العنوان قضية الصحراء الغربية تخيم على الدوام في سماء البلدين
الكاتب إدريس الكنبوري
تاريخ النشر الجمعة 05-نوفمبر-2004
مشاهدات 47
نشر في العدد 1626
نشر في الصفحة 30
الجمعة 05-نوفمبر-2004
المغرب والجزائر: حرب الإخوة الأعداء
قضية الصحراء الغربية تخيم على الدوام في سماء البلدين
- الجزائر تصر على تطبيق خطة بيكر.. والمغرب تعتبرها انتقاصًا من سيادتها
- البلدان دخلا في سباق تسلح يضر باستقرار الشمال الإفريقي وعلاقات الأخوة بينهما
انطلقت بصورة مفاجئة بين المغرب والجزائر مواجهة ساخنة خلال الأيام القليلة الماضية لم تنته فصولها بعد، وبدأت حرب التصريحات والتصريحات المضادة بين البلدين الجارين اللذين لم ينعما أبدًا بجيرة هادئة منذ ثلاثة عقود من الزمن على خلفية ملف النزاع على منطقة الصحراء الغربية الذي استنزف قدرات البلدين وعطّل البناء الداخلي لكل منهما وأعاق تأسيس الاتحاد المغاربي.
بداية الخلافات: إذا كانت المواجهة الأخيرة قد انطلقت قبل فترة قليلة بشكل قوي، فإن بداياتها تعود إلى شهر يوليو الماضي عندما أعلن العاهل المغربي إلغاء التأشيرة المفروضة على الجزائريين لدخول التراب المغربي منذ العام 1994م، حيث عممت وزارة الخارجية الجزائرية بيانًا قالت فيه إن مبادرة المغرب هي من جانب واحد ولم تكن نتيجة تشاور بين العاصمتين، وإن .. الجزائر غير معنية بالقرار المغربي.
وبعد يوم واحد من البيان أعلنت الخارجية الجزائرية أيضًا عن إلغاء الزيارة التي كان من المقرر أن يقوم بها وزير الخارجية عبد العزيز بلخادم إلى المغرب للمشاركة إلى جانب نظيريه المغربي محمد بن عيسى والإسباني ميخائيل موراتينوس في ندوة حول العلاقات الأوروبية المتوسطية.
ولم تكد تمضي ثلاثة أيام حتى بعث الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة برسالة إلى أمين عام الأمم المتحدة كوفي عنان أكد فيها رفضه أي محاولة لإدخال نزاع الصحراء الغربية ضمن سياق مغربي جزائري، ورأى أن النزاع هو بين المغرب وجبهة البوليساريو المطالبة باستقلال الصحراء، معتبرًا أن ذلك مجرد ضرب من ضروب المماطلة والتعطيل؛ لأن الجزائر ليس في مقدورها ولا هي تريد أن تحل محل الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، وأن مشكلة الصحراء هي مشكلة تصفية استعمار، ورفض بوتفليقة المطلب المغربي بربط أي تطوير للعلاقات بين البلدين بحل النزاع فى الصحراء الغربية، قائلًا بأن الجزائر لا ترهن هذا التطوير بأي شرط مسبق، ووصف بوتفليقة المغرب بالقوة المحتلة عندما قال في رسالته إن نزاع الصحراء يدور بين الشعب الصحراوي والقوة المحتلة أي المغرب ولا بد لأية تسوية أن تتم لزامًا بحصول الاتفاق بين الطرفين المذكورين.
حرب الرسائل
لم يتأخر الرد المغربي على رسالة بوتفليقة إلى كوفي عنان، حيث وجّه العاهل المغربي محمد السادس رسالة مماثلة إلى عنان يوم 24 سبتمبر الماضي يؤكد فيها ثوابت المغرب فيما يتعلق بقضية الصحراء ويتهم الجزائر بكونها الجهة التي ترعى جبهة البوليساريو وتوفر لها الدعم العسكري والدبلوماسي لمواصلة حربها ضد وحدة التراب المغربي، ويبدي فيها استعداد المغرب المستمر للتعاون مع منظمة الأمم المتحدة لحل الأزمة بما يحافظ على الحقوق التاريخية للمغرب في الصحراء.
وقد جاءت تلك الرسالة بعد الصدمة التي تلقاها المغرب إثر إعلان جنوب إفريقيا عن اعترافها بما يسمى الجمهورية الصحراوية، وفتح قنصلية لها في بريتوريا يوم 15 سبتمبر الماضي وإعلان عدد من البلدان الإفريقية الأخرى استعدادها للقيام بالمثل والزيارة التي قام بها الرئيس الجزائري إلى بريتوريا حيث ثمن مبادرة الاعتراف الجمهورية الصحراوية؛ الأمر الذي شكّل ضربة موجعة لكل الجهود المغربية في الأعوام الأخيرة لدفع عدد من الدول الإفريقية لسحب اعترافها بالجمهورية الصحراوية وكان من نتيجته تراجع عدة بلدان عن اعترافها بها، ومنها جنوب إفريقيا نفسها، قبل أن يأتي التحول المفاجئ في موقفها من النزاع.
