادية كما في بعض البلدان العربية والإسلامية، أو يقولون إنها ليست معادية للدين، فهل العمل على أعلى مستويات الدولة لحصار الدين داخل المنازل لا يسمى عداء..
ولا جدوى من الوقوف طويلًا عند من «يقلبون» الموضوع رأسًا على عقب، فيطالبون بتفهم طريقة تفكير الفرنسيين- وسواهم- على ضوء تاريخهم مع الاستبداد الكنسي، وكان هذا التفهم يبيح أن يتحركوا بطريق يلتقي من حيث جوهره وإن لم يصل إلى مستواه من حيث الوسائل، مع ما صنعته الكنيسة بخصومها أنذاك ثم علام لا يتوجه هؤلاء إلى الدولة الفرنسية، وهي التي تملك السلطة، فتطالبها بما يكفي من التفهم للمسلمين والمسلمات في فرنسا نفسها، وتفهم حرصهم على عدم القبول بتوجيه ضربة مباشرة إلى جانب رئيس من جوانب حريتهم الدينية وحريتهم الشخصية وهي ضربة يمكن أن تزيل البقية الباقية من الثقة عند من كان يحسب منهم أن الدولة العلمانية تضمن هذه الحريات فعلًا كما تقول شعاراتها.
الأسوأ من ذلك بعض المواقف التي واكبت التحرك الرسمي الفرنسي ضد الحجاب وصدرت بالسنة من المفروض أنها تمثل الإسلام وتدافع عنه، وأبرزها- مع الأسف- موقف شيخ الأزهر وأمين عام مجمع البحوث الإسلامية في مصر، وهما يصرحان برفضهما مجرد الاعتراض على ما تتخذه فرنسا من قوانين داخل حدود بلدها، مع الزعم أن الفرنسيين أيضًا لا يعترضون على ما يتخذ من قوانين داخل مصر وفي مثل هذا الموقف من المغالطات ما تراكم بعضها فوق بعض:
الاعتراض لا يعني المنع، فإن كان علماء المسلمين لا يملكون منع استصدار قوانين في بلدان أجنبية، فهم يملكون قطعًا حق الاعتراض عليها ما دامت تمس الإسلام والمسلمين، بل هذا واحد من واجباتهم الأساسية التي تبرر تمسكهم بالدور الذي يقومون به في مناصبهم ومؤسساتهم الرسمية الإسلامية.
وليس صحيحًا القول بأن الغربيين لا يعترضون على قوانين تصدر في بلادنا، فالاعتراضات الغربية من مختلف المستويات الرسمية وغير الرسمية على قوانين بلادنا وتطبيقها، سواء تعلقت بالأديان أو لم تتعلق وسواء كانت تجاه بلدان صديقة أو سواها، هذه الاعتراضات لا تنقطع إطلاقًا، ولا يمتنع أصحابها عن بعضها، إلا عندما يتعارض موقف الاعتراض مع مصلحة مادية من المصالح..
أما الإشارة التي وردت أيضًا على لسان شيخ الأزهر ورئيس مجلس البحوث الإسلامية في مصر، إلى أن القانون الجديد الفرنسي يمنع ما يوصف بالرموز الدينية، لليهود والمسيحيين أيضًا، وليس للمسلمين فقط فهي إشارة لا تنفي حق الاعتراض بحال من الأحوال، بل على النقيض من ذلك، لا سيما وأن مواقف الأزهر- كمثال لا تنقطع على صعيد التسامح والحوار مع الأديان الأخرى فعلام لا يكون الاعتراض تحت هذا العنوان على الأقل، هذا مع الإشارة إلى أن ما يراد تقنينه هو منع فريضة، إسلامية مقابل منع «رموز» دينية مسيحية ويهودية لا ترقى قطعًا إلى درجة الفريضة، وهذا ما لا يغيب عن المعلقين والمحلليين الأوروبيين أنفسهم.. فهل يغيب عن علماء بلادنا الإسلامية؟
ليس مجهولًا أن من العوامل التي تجرى المسؤولين في فرنسا على هذه الخطوة «وعلى سواها من خطوات أخرى»، ما يوجد من أمثلة على الاضطهاد الديني اليومي، ولا سيما على صعيد الحجاب داخل بعض البلدان الإسلامية المحكومة بأصولية علمانية متطرفة، ولكن أن يضاف إلى ذلك مواقف تصدر باسم من يعتبرون أنفسهم يمثلون الدين الإسلامي وحقوق المسلمين، فهذا ما يدفع إلى الاستغراب الشديد.!!
