; قضية الإيجارات إلى أين؟ | مجلة المجتمع

العنوان قضية الإيجارات إلى أين؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 13-مايو-1980

مشاهدات 82

نشر في العدد 480

نشر في الصفحة 11

الثلاثاء 13-مايو-1980

  • مسؤول: القانون ساير الظروف الاقتصادية والاجتماعية!
  • آلآف الشقق الخالية تبحث عن مستأجرين، فكيف تجدهم؟
  • الزيادة في الإيجارات لم ترتفع حسب قانون العرض والطلب!
  • لماذا لا تستثمر الدولة أموالها في العقارات بالداخل كما في الخارج؟!

تأتي أهمية قضية الإيجارات من أنها تطال ما يزيد عن ۷۰ % من سكان الكويت، ولأن المسكن هو من الحاجات الأساسية التي لا تقوم الحياة البشرية بدونها، فكيف تم حل هذه القضية في البلاد؟ وإلى أين تسير؟

الاقتصاد الحر وقانون العرض والطلب:

النظام الاقتصادي المعمول به في الكويت قائم على مبدأ الحرية الاقتصادية إلى حد ما، وهو يشبه النظام الرأسمالي من حيث الاعتماد على قانون العرض والطلب في تحديد الأسعار، ومبدأ الربح أو الكسب كدافع للاستثمار، لذا فإن الأمر الطبيعي في مسألة تحديد الإيجارات هو قانون العرض والطلب، ولكن هل ترك الأمر لقانون العرض والطلب حقيقة؟ أم أن الملاك والمستثمرين العقاريين فرضوا المعدلات التي يرونها مربحة؟!

والحقيقة أن قضية الإيجارات- وإن كانت في بعض الأحيان قد تجاوزت حدودها فيما قبل عام ١٩٧٤- كانت منسجمة إلى حد ما مع قانون العرض والطلب؛ حيث كانت الإيجارات تلقى الرضا من الملاك والمستأجرين على السواء، ونحن نرى أن السبب في ذلك هو التعادل بين عدد البيوت والشقق الجاهزة للتأجير وعدد المستأجرين من جهة، وارتفاع ربحية الاستثمار العقاري نظرًا لانخفاض كلفة الأرض والبناء من جهة ثانية، وقد يضاف إلى ذلك تركيز كبار المستثمرين آنذاك على التجارة نظرًا لارتفاع ربحيتها وسرعة مردودها.

ولكن منذ عام ١٩٧٤ أخذ عدد المستأجرين يرتفع بشكل ملحوظ، وذلك بسبب زيادة أعداد الوافدين للعمل في القطاع التجاري المزدهر من جهة، وارتفاع نسبة المتزوجين بين الشباب من الوافدين أو الكويتيين، ورغبتهم في الاستقلال عن أهليهم في مساكن خاصة.

وهنا كان لابد لمعدلات الإيجار أن ترتفع، ولكن هل ارتفعت بنسبة طبيعية أو معقولة؟

والحقيقة أن كل الدلائل تشير إلى أن الزيادة في معدلات الإيجارات لم تكن طبيعية، فهي قد زادت بنسبة لا تقل عن  ۱۰۰% خلال الفترة ١٩٧٤- ۱۹۷۸، وهذه الزيادة لم تتحقق حتى في الدول التي يعتبر التضخم فيها من أعلى المعدلات.

ويجب ألا ننسى أن الأرباح التجارية بسبب زيادة الإنفاق وارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية بدأت تتكدس لدى كبار التجار والمستثمرين، وفي الوقت الذي بدأت فيه التجارة والمقاولات تنكمش إلى حد ما، نشطت الاستثمارات العقارية، سواء كانت على شكل مراكز تجارية أو مجمعات سكنية.

