العنوان المجتمع الثقافي.. عدد 1569
الكاتب مبارك عبد الله
تاريخ النشر السبت 20-سبتمبر-2003
مشاهدات 74
نشر في العدد 1569
نشر في الصفحة 50
السبت 20-سبتمبر-2003
قضية الشكل في الأدب الإسلامي
قصيدة النثر نموذجًا (1من 3)
د. حلمي محمد القاعود(*)
ينبغي أن نعترف أن قضية الشكل في الأدب الإسلامي، لم تأخذ حظها اللائق من المعالجة والحوار والتعليق، مع أنها تمثل محورًا أساسيًّا في البناء الأدبي، ويبدو أن التركيز على قضية المضمون استنفد كثيرًا من الجهود التنظيرية والتأصيلية للأدب الإسلامي، وإذا طالعنا بعض الدراسات التي انشغلت بفكرة الإسلامية في الأدب، رأيناها تعطي قضية الشكل هامشًا محدودًا ومختصرًا لا يتكافأ مع أهميتها ومركزيتها، فمن خلالها تتكشف فنية الأدب الإسلامي أو صورته الجمالية التي تؤثر في المتلقي، وأتصور أن الاهتمام بقضية الشكل يرد على كثير من التساؤلات -أو قل الاتهامات -التي ترى أو تظن أن الأدب الإسلامي أدب مضمون ومواعظ ولا علاقة له بالإنجاز الفني أو الإبداع الأدبي، وهو ظن غير صحيح في حقيقة الأمر.
في كتاب «منهج الفن الإسلامي» لمحمد قطب، إشارة مقتضبة إلى قضية الشكل يدعو فيها إلى اكتساب الخبرة الفنية التي تخدم أصالتنا ولا تخدم التقليد، كما يدعو إلى الاقتداء بالأدباء الروس الذين استمُّدوا «التكنيك» من غرب أوروبا في قصصهم ورواياتهم، فأبدعوا أدبًا أصيلًا ذا طابع مميز([1]).
ويشير نجيب الكيلاني، في صفحات قليلة من كتابه الإسلامية والمذاهب الأوروبية، إلى أن الشكل الفني فيه مجال للنمو والإضافة والتجديد، فالأديب المسلم يختار الشكل الذي يروق له يختار الوعاء الذي يصب فيه فكره ووجدانه ومشاعره، يختار الإطار الذي يتواءم مع ريشته المبدعة، ولا تترقب منه سوى صدى عمله الفني في النفس، إلى أية جهة دفعها وأية مشاعر أثارها؟([2]).
ثم يعرض بإيجاز شديد في آخر كتابه إلى المذاهب الأدبية الراهنة وأبرز مرتكزاتها ليواجهها الأديب المسلم وينتقي العناصر الصالحة، ويترك العناصر السلبية.
ويخصّص عدنان علي رضا النحوي، في مؤلفه «الأدب الإسلامي، إنسانيته وعالميته» الفصل الخامس من الباب الثاني؛ ليتناول فيه الأسلوب والشكل، ويعرض بإيجاز شديد للأنواع الأدبية المعروفة من وجهة نظره، ويتوقف قليلًا ليضع تصورًا خاصًا للملحمة الشعرية، ويحددها بثمانين بيتًا على الأقل([3]).
ولعل الذي اهتم بالشكل بصورة موسّعة نسبيًّا «أحمد محمد علي» «الشهير بعبده زايد» في بحثه «الأدب الإسلامي ضرورة»، حيث تناول ما يمكن تسميته بخصوصية الشكل في الأدب الإسلامي، وهذه الخصوصية ترفض مثلًا سجع الكهان والملحمة حين تحتذي الملحمة اليونانية القائمة على تعدد الآلهة وصراعاتها، ثم يخلص إلى أنه يمكن تقبل الشكل الأدبي إذا لم يكن له ارتباط حتمي بأصول الفلسفية والفكرية المرفوضة إسلاميا([4]).
وقد استعرض عبد الباسط بدر المذاهب الأدبية الحديثة، وقدم لها رؤية إسلامية تفرز عناصرها المفيدة، وعناصرها المناقضة للتصور الإسلامي([5]).