تسييس قضية الحجاب
ليس انتشار الحجاب ظاهرة قائمة بذاتها، يمكن النظر فيها بمعزل عن سواها، إنما هو جزء مما شاع تسميته بالصحوة الإسلامية، على مختلف المستويات الفكرية والثقافية والسياسية والاجتماعية المنتشرة على مستوى الشبيبة الناشئة بصورة خاصة، وعلى مستوى قطاعات كبيرة من المثقفين والمفكرين.
في هذه الصحوة كما هو الحال في كل حدث يمثل حركة تغيير كبيرة للمجتمعات، توجد سلبيات، ومن المؤكد أن كثيرًا منها إنما برز كردود فعل على الحرمان الطويل لعامة المسلمين، على مدى عدة أجيال من التوعية والتربية الإسلامية الوسطية القويمة، والاستعاضة عن ذلك بحركة التغريب التي اتخذت وسائل تتنافى مع الحريات والحقوق الإنسانية بأي منظور منطقي، وحاولت أن تصنع في الأرض الإسلامية إنساناً أخر غير الذي صاغته العوامل الحضارية التاريخية المشتركة، بغض النظر عن دیانته.
علي أن وجود تلك السلبيات لا ينفي أن الصـحوة الإسلامية قائمة إجمالًا على اقتناع ذاتي، وكان من أسبابها المباشرة فشل التيارات المنحرفة التي تجمع بينها على تعدد مسمياتها كلمة العلمانية ذلك ما بلغ درجة أصولية علمانية متشددة فكريًا وحزبيًا كما في العديد من البلدان سواء في العربية والإسلامية ولا سيما تونس، أو أصولية عسكرية، استبدادية كما في تركيا، أو ما أتخذ صيغة أصولية سياسية ثقافية، كما في العديد من البلدان الإسلامية، وبدأ الآن يهبط إلى مستوى مصادرة الحقوق والحريات أو التضييق عليها في دولة غير إسلامية كفرنسا.
ومع بداية أنتشار الحجاب على نطاق واسع الثمانينيات والتسعينيات الميلادية، بدأت تنتشر الاتهامات أيضًا بأن الجماعات الإسلامية توظف قضية الحجاب لأغراض سياسية، وصحيح أنه ما من موقف فقهي أو ممارسة عملية لتطبيق حكم من الأحكام الإسلامية إلا وينبني عليه نتائج مباشرة وغير مباشرة على صعيد ما نعرفه بالمصطلحات الحديثة بالسياسات الاجتماعية، أو الاقتصادية أو الثقافية أو الأمنية، ولكن كان من العسير على الدوام على من أطلقوا الاتهامات أن يجدوا على اتهاماتهم أدلة بينة، نظرية في الدراسات والكتب المنشورة بأقلام إسلامية، أو عملية في النطاق الذي كانت تتحرك فيه الجماعات الإسلامية وسط الوان الحصار والملاحقة والاضطهاد.
بل على النقيض من ذلك، ربما كان من أخطاء الحركة الإسلامية عمومًا أنها لم تطرح قضية الحجاب باعتباره جزءًا لا يتجزأ من حقوق المرأة المسلمة وحريتها الدينية بالمفهوم الإسلامي للحقوق والحريات وكذلك بمفهوم الحقوق والحريات بالصورة التي يحاول كثير من العلمانيين احتكارها، وتعميم وصفها بأنها غربية النشأة والتصور.