دور الحكومة:

وقد طالب هؤلاء المستثمرون بعائد مرتفع وسريع لاستثماراتهم، ومع أن بعض الملاك -ممن فيهم بقية من خير، واعتبار للقيم الإسلامية- لم يذهبوا بعيدًا في مسألة رفع الإيجارات، إلا أن معظم أصحاب العقارات كانوا جشعين، ومما زاد الطينة بلة إقبال الدولة على استئجار مقرات لاداراتها المختلفة، أو مساكن لبعض موظفيها الكبار بأجور مرتفعة جدًّا، مما شجع على التوسع في الاستثمار العقاري من جهة، وإلى تشبث هؤلاء المستثمرين بطلب معدلات عالية جدًّا للإيجارات، وهنا وقعت الأزمة أو بالأحرى انكشفت وتعرت، وراح ضحية قانون العرض والطلب فقراء كثيرون ! وقد حصلت مآسٍ كثيرة، وقصص يكاد لا يصدقها العقل عن طبيعة العلاقة بين الملاك والمستأجرين، وقد قامت الصحافة المحلية بتغطية ذلك في حينه.

ولتقريب الصورة نقول: أصبح أحسن المستأجرين حالًا هو من يدفع ما بين ثلثي إلى نصف راتبه إيجارًا للمسكن، وقد ترتب على هذا حرمان كثير من العائلات وهجرة عدد منها إلى الخارج، وبذل قصارى جهدهم للحصول على وظيفتين أو ثلاثة أو أربعة! لمواجهة تكاليف المعيشة، وأصبح معظم الناس لا هم لهم إلا البحث عن لقمة العيش أو متاع الحياة! ويا لها من من حياة ويا لها من أمة!!

وصدر قانون الإيجارات.. 

وبعد أن لعب العقاريون على حبال زيادة الإيجار والهدم والإخلاء، ودوخوا المستأجرين على حلبة الصراع، كان لا بد مع صيحات الغوث أن تتدخل العدالة فتنصف المظلومين من الظالمين.. وصدر قانون الإيجارات بعد أن شد انتباه المستأجرين وطال شوقهم! ويا ليتهم لم ينتظروا! فالحقيقة أن الدافع إلى إصدار القانون كما قال السيد غازي السمار رئيس المحكمة الكلية في تحقيق نشرته القبس يوم٢١ /٤/٨٠ هو: هو «الظروف الاقتصادية والاجتماعية السائدة»، ولكن ما هي هذه الظروف؟ يقول السيد السمار: «إذ إنه منذ عام ١٩٧٤ ومع التطور الاقتصادي في الكويت وازدهاره، وارتفاع الأجور! وأثمان المواد الأولية للمباني، كل ذلك أدى إلى ارتفاع إيجارات العقارات، الأمر الذي أدى «بالمشرِّع» للتدخل بوضع القانون الحالي مسايرًا للظروف الاقتصادية والاجتماعية التي كانت سائدة وقت صدوره».

ونحن لا ننكر أن القانون الحالي الذي صدر عام ۱۹۷۸ قد أنصف المستأجر قياسًا بقانون ۱۹۷۱ من عدة وجوه، كالتضييق على شروط الإخلاء، وتسهيل دفع الأجر، إلا أن الظروف الاقتصادية ألقت بظلالها على القانون؛ حيث نص على حق المالك بزيادة الأجر بنسبة ١٠٠ % كل خمس سنوات، أي بمعدل  ۲۰ % سنويًّا! ومعلوم أن طبقة المستأجرين معظمهم موظفون وافدون، فمن هو الموظف الذي يزداد راتبه سنويا بمعدل ۲۰ % ليرضي جشع السيد العقاري؟! ثم هل من العدل أن تذهب كل هذه الزيادة السنوية- إن تحققت- إلى جيوب المالكين والمستثمرين الفقراء المساكين؟!!!