وأكد المبدأ السابع لرابطة الأدب الإسلامي رفض المذاهب الأدبية المنحرفة، ومعظمها يقوم على أشكال مغايرة للأشكال الأدبية المعروفة مثل العبث واللامعقول والرمزية والسيريالية والحداثة، فضلًا عن انحراف مضمونها الأدبي، ومخالفته للتصور الإسلامي، وقياسًا على ذلك فإن الأدب الإسلامي يرفض البرناسية والفن للفن على أساس أن الشكل الفارغ من المنفعة والغاية الإنسانية لا قيمة له، وإذا عرفنا أن بعض هذه المذاهب يعتمد لغة الرؤى والأحلام وهذيان المحمومين دون ضابط أو رابط فإن رفضها هو الرد الطبيعي في المجال الأدبي الإسلامي.
ولا ريب أن قضية الشكل في الأدب بعامة والإسلامي بخاصة تمثل مرتكزًا رئيسًا في مخاطبة القارئ والجمهور، وأدب لا يصنع خصائص فنية مميزة، لا يدخل في دائرة الأدب الحقيقي، لأنه عندئذ يشبه الكلام العادي أو لغة الحديث اليومية، تجرى كيفما اتفق غايتها في كل الأحوال التعبير عن فكرة أو معنى، أما الفن، أما الأدب فيعبر عن الفكرة أو المعنى من خلال نسق أو إطار ذي ملامح ومعالم وخصائص تميزه عن الكلام العادي أو لغة الحديث اليومية، وقيام الأجناس أو الأنواع الأدبية على أسس فنية يجعل كل جنس أو نوع يختلف عن الآخر ويتمايز.
لقد ظلّ الشعر من العربية الأول، تأتي بعده فنون أخرى عرفها العرب قديمًا وحديثًا مثل الخطبة والحكمة والمثل والتوقيع والرسالة والمقامة والحكاية، والمقالة، والقصة القصيرة، والرواية، والخاطرة، والحوار الأدبي والفكري، والتحقيق الصحفي والترجمة، والسيرة الذاتية.. كل فن أو جنس أو نوع من هذه الأنواع يقوم على خصائص مميزة، ويتفاضل الشعراء والكتاب بمقدار موهبتهم وخبرتهم في معالجة هذا النوع أو ذاك، ومقدار تأثيرهم في النفوس والقلوب.. وإذا كان هناك قصور أو ضعف في النص الأدبي، فالأمر لا يعود إلى النوع الأدبي بقدر ما يعود إلى صاحب النص، والدليل على ذلك أوضح من الشمس، فالشعر العربي مثلًا، ظل منذ الجاهلية حتى اليوم يقوم على أساس الموسيقى والصياغة وزنًا وقافية، وإيقاعًا داخليًّا، وتصويرًا حيًّا للعواطف والمشاعر والحوادث وتركيبًا فنيًّا يطوع اللغة لبناء شعري مميز، لا يقدح في هذا الأساس ضعف الشعراء في هذه البيئة أو تلك، أو هذا العصر أو ذاك، إن ضعف الشعراء ليس دليلًا على ضعف الأساس المنظم لهذا النوع الأدبي، بدليل أن الموهوبين، مع تتابع العصور، استطاعوا أن يقدموا الجديد الباهر من خلال الخصائص المعروفة والمميزة للشعر.
بعد الحرب العالمية الثانية، ومع تتابع الهزائم العربية، وانفجار حركات التمرد على الدين والمجتمع والسياسة، ظهر ما يسمى بالشعر الحر أو شعر التفعيلة تعبيرًا عن رفض النموذج السائد في الشعر العربي، واتهامًا له بالقصور عن متابعة الواقع ومستجداته ومتطلباته ولغته، واستبدال السطر الشعري بالبيت المعروف، وتجاهل كثير من الشعراء القافية في الشعر الجديد، ومع الإلحاح الدعائي عبر الوسائط المقروءة والمسموعة، صار هذا الشعر سائدًا في الحياة الأدبية، ودخل إلى ساحته شعراء من مختلف الأعمار والتوجهات.
وإذا عرفنا أن موجة الشعر الحر، ارتبطت بصراع فكري عنيف في المشرق العربي على وجه الخصوص فقد انتهت إلى قبوله لدى الفرقاء المعنيين سواء كانوا من المتمسكين بالهوية العربية الإسلامية، أو المبهورين بالنموذج الغربي الاستعماري، أو غيرهم، ورأى الفريق الأول أو قسم كبير منه: أنه لا مانع من الاستفادة بالأشكال الجديدة في التعبير والصياغة، بل ذهب بعضهم -وخاصة في المغرب العربي -إلى أن استثمار المناهج التشكيلية الحديثة يغيظ الخصوم من العلمانيين وأهل اليسار([6]).