إن الذين حولوا قضية الحجاب إلى قضية سياسية هم خصوم الحجاب لا أنصاره وعلى قدر ما ينطلق أنصاره من اعتباره جزءًا من الأحكام الإسلامية، فيأتي ضمن نطاق الدعوة للعودة إلى الإسلام حياة وحكمًا، ابتداء من خلية الأسرة وانتهاء بالعلاقات الدولية، فإن خصوم الحجاب كانوا يدركون ما يعنيه انتشار ظاهرة الإقبال الطوعي والواعي على الحجاب وعلى تطبيق بقية أحكام الإسلام بين المسلمات من مختلف فئات الأعمار.
قضية الحجاب في مسيرة التطور
عاد الحجاب إلى أداء دوره في حياة المسلمين وفقًا لما يلي:
كوسيلة من وسائل انتشار العفاف في عالم یراد نشر الانحلال الخلقي فيه على أوسع نطاق…
كمدخل من مداخل المرأة المسلمة لتستعيد دورها الاجتماعي، بدءًا بالتعلم والتعليم في المدارس والجامعات وانتهاًء بالتعبير عن نفسها في الكتابة والنشر وإعلان مواقفها السياسية وغير السياسية دون أن تكون مستهدفة في أنوثتها، ودون أن تصبح ضحية ارتفاع وتيرة حوادث الاغتصاب والاعتداء الجنسي وتفكك الأسرة وضياع الشبيبة، كما حدث في الغرب بدل النظر إليها بمنظور قدراتها وكفاءاتها أولًا، واعتماد المقاييس القائمة على مستوى علمها وإنجازاتها.
وكصيغة من الصيغ المرئية للمطالبة الشعبية لا الإسلامية الحركية فقط بتطبيق الشريعة في إطار ما بدأ ينتشر ويرسخ من دعوات شاملة للوسطية الإسلامية بعيدًا عن التسيب المطلق كما يريده العلمانيون الأصوليون، وبين التنطع والتشدد المرفوضين إسلاميًا، والذي ظهر في بعض الدعوات والاتجاهات المتطرفة في فترة تغييب الإسلام الوسطي، حتى تساوى حجم الزيف وحجم الضرر بين من يرفع عنوان الإسلام من هؤلاء وهؤلاء…
وكمؤشر إلى أن تكوين الجيل القادم من المسلمين يتخذ طريقًا غير الطريق التي انحرفت إليها أجيال ماضية منذ بلغت الهجمة الغربية على المنطقة الإسلامية والحضارة الإسلامية ذروتها- وبطريقة غير مسبوقة.. عسكريًا.. وفكريًا.. واقتصاديًا.
إن المرأة ومن خلالها بناء الأسرة وصناعة الإنسان وأجيال المستقبل كانت وما تزال المحور الأول في أعمق أعماق الشخصية المتميزة التي صنعتها العقيدة والحضارة الإسلامية عبر القرون، ولهذا كانت أيضًا المدخل الأول للنفاذ إلى أعمق أعماق بلادنا في مطالع الهجمة العلمانية وحملاتها المتوالية منذ أواخر القرن الميلادي التاسع عشر، وبعد أن تبين أن فعالية الطعنات السياسية والعسكرية رهن بأن تواكبها الطعنات الثقافية والفكرية والاجتماعية، وبأن تستهدف الخلية الأولى في تكوين المجتمع الأسرة وبالتالي المرأة.
ويدرك من لا يزالون من وراء هذه الهجمة المستمرة مهما بلغت اختلافاتهم حول بعض التفاصيل أو بعض الوسائل، أن شمول الصحوة الإسلامية للمرأة والفتاة المسلمتين بالدرجة التي تعبر عنها ظاهرة انتشار الحجاب تعبيرًا واضحًا وقويًا، يعني أن مواجهة هجمتهم قد دخلت المنعطف الأخطر عليها من أي منعطف آخر، وأن مفعولها بدأ يتراجع في المجتمع الإسلامي على أوسع نطاق.
