العنوان قضية اللغة
الكاتب أ.د. حلمي محمد القاعود
تاريخ النشر السبت 07-أغسطس-2010
مشاهدات 61
نشر في العدد 1914
نشر في الصفحة 42
السبت 07-أغسطس-2010
- اللغة العربية أصبحت رمزًا للدونية والتخلف والتأخر.. وصارت اللغات الأجنبية هي المثال الذي يستشرفه الطامحون إلى الترقي الاجتماعي والطبقي
- في هذا الجو اللغوي المضطرب تردّت اللغة العربية وصار الأدب الذي يكتب بها ضعيفا في مجمله
- الأدب المكتوب باللغة العربية صار بعيدًا عن جوهر العربية وصفائها ونقائها وإبداعها الذي يفترض أن يضيفه العمل الأدبي إلى الذوق العربي
- الكيان الصهيوني ينطلق من لغة قديمة مهجورة على مدى أربعة آلاف عام ومع ذلك أصبحت جامعاته في تصنيف دولي متقدم لم تحظ به جامعة عربية واحدة تدرس باللغات الأجنبية
تحولات الأدب العربي المعاصر (3من5)
تبدو قضية اللغة في كل الأحوال محور التحولات في المجال الأدبي والثقافي والفكري بصفة عامة، فاللغة هي أساس التفاهم والحوار والوعي العام، وازدهارها يعني تطورًا إلى الأفضل والأحسن في المجال الإنشائي والمجال الوصفي معًا.
بيد أن اللغة العربية أصابها ما أصاب الحياة العامة من قلق واضطراب، فقد صارت رمزًا للدونية والتخلف والتأخر، وصارت اللغات الأجنبية هي المثال الذي يستشرفه الطامحون إلى الترقي الاجتماعي والطبقي.
وانتشرت المدارس الأجنبية في أرجاء مصر والبلاد العربية تتخذ من اللغات الأجنبية لغة أولى، بل إن كثيرًا من الجامعات العربية جعلت اللغات الأجنبية لغة التدريس والبحث العلمي حتى في الأقسام العربية المتخصصة، وحجة القوم في ذلك أن اللحاق بركب التحضر والتقدم يفرض الانطلاق من خلال اللغات الأجنبية وتناسوا أن الكيان الصهيوني الغاصب في فلسطين المحتلة؛ ينطلق من لغة قديمة مهجورة على مدى أربعة آلاف عام، وقد جعلها لغة قومية، يعلم بها في مدارسه، ويبحث بها في جامعاته، وينقل عنها العالم نتائج البحوث والدراسات التي يتوصل إليها علماؤه وباحثوه، وصارت جامعاته في تصنيف دولي متقدم لم تحظ به جامعة عربية واحدة تدرس باللغات الأجنبية، بينما هو يدرس باللغة العبرية التي لا يتحدث بها إلا خمسة ملايين غاصب صهيوني في فلسطين المحتلة.
في بلادنا العربية صارت العربية مهملة في كثير من المؤسسات الاقتصادية والتجارية والصناعية والبنوك والموانئ والمطارات.. بل إن الشارع العربي صار يتحدث بخليط من الكلمات الأجنبية مع العربية، وهناك دول عربية استعادت اللغات الأجنبية التي نشرها المستعمر لتكون اللغة الأولى في الشارع والصحافة والإعلام والتعليم والدواوين الحكومية.
في هذا الجو اللغوي المضطرب تردّت اللغة العربية، وصار الأدب الذي يُكتب بها ضعيفا في مجمله، خاصة بعد أن انهار تعليم اللغة في الأزهر والتعليم العام والجامعات ولدينا في أقسام اللغة العربية نماذج مخجلة في كراسات الإجابة على الامتحانات، فلا نحو ولا صرف ولا تراكيب ولا صياغة بل إن الإملاء تشكو إلى بارئ الأرض والسماوات.