لقد انتهت موجه الشعر الحر إلى ما انتهى إليه شعر الشطرين الموروث من اتهامات - فقد اتهمه المتمردون الجدد بالتكرار والتقليدية والبقاء في الدائرة القديمة التي تجعله غير صالح لاستيعاب «الشعر المعاصر» لأنه - في منظورهم يعتمد على التفعيلة أو وحدة الموسيقى في شعر الشطرين.
والمتمردون الجدد خرجوا على شعر التفعيلة بما يسمى «قصيدة النثر» التي تحدثوا عنها أحاديث متنوعة، ولكنها للأسف لم تضع مرجعية فنية أو نقدية يقاس عليها غير «شعرية النثر» أو نثر الشعرية، ثم تباری بعض النقاد في محاولات غير موفقة لتأصيلها والتقنين لها، ولكنها حتى الآن لم تجد جمهورًا يعتد به، ولم تصنع ذائقة يمكن أن تسيغها...
لقد استطاع الشعر الحر أن يمثل حضورًا فنيًّا في مجال المسرح بحكم اعتماده على السطر الشعري وتخففه من عبد القافية، ولكنه في كل الأحوال يقدم للجمهور موسيقى ترقى بذوقه ومشاعره، ولكن أين هي الموسيقى في قصيدة النثر؟
في أوائل القرن العشرين ظهرت موجة تسمى «الشعر المنثور» ترفض الوزن، ولا ترفض السجع الذي يأتي عفوًا، وهذا الشعر المنثور كان يزخر بتيار من العاطفة الدافقة، والكلمات الرقيقة والصور العذبة والخيال المجنح([7]) وكان من أبرز فرسان هذا اللون مجموعة من اللبنانيين، أبرزهم أمين الريحاني، وجبران خليل جبران، ومارون عبود، ومن كلام جبران في هذا النوع الذي غص بكثير من الاستعارات والكتابات والمجازات والخيال، قوله يناجي الليل:
«ياليل العشاق والشعراء والمنشدين
ياليل الأشباح والأرواح والأخيلة
ياليل الشوق والصبابة والتذكار
أيها الجبار الواقف بين أقزام المغرب وعرائس الفجر، المتقلد سيف الرهبة، المتوج بالقمر المتشح بثوب السكوت، الناظر بألف عين إلى أعماق الحياة، المصغي بألف أذن إلى أنه الموت والعدم.
في ظلالك تدب عواطف الشعراء، وعلى منكبيك تستفيق قلوب الأنبياء، وبين ثنايا ضفائرك ترتعش قرائح المفكرين.
أنا مثلك يا ليل، أنا ليل مسترسل منبسط هادئ مضطرب، وليس لظلمتي بدء ،ولا لأعماقي نهاية»([8]).
وفي مصر كتب هذا اللون مجموعة من الكتاب، برعوا فيه مثل: المنفلوطي، والرافعي، والزيات، وطه حسين، ومي زيادة، وحسين عفيف.. وكان الرافعي من أعظم من كتبوا هذا اللون على الإطلاق، وبخاصة في كتبه المشهورة: أوراق الورد، والسحاب الأحمر، ورسائل الأحزان والمساكين، وبعض مقالات وحي القلم، ومع ذلك فقد رفض تسمية ما كتبه بالشعر المنثور، وعد هذه التسمية دليلًا على جهل واضعيها، وقال: «فليس يضيق النثر بالمعاني الشعرية، ولا هو قد خلا منها في تاريخ الأدب، ولكن سر هذه التسمية أن الشعر العربي صناعة موسيقية دقيقة، ويظهر فيها الإخلال لأوهي علة، ولأيسر سبب، ولا يوفق إلى سبك المعاني فيها إلا من أمده الله بأصلح طبع، وأسلس ذوق وأفصح بیان».
ثم يقول: «فمن قال: الشعر المنثور، فاعلم أن معناه عجز الكاتب عن الشعر من ناحية، وادعاؤه من ناحية أخرى»([9]).