إن اللجوء إلى سلطة القانون «ليس في مواجهة ظاهرة الحجاب فقط» وما ينبني عليه من حرمان للحقوق، وتقييد للحريات، ومحاولة سد أبواب العلم والعمل والتحرك السياسي أمام المرأة المسلمة المحجبة داخل البلدان الغربية التي فتنت تزعم أن هذه حقوق أساسية، تتزعم هي الدعوة إليها، بل والدفاع عنها خارج حدودها.
اللجوء إلى سلطة القانون على هذا النوع لا يمثل أقل من إعلان إفلاس الوسائل الأخرى جميعًا التي كان يقال إنها تعتبر الكلمة، والفكرة والحجة والإقناع، محورًا لها، ومثله في ذلك مثل اللجوء إلى القوة العسكرية الباطشة المجردة، التي أسفرت عن أقصى ما في جعبتها من وحشية مطلقة في فلسطين والعراق وأفغانستان وأخواتها.
المواجهة الحضارية المفروضة
لا بد من وضع قضية الحجاب في موضعها من التطورات الجارية بمجموعها كشرط لا غنى عنه، لاستيعاب الأحداث الجارية والتعامل القويم معها، وقد أعطت العلمانية الأصولية الغربية والمتغرية لهذه التطورات صيغة المواجهة، وفي الوقت نفسه لا تنقطع الجهود الغربية المبذولة على أوسع نطاق وبمختلف الوسائل الإسقاط مفعول حق الدفاع عن النفس في هذه المواجهة..
- تارة من خلال جولات، الحوار، وهو قطعًا مطلوب شريطة ألا يبقى كلاميًا، في الوقت الذي لا تنقطع فيه الهجمات لحظة واحدة.
- وأخرى من خلال التركيز على عنصر التسامح في الإسلام، ولكن بصيغة الخلط ما بينه وبين تطبيقاته التاريخية بعد الانتصارات وبين المذلة، وبالتالي التسليم أمام الهجمات المستمرة في مختلف الميادين الحافلة بالتحامل العدائي على الأصعدة الفكرية والثقافي والحضارية والسياسية والعسكرية والاقتصادية..
- وثالثة من خلال الخداع المباشر.. معًا لم يعد يحتاج إلى الكشف عنه، والتعرض لتهمة ما يسمى فكر المؤامرة، فالكثير مما كان يحبك من مؤامرات في السر في الماضي بات يقال ويعلن وينقذ في الوقت الحاضر دون مواربة..
على أن هذه المواجهة الحضارية المفروضة لا تعني أن يتحرك المسلمون بالمقابل بأساليب خصومهم المرفوضة التي يمارسها المهيمنون على صناعة القرار في البوتقة الحضارية الغربية في الوقت الحاضر وليس المقصود هنا ما يرتبط بالوسائل العسكرية أو استخدام العنف، فتفاوت القوى على هذا الصعيد معروف، ومسألة المقاومة داخل الأرض الإسلامية المحتلة لا تقبل التشكيك إنما المقصود التعامل مع القضايا المرافقة لظاهرة العنف العسكري في الهجمة الأمريكية- الصهيونية، وهنا لا يقتصر الأمر على صانعي القرار في هذه الهجمة.
قضية الحجاب في فرنسا وسواها يمكن أن تكون نموذجًا على المطلوب حيث يجب التمييز الدقيق بين الفئات المهيمنة على صنع القرار، وبين القوى الشعبية المتعددة التي تتباين مواقفها من قضية إلى أخرى من القضايا ذات العلاقة بتلك المواجهة الحضارية.