حقيقة مؤلمة وخطيرة

وإذا علمنا أن المستأجرين هم الوافدون، حيث يحرمهم القانون من التملك، وأن الوافدين حسب نتائج الإحصاء الأخير يشكلون حوالي ٦٠ % من السكان، وأن المستأجرين من الكويتيين حوالي١٠%؛ فإن ذلك يعني أن المستأجرين يشكلون حوالي ۷۰% من السكان أو يزيد، ونحن نعلم أن الباقين «۳۰%» ليسوا جميعًا من الملاك أو من المستثمرين العقاريين، فهؤلاء لا يشكلون- في أحسن الأحوال- أكثر من ١٠%  من السكان، والنتيجة المنطقية إذن أن هؤلاء المستثمرين الذين يشكلون  ١٠% من السكان يتحكمون في ٧٠ % من السكان!! وهذه حقيقة مؤلمة وخطيرة تظهر «...........»..

النظام الرأسمالي، والشيء المؤسف حقا أن يد العدالة فيما لوحت بالعدل والإنصاف، إنما في الحقيقة قننت العلاقة بين المستأجرين وأصحاب العقارات، وكرست مصالح ذوي الكروش والجيوب الخالية!! ونحن لا نقول هذا حبًّا في إذكاء الصراع الطبقي- لأننا لا نؤمن به أصلًا- ولكنها الحقيقة الحاصلة، ننبه إليها حتى لا يصيب هذا البلد شر أو مكروه، وحبًّا في العدل الذي قامت عليه السماوات والأرض..  وحبًّا في إنصاف المظلومين أو المغلوبين على أمرهم.

ولكن هل يرضون؟!

لقد حقق القانون الحالي للإيجارات إذن مكسبًا كبيرًا لأصحاب العقارات؛ فقد استقرت العلاقة بينهم وبين المستأجرين على حد تصريحات بعض المسؤولين، وذلك طبعًا يسبب سيف القانون وضعف المستأجر، وقد نشطت الاستثمارات العقارية بحيث ندر منذ عام ۱۹۷۸ ألا تجد إعلانًا يحتل صفحة كاملة- أو نصف صفحة، أو أي مساحة على صفحات الصحف اليومية- عن فتح مجمع جديد للاستثمار التجاري أو لتأجير الشقق!! فمنذ أكثر من سنة صرح مصدر مسؤول بأن هناك حوالي ١٢ ألف مسكن غير مؤجر! ولنا أن نتخيل كم يبلغ هذا العدد، والمجمعات والديلوكسات تكاد تغطي جميع مناطق الكويت! لقد مضى وقت طويل على كثير من العقارات والبيوت الحديثة وهي خالية أو خاوية! بسبب الارتفاع الفاحش في معدلات الإيجارات التي يطلبها السادة المستثمرون.

إنهم يقولون إن عائدات الاستثمار العقاري تعادل ۱۲% «.....»

الوقت الحاضر! وهذا لا يشجع على الاستثمار العقاري؛ لذلك لا بد من رفع الإيجار! ولكن هل يرضون بذلك؟ وماذا يفعلون؟! فقانون الإيجار قد مضى عليه سنتان فقط، الأمر الذي يجعل إعادة النظر في هذا القانون مسألة غير قابلة للتحقيق، وأنهم سيبذلون قصارى جهودهم لإجراء التعديل.

السكن الحكومي ومنع التأجير لذوي الدخل المحدود.. هل هما حلان؟!

وإزاء استفحال أزمة المساكن- وليس أزمة السكن!- يجب إيجاد حل لهذه الشقق الفاخرة الخالية والمنتشرة كخطوط الديكور في مختلف مناطق البلاد، ونحن وان كنا لا نعلم السرائر؛ لأنها موكولة لله سبحانه، فلا ندري إن كان قد تم فعلًا الاتفاق بين طبقة التجار والمستثمرين العقاريين من جهة، والحكومة من جهة أخرى، على إيجاد حل لهذه المشكلة، ولكن الذي نجزم به آن مشروع السكن الحكومي الذي لا يزال قيد الدراسة، ويشاع أنه سينجز خلال فترة وجيزة «.......»