واحة الشعر
أذان الفجر
يا أذان الفجر ما هذا السنا يرتوي من فيضه جَدْبُ المنى؟
ظَلَّ يَهْمي غدقًا في غدق يَبْعَثُ الأَرْوَاحَ مِنْ لَيْلِ الضنى
وجرى في الكون لحنًا خالدًا ونشيدًا عبقريًّا مؤمنا
وله الدنيا أصاحتْ طربًا فمحا عن مُقْلتيها الشَّجَنَا
يَا أَذَانَ الْفَجْرِ يَا أَنْشُودَة أسرت قلبًا وشدت أذنا
لَمْ تَزَلْ تَهْتف في الناس بلا ملل تنساب رقراق السنا
إِنَّهُ لحن سماوي همَى رحمة وانداح نورًا وهنا
يا أَذانَ الفَجْرِ كَمْ مِنْ مُدْلِج لم يدعه الليل حتى سكنا
باع كالمعتوه أغلى ما لد يه ولم يقبض عليه الثمنا
لَوْثَةُ الغرب استباحث عقلة وأحالته كمسخ بيننا
لَمْ يَزَلْ يَسْعَى حثيثًا ليرى منهج الغرب بما فيه هنا
ليس بالأعمى ولكن غره زيفهم حتى رآهم وثنًا
فغدا كالخنجر المسموم في ظهر من رجاه فردًا حسنا
وأياديه غدت تهدم ما غيره شيد فينا وبني
أترى ينكر وجه الشمس من قبس الأنوار منها زمنا؛
يا أذان الفجر كم من ناعق بالأراجيف ويدري من أنا
جعلوا الإرهاب في ديني وفي لغتي في كل شيء ممكنا
وغدا الإسلام نازي الرؤى قرمطي النهج فظًا أرعنا
وغدا المسلم من صدَّر للـ ـغرب فيما زعموه الفتنا
فاسألوا شارون ماذا صنعت يده في أرض قومي علنا؟
لم يدع من حقده فيها سوى شبح الموت حصارًا وعنا
إنه الإرهاب سموه بغيــ ــر اسمه مادام يَجْرِي دَمُنَا
خطة للحرب بانت فمتى ننبذ الْخُلْفَ وَنَمْحُو الإحنا؟
يا دُعاة السلم تبًّا لسلام أشل يستثير المحنا
قَدْ رَأَيْنَاهُ صفيقًا نزقًا وشممناه خبيثًا عفنا
لا تظنوا أنكم في معزل فمصير واحد يجمعنا
إنه الإرهاب بحر إن طغى موجه أغرق فيه السفنا
يا أذان الفجر لا تيأس مع منهج كانت به الدنيا لنا
لم هذا الخوف حتى لو رأيــ نا الحصى صار سيوفًا وقنا؟
لم نزل نَسْتقرئ الماضي على أمل تحيا به أنفسنا
نحمل الدين يقينًا راسخًا قيمة الإنسان فيما أيقنا
نرفع الرأس فيعلو شامخًا ولغير الله يومًا ما انحنى
ديننا سمح وكم عشنا به نأنف الضيم ولا نرضى الخنا
ليس للإرهاب معنى واضًح فلنكن... مادام نحمي الوطنا
كلنا في خندق والليل محــ ــتلك والصبر محمود الجني
بيننا والنصر نصر للذي لم تزل شرعته تسمو بنا
إنه الله ومن كان ولــ ــيًا له بين الورى ما وهنا
نحْنُ بالإسلام أقوى أمةٍ ولنا النصر به مُرْتَهَنَا
بعد الوفاة المفاجئة لصديقه وحريق منزله
محمود الجندي.. من الشك إلى اليقين
رجب الدمنهوري
● أدواري الفنية تراجعت لكن رزقي زاد بفضل عودتي إلى الله.
● لحظات الضعف كثيرة في حياتي لكنني أملك أسلحة إيمانية لمقاومتها
● الفن أصبح في نظري رسالة بعد أن كان مجرد مهنة لا ضوابط لها
لم تعد لحظات الصدق والعودة إلى الله تقتصر على الفنانات فحسب، بل طالت عددًا من الفنانين، ولعل محمود الجندي أحد هؤلاء الذين مروا بتجربة عميقة الأثر، جديرة بالاهتمام والرصد انتقل خلالها من مرحلة الشك إلى الإيمان، ومن قراءة كتب التشكيك والفكر العلماني إلى قراءة كتب اليقين والفكر الإسلامي، ومن الفن كعبث ولهو ومجون وبحث عن المال والشهرة والنجومية إلى الفن كرسالة لها أهداف في غرس القيم والمبادئ والدعوة إلى الفضيلة.