حرب الرسائل بين المغرب والجزائر لم تتوقف عند ذلك، فقد تدخلت جبهة البوليساريو هي الأخرى في تلك الحرب حيث هدد رئيس الجبهة بإمكانية عودة هذه الأخيرة إلى حمل السلاح فيما لو استمر المغرب في سياسته التي قال: إنها تقود المنطقة إلى وضعية خطيرة مجهولة العواقب.
تصويت سلبي
نقلت الجزائر المعركة الدبلوماسية مع المغرب إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، إذ تقدمت يوم 15 أكتوبر الماضي مع 19 دولة تعترف بجبهة البوليساريو بمشروع أمام اللجنة الرابعة التي تدعى «لجنة القضايا السياسية الخاصة وإنهاء «الاستعمار» وذلك في إطار الدورة 59 للجمعية العامة، ونص المشروع على اعتبار «خطة بيكر» سقفًا لحل نزاع الصحراء، متجاوزة بذلك الجهود التي يقوم بها المبعوث الدولي الحالي ألفارو خاصة وأن المغرب سبق وأن أعلنت رفضها خطة بيكر المشار إليها ورأت فيها انتقاصًا من سيادتها على إقليم الصحراء، فيما وافقت عليها كل من الجزائر وجبهة البوليساريو، وجاءت نتيجة التصويت على المشروع يوم 18 أكتوبر مخيبة للآمال الجزائرية، حيث لم تصوت لصالحه سوى 52 دولة من أصل 191، فيما امتنعت عن التصويت 89 دولة وتغيبت 50 دولة عن عملية التصويت مما شكل ضربة للجهود الدبلوماسية الجزائرية من أجل حشد التأييد الدولي للمشروع.
كان هدف الجزائر من وراء تقديم المشروع هو فرض تنفيذ خطة بيكر وعدم انتظار ما ستسفر عنه جهود خليفته ألفارو الذي لم يأت المشروع الجزائري على ذكره بالاسم.
وقد أثار مخطط بيكر خلال السنة الماضية اتهامات متبادلة بين المغرب من جانب والجزائر والبوليساريو من جانب ثان، ولدى استقالة بيكر قبل تسعة أشهر اعتبر المغرب أن الكابوس زال من على صدره، بينما تشبث الطرفان الآخران بالخطة واعتبراها أرضية الحل، وعلى أساس أن رحيل بيكر لا يعني انتهاء مبادرته التي طالما دافع عنها
سباق التسلح
أمام المواجهات السياسية المستمرة بين البلدين يطرح الكثير من المراقبين مستقبل المنطقة وأزمة الصحراء في ظل التوتر الدائم بين الجارين، وذلك بعد عودة البلدين إلى استئناف شراء الأسلحة والعتاد العسكري من الخارج ودخلا في سباق تسلح بينهما تنظر إليه بلدان المنطقة بعين الحذر والتوجس؛ فقد اشترت الجزائر مؤخرًا أسلحة متطورة من روسيا وجنوب إفريقيا، بينما تسلم المغرب عتادًا عسكريًّا من إسبانيا بعد رفع الحكومة الإسبانية الحالية الحظر الذي كان مفروضًا على بيع الأسلحة للمغرب منذ أزمة جزيرة ليلى بين الرباط ومدريد في عهد حكومة أزنار السابقة.
هذا السباق بدأ ينعكس على شكل مناوشات وادعاءات عسكرية بين الطرفين. فقد ذكرت وكالة المغرب العربي للأنباء -مغربية رسمية- منذ أسبوعين أن حشودًا عسكرية جزائرية بدأت تتحرك نحو الحدود المغربية، وأوردت مصادر إعلامية مغربية أيضًا أن الجيش الجزائري بدأ في تعزيز وجوده بعدد من المواقع العسكرية القريبة من الحدود مع المغرب، وزعمت بعض المصادر الإعلامية أن جهات دبلوماسية غربية نصحت الجزائر بعدم التصعيد الذي من شأنه أن يجر على منطقة شمال إفريقيا والمنطقة المتوسطية الكثير من الويلات والدمار .
جريدة الخبر المقربة من الجيش الجزائري قالت إن كتيبة عسكرية جزائرية قتلت عددًا من الجنود المغاربة على الحدود واعتقلت آخرین، وسارعت مصادر القوات المسلحة الملكية المغربية إلى تكذيب الخبر.
وبعد ثلاثين عامًا من نشوب نزاع الصحراء، يظهر أن البلدين لم يستوعبا بعد الدروس الكثيرة التي تراكمت خلال هذه الفترة المديدة من عمر النزاع، وهي ثلثا الفترة التي أعقبت خروجهما من مرحلة استعمارية طويلة، ليدخلا في صراعات وخلافات عطّلت مسيرة التنمية والديمقراطية في البلدين، وقدمت للقوى الدولية الكبرى مسوغ التدخل في شؤون المنطقة وإحداث المزيد من الانقسام، واليوم يجد البلدين نفسيهما يعيدان تكرار الماضي ليبقى الاستقرار في المنطقة أسير نزاع مديد كان يمكن أن يجد حله داخل الاتحاد المغاربي الذي ولد ليموت.