اللهجات المحلية
وقد شهد العالم العربي في السنوات الأخيرة حالة من الهوس بإحلال اللهجات المحلية محل الفصحى، بالإضافة إلى إحلال بعض اللهجات العرقية والطائفية غير العربية بديلًا عن العربية دستوريًا، مثل الكردية والبربرية ولغات بعض القبائل...
إن الأدب المكتوب باللغة العربية في الفترة الأخيرة يبدو بعيدًا عن جوهر العربية وصفائها ونقائها وإبداعها الذي يفترض أن يضيفه العمل الأدبي الرفيع إلى الذوق العربي العام.
في الأعمال المقدمة للمشاركة في أحد المؤتمرات، قرأ أحد الزملاء رواية مطبوعة، فوجد في الصفحات العشر الأولى كمًا هائلًا من أخطاء الإملاء والنحو والصرف وتعب من الإشارة إلى بقية الأخطاء في بقية الصفحات، فتركها بأسًا وإحباطًا؟ هل يليق أن تطبع رواية بهذا الشكل الفضائحي؟
أذكر أن عمال المطبعة في شركة الحلبي، أيام كانت المطبعة تعمل بالرصاص المصبوب كان لديهم حسن فطري بالأخطاء الإملائية والنحوية والصرفية وكانوا يصححون الأخطاء تلقائيًا، وكانت المراجعة لا تقتصر على مراجع واحد أو مصحح واحد، ولكنها كانت تعتمد على اثنين يتبادلان الموقع، فالمصحح يتحول إلى قارئ في الصفحة الأولى والقارئ يتحول إلى مصحح في الصفحة الثانية وهكذا.. هل كانت الجدية والإجادة سمة عصر مضى نفتقدها في عصرنا الذي تحكمه الفهلوة؟
وسائط النشر
مهمة وسائط النشر ضرورية وأساسية في تحولات الأدب والثقافة بصفة عامة. وفي عصر المشافهة كان الاعتماد علي الذاكرة ومن ثم الرواية عنصرًا أساسيًا في نشر الأدب والمعرفة، وقد تطورت وسائط النشر من الكتابة على الجلد إلى الورق حتى ظهور المطبعة؛ فأحدثت انقلابًا معرفيًا وثقافيًا كبيرًا، ومع أن المطبعة وصلت إلى بلاد العرب متأخرة نسبيًا عن الغرب فإنها أحدثت انطلاقة كبرى للأدب والثقافة والمعرفة والتعليم وكانت المطبعة عنصرًا رئيسًا إن لم تكن العنصر الأول في النهضة العربية الحديثة، ولعلي أوضحت ذلك بتفصيل وتوسع في كتابي تطور النثر العربي في العصر الحديث وتطور الشعر العربي في العصر الحديث، وهما مجلدان ضخمان صدرا في عامي ۲۰۰۹، ۲۰۱۰م بالتتابع عن دار النشر الدولي بالرياض.
بيد أن ظهور الحاسوب «الكمبيوتر» قد أحدث انقلابًا أعمق، فقد اختزل عملية النشر الثقافي والمعرفي في عملية بسيطة وسريعة تصل إلى القارئ أو المتلقي بأسرع ما يمكن وفي ذات اللحظة التي يتم فيها النشر، كما جعل العملية البريدية التي كانت تستغرق أيامًا وشهورًا وفقًا للمسافات والقدرات التي تملكها الجهات الناقلة للبريد، لا تستغرق إلا ثواني معدودات هي التي يتم فيها الضغط على مفتاح الإرسال.. فإذا أردت أن أرسل رسالة إلى أحد أقاربي في الولايات المتحدة أو أستراليا مثلًا، فإني اكتبها على الحاسوب وأضعها في صفحة البريد بعد كتابة العنوان «الإيميل»، ثم أضغط، فتصله في الحال، فتوفير الوقت والجهد والمال والحماية من الضياع سمات أساسية في هذا التحول الذي يعتمد على الشاشة الضوئية أو الإلكترونية.