وأول ما ينبغي رصده أن النسبة العظمي ممن يواجهن مشكلة الحجاب في فرنسا، أو مشكلة حظر حجاب المعلمات في المانيا، إنما هي نسبة المسلمات من ذوات الأصول الفرنسية والألمانية، ومن اللواتي ولدن ونشان في فرنسا وألمانيا، ولم تنجح محاولة «حصارهن»، والانتقاص من حقوقهن حتى الآن على الأقل، في عزلهن عن المجتمع، وقد أصبحن جزءًا واقعيًا منه، وأصبح كثير من فعالياته يتفاعل مع قضيتهن، كما يتفاعل مع قضايا أخرى ترتبط بالوجود الإسلامي يتفاعل مع في الغرب عمومًا.
كذلك ينبغي أن نرصد أن قطاعات اجتماعية كبيرة تدرك أن سلوك سبيل التقنين لفرض القيود، لا يقف عند حدود المسلمين إذا أخذ مداه دون اعتراض يضع أحدا له، وبهذا المنظور فإن شمول التقنين الفرنسي لبعض رموز المسيحيين واليهود، يعطي مؤشرًا كالذي تعطيه حركة مناهضة العولمة التي تنتشر بين فئات اجتماعية واسعة النطاق في الغرب.. وكذلك الشعوب المتضررة فيما يسمى الجنوب، ولا سيما المنطقة الإسلامية.
وهنا من الضروري إدراك أن قطاعات عديدة تتحرك من منطلق عدائي، دون أن يكون الجهل بالإسلام هو السبب الحقيقي للعداء، ويسري هذا أولًا على صانعي القرار، ولكن لا ينبغي بين ذلك وبين حقيقة أن كثيرًا من القطاعات الشعبية والفعاليات الفكرية والاجتماعية في المجتمعات الغربية يحرك غالبيتها عامل الجهل بالإسلام والمسلمين في الدرجة الأولى، ومفعول العقود الماضية التي تضمنت مناهج تربوية وإعلامية وثقافية لا تنشر الجهل فحسب، بل تنشر صورًا مزيفة مرفوضة عن الإسلام والمسلمين.
كما يجب أن نضع في الحسبان أن قضية الحجاب، وقضايا أخرى مطروحة بإلحاح في المجتمعات الغربية كتعليم الإسلام لأبناء المسلمين وبناتهم، أو الملاحقة على الشبهة بتهمة الإرهاب، أو التضييق على العمل الخيري وكثير مما يتصل به تحت عنوان «تجفيف» منابع دعم الإرهاب... جميع عما ذلك يتكامل مع بعضه بعضًا، بل ولا ينفصل يدور في البلدان العربية والإسلامية ويواجهها من أحداث وتطورات، وما ينطوي عليه من أخطار جنبًا إلى جنب مع تهديد الأسرة البشرية بنتائج تلك الأخطار.
في ضوء هذه العوامل لا بد أن يكون التحرك المطلوب في التفاعل مع قضية الحجاب جزءًا من تحرك متكامل، تخطيطًا وتنظيمًا، وبما يسعى للتعاون المتواصل بين سائر الجهات الإسلامية وكذلك مع سائر من يبدي الاستعداد للتعاون ويمكن التلاقي معه على أرضية مشتركة لاستعادة الوجه الإنساني المشترك للحضارة البشرية.
إن المغزى الأول لظاهرتي مواجهة الإسلام والمسلمين في الغرب وفي ديارهم بأسلوب التقنين بما ينتهك الحقوق والحريات الأساسية وبأسلوب القوة التي تنتهك القوانين الدولية والقيم الإنسانية هو العجز عن سلوك سبل أخرى في المواجهة الحضارية التي يمارسها صانع القرار الغربي، وهذا بالذات ما يستدعي من المسلمين العمل على مواجهته بأسلوب حضاري يفرضه الإسلام ويمكن أن ينتزع التأييد والنصرة داخل المجتمعات الغربية.