وكان الجندي قد عُرف - بمقاييس أهل الفن - بأنه فنان متألق ومثقف وصاحب شخصية مبدعة ومحبوبة من الجميع، استطاع إثبات ذاته لعشقه العمل بالتمثيل، وقدرته على تقمص مختلف الأدوار الفنية... هذه الشخصية كيف هاجرت إلى الله تعالى؟!
مرحلة تخبط وتساؤلات
يقول الجندي: عملت طويلًا من أجل إثبات الذات وتحصيل المال والشهرة والنجومية، وأصبحت أحظى بشبكة علاقات واسعة أهلتني لكي أكون محبوبًا من الجميع، لكنني رغم نجاحاتي الكثيرة كنت أشعر أن شيئًا ما ينقصني فعشت مرحلة طويلة من التخبط وبدأت بعض التساؤلات تخالجني وتلح علي: ماذا لو عبدت الله حق العبادة؟ هل سأكون متخلفًا ورجعيًّا كما يرى البعض؟! وبعد فترة طويلة من التفكير والبحث والقراءة توصلت إلى أن الإنسان لابد أن يكون صاحب قضية، وليس هناك أهم من قضية الإيمان، وإن لم يكن الإنسان مؤمنًا، فسيكون في زمرة الهالكين في الدنيا والآخرة، لقد اهتديت إلى هذه القناعات بعد أن مررت ببعض المحطات القاسية.
أما هذه المحطات التي قادته إلى حقيقة الإيمان - كما يستعرضها الجندي -فأولها وفاة صديقه الفنان مصطفى متولي فجأة دون سابق إنذار، إذ يقول: كنت مع صديقي مصطفى قبل الوفاة بنصف ساعة في إحدى سهراتنا المعتادة، نتحدث فيها عن الدنيا ومباهجها والأدوار الفنية، ونصنع ما يحلو لنا، ثم استأذن مصطفى، على وعد بأن يعود بعد نصف ساعة ولم يكن به مرض إلا أنه لم يعد.
وفي صباح اليوم التالي تلقيت اتصالًا هاتفيًا يحمل نبأ وفاته، فأصبت بالهلع والذعر الشديدين، وعندئذ أدركت أن الموت حقيقة لا يمكن إنكارها وأخذت أراجع نفسي وأتساءل: إلى متى سأظل هكذا من دون أن أدرك أن الموت هو المصير المحتوم؟ ومن دون أن أعمل للآخرة؟
حادث الحريق
ويروي الجندي المحطة الثانية قائلًا: ذات يوم شعرت بانقباض في القلب، وعلى إثر ذلك ذهبت إلى الطبيب وحين سألني ماذا بك؟! أجبته أشعر أنني سأموت فأجرى الفحوصات الطبية اللازمة، إلا أن النتيجة جاءت بأنني سليم. وقال الطبيب: يبدو أنك موهوم، غير أن هذا الشعور لم يغادرني حتى بعد أن طمأنني الطبيب.
والمثير للدهشة أن زوجتي حدثتني في تلك الليلة عن ضرورة شراء مقبرة، فتعجبت وقلت: هذا الموضوع لم يخطر على بالي من قبل، ولم أفكر فيه، وعندما أموت فسأدفن في بلدتي وانتهى الحوار بيننا، وخلدت إلى النوم، وإذا بي أستيقظ فأجد الفيلا معبأة بالدخان الكثيف والنيران مستعرة في كل أرجائها، وكانت زوجتي في ذلك الوقت تعاني ضيقًا في التنفس، فلم تتحمل الدخان ولقيت ربها بمجرد وصولها إلى المستشفى ولحقت بها إحدى بناتي هنا أدركت ضرورة الرجوع إلى الحق. وما عزز هذا الموقف أن النار حين اندلعت في المكتبة أتت على كتب التشكيك فقط أي كتب الفكر العلماني والماركسي التي كنت أعشق قراتها، وفي هذا الظرف العصيب وإبان المصاب الفادح وقفت مع نفسي وأخذت أردد «یا رب خفف» ولم أعترض على قضاء الله وقدره.
العمرة.. والشعور الكهرومغناطيسي!