هذا نموذج بسيط وأولى لما يمكن أن يسمى العصر الرقمي أو الثقافة الرقمية التي صارت بديلا أو منافسا على الأقل للصحيفة اليومية والمجلة الأسبوعية أو الشهرية أو ربع السنوية أو نصف السنوية. أو الكتاب الورقي.. لقد صارت لدينا الآن شاشة حاسوب، وخط هاتفي موصول بالشبكة الضوئية «النت» ومن خلال فتح الخط نتعامل مع عالم عنكبوتي كما يسميه البعض بعيد الأغوار عميق الأبعاد، نستطيع أن نجد فيها ضالتنا المعرفية والثقافية والأدبية غالبًا، فهناك ملايين الجزئيات المعرفية محتشدة لمن يريد التعامل معها تيسر له أبواب الوعي والفكر والثقافة.
علاقة التحول بالأدب: والسؤال الذي يطرح نفسه الآن ما علاقة هذا التحول الكبير بالأدب والثقافة عمومًا؟ وما تأثيراته على حركة الإنتاج الأدبي والثقافي؟ وهل له خصائص وسمات مميزة؟
هذا السؤال أو تلك الأسئلة وغيرها، شغلت بعض المهتمين بالثقافة الرقمية أو الأدب الرقمي أو ما عرف بأدباء الإنترنت، ودفعتهم إلى عقد مؤتمرات وندوات على مستوى العالم العربي، لمحاولة تقنين الثقافة الرقمية أو الأدب الرقمي، والتعرف على دلالاته وماهيته...
صحيح أن القوم حتى هذه اللحظة يقرون باختلاف الرؤى في الحديث عن الماهية والدلالات، ولكنهم يؤكدون أن الأدب الرقمي صار واقعًا، وأن الثقافة الرقمية أصبحت حقيقة قائمة..
نحن الآن نقرأ الصحيفة اليومية والمجلة وأحيانًا الكتاب بمجرد صدوره، وأنا مثلًا أتصفح مجموعة من الصحف اليومية بعد منتصف الليل، وقبل أن تصل الصحف اليومية الورقية إلى المنطقة التي أعيش فيها شمال الدلتا بست ساعات أو سبع ساعات على الأقل، بالإضافة إلى ذلك، فإن كثيرًا من الصحف الضوئية تضيف إطارًا تفاعليًا يسمح للقارئ أن يناقش الكاتب أو الصحفي أو الأديب فيما ينشره من موضوعات على هيئة مقال أو تحقيق صحفي أو قصة أو قصيدة أو غير ذلك من ألوان وفنون تعبيرية، وصار الجدال بين الكاتب والقارئ علامة على حيوية الكتابة ورد الفعل تجاهها بالإيجاب أو السلب، أو التكامل بين رؤية الكاتب والقارئ. لقد سقط استبداد الكاتب، ولم بعد رأيه هو القول الفصل الذي لا يمكن الرد عليه أو مناقشته بسبب صعوبة الرد الفوري في الصحيفة الورقية، أو بسبب امتناع الصحيفة عن نشر الردود التي لا تعجبها، أو لأنها ستشغل مساحة هي في حاجة إليها لنشر مواد أخرى أو إعلانات.. الموقع التفاعلي يكسر صلابة الاستبداد بالرأي، ويقدم وجهة أخرى مغايرة، أو إضافة، وهذا تطور كبير في الثقافة العربية يضيف إلى الحريات العامة، ويؤسس للحوار وتقبل الرأي الآخر..
بصفة عامة يمكن القول: إن لدينا ثلاثة وسائط رئيسة لنقل الثقافة والمعرفة والأدب، وهي: الورق «الصحافة، والدوريات، والكتاب» ثم التعليم وقد سبقت الإشارة إلى تحولاتها قبل قليل، ثم الضوئيات أو الإلكترونيات أو الرقميات، وهي ما سوف تتوقف عندها بشيء من التوضيح في العدد القادم بإذن الله.