طالما أن الدولة لم تخطط، وليس واردًا في حسبانها بناء العقارات اللازمة لها، وبحجة توفير السكن لموظفي الدولة بأجور معقولة! فسيتم استئجار شقق كثيرة في منطقة الرقعي والسالمية وحولي، وربما الفنطاس وبقية ضواحي المنطقة العاشرة! وهذه لیست معلومات نستقيها من مصادر مطلعة أو مأذونة! بل هو التحليل قد يكون صوابًا، وقد يكون خطأً، ولكن أمامنا الأيام.

وأما قرار بنك التسليف والادخار بمنع ذوي مساكن الدخل المحدود أو أصحاب القروض من تأجير أجزاء من مساكنهم، فقد ناقشناه في العدد الماضي، وقلنا: إن المسوغات الأمنية والاجتماعية التي أعلن استناد القرار إليها، لا تعدو أكثر من كونها حججًا واهنة كبيت العنكبوت.

ونحن وان كنا لا نملك معلومات أكيدة بأن هذا القرار قد تم التوصل إليه بناء على تدبير من السادة العقاريين، إلا إننا نملك أن نجزم بأن القرار في صالحهم، فهذا الذي سيحرم من سكن بإيجار مقبول نسبيًّا، إلى أين سيأوي؟ إنها الشقق الفاخرة في الانتظار!

وهذا الموظف الحكومي الذي يدفع ثمانين أو مئة دينار لشقة قديكة ضيقة، ألا يدفع مائة أو مائة وعشرين لشقة فاخرة وأوسع؟ بلى سيفعل، وعندها ستنبض المجمعات الحديثة بالحياة لتلقى الدنانير في جيوب أصحابها الفقراء المساكين!!!.

دور الحكومة:

إذن فمطلوب من الدولة أن تتدخل، ليس بتوفير المساكن للمواطنين، أو بدفع بدل الإيجار للعائلات الكويتية المستأجرة فحسب، بل بالاستثمار العقاري في الداخل كما تستثمر في العقار في الخارج؛ فتقوم ببناء مجمعات سكنية مناسبة للمواطنين والوافدين، تطرحها بمعدلات إيجار معتدلة ومتناسبة مع رواتب المستأجرين، ومطلوب أيضًا إعادة النظر في قانون الإيجارات الحالي، بحيث يضع معايير موضوعية وعادلة لقضايا زيادة الإيجارات، ومساواة قضايا الإيجارات من حيث الاستئناف ببقية القضايا لضمان العدالة في الحكم بين المتقاضين، وذلك بتوسيع نطاق الاستئناف، وليس حصره كما نص القانون في المادة ٢٦ منه.

ونحن لسنا هنا بصدد بحث مواد القانون بقدر ما نريد أن نقول: إنه أثبت في التضييق والمبدأ أنه في صالح الأقلية ضد الأكثرية.

فإلى متى نظل نستمد تشريعاتنا وتصرفاتنا من غير شريعة الله؟ ألم نتعظ بعد؟ أم على قلوب أقفالها؟ والذين يسارعون في الدعاء بأن يحفظ الله الكويت من كل مكروه، ألم يدركوا أن العدل هو أساس الاستقرار، وأن الاستقرار هو أساس الأمن؟! ثم هل نريد أن يقول الله عنا- سبحانه- يوم القيامة: ﴿مَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ﴾([1])، ويا لها من نهاية مخزية!

(1) (سورة النحل: 118).

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 400

108

الثلاثاء 20-يونيو-1978

العدالة وقانون الإيجارات

نشر في العدد 714

97

الثلاثاء 23-أبريل-1985

الإيجارات والانتعاش الاقتصادي

نشر في العدد 659

108

الثلاثاء 21-فبراير-1984

قضايا محلية- من وحي الخاطر