الثلاثاء 04-نوفمبر-1986
ما زلنا داخل البيت العربي المسلم، وما دمنا في الكويت، فنحن نتحدث عن البيت
الكويتي سواء كان ساكن البيت مواطنًا أو مقيمًا في البيت، يتصرف الآباء أحيانًا تصرفات
لها تأثير بالغ على شخصية الطفل وتربيته رغم أن الوالدين في كثير من الأحيان لا يقطنان
إلى هذا الأثر.
ولنضرب لذلك مثلًا: يقرع جرس الباب أحد الزوار في وقت غير ملائم للزيارة، أو
في وقت لا يكون فيه الوالد أو الوالدة على استعداد لاستقبال هذا الزائر أو هذه الزائرة
لأمر من الأمور فيوفر الأب أو توعز الأم لأحد الأبناء بإخبار الزائر أو الزائرة أن
لا وجود للأب أو الأم في البيت.
وهنا يحتار الطفل الذي يدرك بالبداهة قانون عدم التناقض إذ كيف يكون- على سبيل
المثال- موجودًا في البيت وغير موجود في آن واحد؟ إن ذلك مستحيل، وعليه، فالطفل أمام
أمرين إما أن ينفذ أمر الوالد فيكون كاذبًا، وإما أن يقول الحقيقة فيوقع الوالد في
الحرج ويقع هو تحت طائلة الغضب والتعنيف والعقاب.
وفي الحالة الأولى يكون الطفل قد
خطا الخطوة الأولى في طريق الكذب وما يترتب على هذا الكذب من معصية الخالق ونفور الناس
والفشل في الحياة، أو الانحراف وربما انفصام الشخصية.
وفي الحالة الثانية تتغير معاملة الوالد للولد وتهتز ثقة الولد بالوالد فيعيش
الطفل أزمة ضمير بينه وبين نفسه وأزمة علاقة بينه وبين والده، هذه الأزمة المزدوجة
تظل تتفاعل داخل النفس وعلى أرضية العلاقات العائلية حتى تستقر على انحراف الولد وتبلد
إحساسه، أو انحلال الأسرة وتفككها.
وبالمثل يحصل عندما يقرع جرس التليفون
فيكون على الطرف الآخر شخص غير مرغوب فيه أو حديث غير مرغوب فيه، أو مكالمة في غير
أوانها.
والحديث بين الوالدين له أصول، فرب عبارة أو كلمة يقولها أحدهما فيسمعها الولد،
أو البنت فتنغرس في أعماق اللاشعور وتظل تطارد الولد أو البنت طوال حياته، فلكل مقام
مقال، وما يصح قوله أمام الكبار ربما لا يصح أمام الصغار.
ثم إن الشكوى والكشف عن الهموم والتذمر كل ذلك ينعكس على نفسية الطفل اكتئابًا
أو توترًا أو ضجرًا بالحياة والناس والغيبة، أو القدح في تصرفات الآخرين أمام الأطفال
يشربهم العداوة تجاه هؤلاء الآخرين الذين قد يكونون من الأقارب، فينعكس ذلك على العلاقات
العائلية بشكلها الواسع ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا
فَكَرِهْتُمُوهُ ۚ ﴾ (الحجرات:١٢).
والخلافات بين الزوجين أحيانًا وإن كانت أمرًا طبيعيًا إلا أن الإعلان عن هذه
الخلافات أمام الأطفال وبشكل صارخ، ومعالجتها بشكل خاطئ يترك أثره بلا شك على نفسية
الطفل توترًا واضطرابًا وقلقًا، وحبذا لو أخفيت هذه الخلافات عن الأطفال وعولجت أثناء
نومهم أو بعد غيابهم وبطريقة علمية وموضوعية ومنطقية، وقبل كل شيء إسلامية.
والطفل شديد التقليد لما يسمع وما يرى فليحرص الآباء على القول الطيب «رحم الله
امرءًا قال خيرًا فغنم أو سكت فسلم»، فإن لاحظ الآباء كلامًا غير لائق من أبنائهم فليصرفوهم
عنه بالتي هي أحسن، وليبعدوهم عن أصدقاء السوء إن وجدوا، ولتكن مراقبة الطفل بطريقة
عفوية، ودون أن يشعر الأطفال أنهم مراقبون، وليكن حسن الظن سابقًا على سوء الظن ولتعالج
الأمور بالحسنى.
والطفل شديد الحساسية تجاه التمييز في المعاملة وإن ظن الآباء أنه صغير على الإدراك..
أرأيت إلى الطفل ذي السنتين يؤذي أخاه الرضيع بالقرص، أو العض حين تبتعد عنه أمه؟ ذلك
أن الحنان الذي كان يتمتع به الطفل الأكبر انتقل كلية إلى الطفل الأصغر فتحركت الغيرة
في نفسه، وتحولت إلى دافع للعدوان على أخيه، وربما آذى نفسه ليستعيد العطف والحنان
المحروم منه، وربما قام بحركات غريبة ليثير الانتباه بدافع تأكيد الذات كأن يضع رأسه
على الأرض، أو يرفع رجليه إلى أعلى، أو يقفز دون سابق إنذار في حجر والدته أو والده
أو یكسر إحدى الأواني أو يصرخ ويحدث ضجة مفتعلة، أو ينطوي على نفسه وينزوي في ركن من
البيت، أو تبدو عليه سمات الاكتئاب والحزن أو يمص إصبعه، وقد تصطك أسنانه وهو نائم.