ثم تأتي المحطة الثالثة حين نصحه البعض بضرورة أداء العمرة، لكنني -كما يقول محمود - كنت أتساءل: ما معنى أن أزور مكانًا ما وأطوف حول الحجارة؟! لكن شاء الله وذهبت لأداء العمرة، وفي طريقي إلى مكة المكرمة زرت المدينة أولًا، وفي أول ليلة بهذه البقاع المقدسة فتحت المصحف لكي أقرأ بعض الآيات من أي موضع وإذا بعيني تقع على الآية الكريمة: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة:155)، وفي الصفحة ذاتها ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (البقرة: ١٥٨)، وبعد أن قرأت هذه الآيات أيقنت أنها رسالة قوية جدًّا، فالآية الأولى تطالبني بالصبر على ما حدث، والثانية تجيب عن التساؤلات التي جالت في خاطري - وهنا قلت في نفسي: إذا كان الإنسان مؤمنًا بكتاب الله فعليه أن يؤمن به جملة وتفصيلًا وأن يطبق جميع ما ورد في محتواه، وعلى رأس ذلك الإيمان بالغيب، والإيمان بأن العقل لا يمكن أن يدرك ما وراء الحجب.
وحينما ذهبت إلى الكعبة شعرت بحالة أشبه بالكهرومغناطيسية وهنا أسلمت نفسي إلى الله. وأدركت بحسابات القلب أن هناك عبادات لابد من التسليم بها، ومنذ تلك الرحلة المباركة أصبحت أحن بين الحين والآخر إلى أدائها.
كتب التشكيك والبديل
وبعد أن احترقت الكتب العلمانية والماركسية استبدلت بها الكتب الإسلامية وأقبلت على قراتها بنهم وشغف شديدين، وإدراكي أن الإسلام هو الحق دعاني إلى الحرص على الفهم وفرز الصواب من الخطأ والتعمق في الإسلام لكي أعيش حياتي وفق تعاليمه وأدبياته، يضاف إلى ذلك أنني لا أريد أن تكون كلمة مسلم التي انتسب إليها مجرد معلومة لاستكمال بيانات البطاقة التي أحملها، ومن بين الكتب التي أدمت قراءتها سيرة المصطفى ﷺ وكتب التاريخ الإسلامي، ولقد عرفت من خلال القراءة أن الإسلام بنى حضارة عظيمة استفادت منها البشرية جمعاء.
ويستطرد قائلًا: لقد نشأت في أسرة تعرف حدود الله وتحافظ على تعاليم الإسلام، حيث كان والدي يصطحبني وإخوتي إلى المسجد. وأحد أشقائي يدعى جمال -وهو يصغرني في السن، وكنت قد حببته في القراءة -سلك طريق الالتزام والتدين، بينما اخترت خطًّا آخر لا سيما حين انتقلت من بلدتي أبو حمص «بالقرب من الإسكندرية» إلى القاهرة، وبعد أن أنعم الله علي بالهداية علمت أن شقيقي جمال قد أمضى سنة كاملة يدعو لي بالهداية أثناء الصلاة ولذلك فهو قدوتي الذي ألجأ إليه في كل قضايا الدين، ومن الشخصيات المؤثرة في حياتي الفنان حسن يوسف الذي كان أول من واساني ووقف بجواري بعد حادثة الحريق، ولا يمكن أن أنسى مؤازرته لي حينما قال عليك بـ «لا حول ولا قوة إلا بالله »، و﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ (البقرة:156).
سعادة وسعادة
ويرى محمود الجندي أن السعادة لا يمكن أن تكتمل إلا إذا كان المرء يحظى برضا الله عز وجل، فالسعادة التي يراها البعض في السكن والزوجة الجميلة وتحصيل الأموال وتعاطي المخدرات، ومصادقة النساء هي سعادة مؤقتة يعقبها ندم وشعور بالتعاسة، فما أجمل أن تكون السعادة حينما يكون الإنسان في استطاعته أن يرتكب منكرًا، لكنه يأبى ذلك خوفًا من الله، فتلك هي السعادة الأبدية والمتعة الحقيقية واللذة التي لا تدانيها لذة.
وعن رأيه في الفن يقول: الفن في الماضي كان مجرد مهنة الهدف منها تحصيل الأموال وصناعة اسم كبير، ورفع سعر الأدوار التي أقوم بها، والقيام بكل الأدوار حتى لو خالفت الشرع لكن الفن الآن أصبح رسالة، ومن خلاله يمكن تقديم الموعظة الحسنة والحث على الفضيلة وذم الرذيلة، والبعد عن إثارة الشهوات والغرائز، كما أنني وقفت مع نفسي كثيرًا وتساءلت هل الفن حلال أم حرام؟ وكدت اعتزل لكنني توصلت إلى أن الفن يمكن أن يسهم في تثبيت قيم الناس وتعاليم الإسلام، ولو اعتزلت فلن يبقى في الميدان إلا هؤلاء الذين يلعبون على وتر إثارة الغرائز، كما اعتبر نفسي سفيرًا للإسلام في الوسط الفني، فكثيرًا ما أدير حوارات مع أهل الفن.
أما حقيقة وتداعيات الزي الذي يرتديه وهو عبارة عن جلباب وعمامة فيقول الجندي: الإسلام لم يحدد زيًّا معينًا، أما كوني أرتدي هذا الزي فلأنني ما زلت ضعيفًا، وأخشى أن أضعف أمام الإغراءات المحيطة، وهذا الذي يشكل حائط صد أمام ارتياد أماكن اللهو والعبث، فإذا سولت لي نفسي العودة إلى الماضي يكون هذا الزي حائلًا دون تحقيق رغبتها لأنه من غير المعقول كما أنه ليس من المألوف أن أرتاد النوادي الليلية بهذا الزي، غير أنني أذهب إلى أماكن العمل واستبدل به الملابس الأخرى التي تتناسب وأدواري الفنية.
لحظات الضعف
وحول لحظات الضعف التي تعرّض لها بعد أن سلك طريق الالتزام يقول: أتعرض للحظات ضعف كثيرة، لكن الله أعطاني السلاح الذي أقاومها به وهو الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم والحقيقة أن النفس تحتاج إلى جهاد كبير، فأحيانًا تذكرني بأشياء سيئة مضت.
كما أن بعض أصدقائي حينما يشاركون في بعض اللقاءات الصاخبة والماجنة يتصلون بي
حتى أستمع إلى هذا الصخب الإغوائي بالعودة إلى الماضي لكنني سرعان ما أغلق التليفون ثم أشغل إذاعة القرآن الكريم، واتصل بهم لكي يستمعوا إلى القرآن الكريم.
والعجب أن بعض أصدقائي كانوا يوافقونني في كل شيء ويعتبرون رأيي سديدًا ويستنصحونني دائمًا، وعندما التزمت أخذوا ينظرون إليّ على أنني غير مكتمل الأهلية، وهذا يؤكد أن الانتقال من مرحلة إلى أخرى أمر صعب ويحتاج إلى صبر ومجاهدة.
واختتم كلامه قائلًا: رغم قلة الأدوار التي أقوم بها، إلا أن رزقي قد زاد، فقديمًا كنت أنفق الأموال على ارتكاب المحرمات وأفاجأ بأنه لم يتبق معي شيء، أما الآن فأصبحت أضع المال في موضعه ولا أنفقه إلا في الحلال وبالتالي فهو يزيد على حاجتي رغم انخفاض دخلي وتراجع أدواري.
صفحات من سيرة المصطفى ﷺ للمستشار عثمان حسين
صدر مؤخرًا الجزء الثالث من كتاب «صفحات من سيرة المصطفى» للمستشار عثمان حسين. ويشتمل على:
- البشارات بالرسول ﷺ.
- فضائل النبي ﷺ.
- آراء المنصفين من غير المسلمين في النبي ﷺ ورسالته.
- الرسول وتكوين المجتمع الإسلامي.
- الرسول ونظام الحكم ونظام القضاء.
- الرسول وحقوق الإنسان والتكافل الاجتماعي.
- الرسول ومكانة المرأة وتعدد الزوجات.
- بيت النبوة، ويحلل فيه أسباب تعدد زوجات النبي ﷺ ودور كل زوجة.
- أزمات في البيت النبوي، تناول فيه حديث الإفك باتهام السيدة عائشة بالزنى، وتناول
أيضًا تخيير النبي ﷺ زوجاته بين الرضا بعيش الكفاف معه أو الطلاق.
- الكتاب بالوفود وحجة الوداع.
ومن أهم مميزات هذه السلسلة، أن كل جزء يتناول السيرة النبوية من الميلاد حتى الوفاة ولكن من خلال صفحات ومواقف متجددة والمؤلف مستشار سابق بمجلس الدولة بمصر ونائب الرئيس محكمة النقض بها، ثم رئيس للفتوى والتشريع بحكومة ليبيا. وأستاذ منتدب بجامعة القاهرة والمركز القومي للدراسات القضائية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل