; قضية للمناقشة: كيف نصنع المواقف؟ وكيف يبدع الرجال؟ | مجلة المجتمع

العنوان قضية للمناقشة: كيف نصنع المواقف؟ وكيف يبدع الرجال؟

الكاتب أحمد طرابلسى

تاريخ النشر الثلاثاء 14-فبراير-1989

مشاهدات 60

نشر في العدد 904

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 14-فبراير-1989

قضية للمناقشة: كيف نصنع المواقف؟ وكيف يبدع الرجال؟

 من أولى واجبات الإعلام الملتزم تقديم رموز التيار الإسلامي إلى الجماهير

 إن من واجبنا أن نذكر ما لنا وما علينا في نقاش حر مفتوح يفضي إلى نتائج منطقية تستأصل العطب من كيان الحركة الإسلامية

 الإعلام الإسلامي مازال دون مستواه بسبب ظروف المنطقة السياسية وفقدان الشرعية القانونية لكثير من الحركات الإسلامية.

في العدد (۸۹۸) من مجلة «المجتمع» الغراء الصادر بتاريخ (۳/۱/۱۹۸۹)، طالعت للأستاذ محمود مفلح عضو رابطة الأدب الإسلامي كلمة بعنوان «إلى متى يظل النقد ذاتيًّا؟».. وأحسب أن الأستاذ مفلح كان يتكلم من وحي معاناة كبيرة يشعر بها، قد لا تكون خاصة بقدر ما هي عامة وشاملة، ولكنه استطاع أن ينقل هذه المعاناة من حديث المجالس إلى صفحات المجلات «وأقصد المجتمع».

بيد أن هذه الصرخة «المعاناة» يجب ألا تذهب هدرًا في الثنايا الهائمة، بما يزيد الألم ويؤججه، ويترك ندوبًا موجعة في الجسد المسلم.

فما أحس به الأستاذ مفلح هو في الواقع إحساس كل مسلم؛ سواء أكان أديبًا أو مفكرًا أو اقتصاديًّا أو مبدعًا في علم من العلوم أو حتى شخصًا عاديًا... إنه بصراحة شعور مشترك، ولكنه واضح المعالم، محدد السمات.

وأعتقد - حتى نضع الأمور في نصابها الصحيح - أن من واجبنا أن نذكر ما لنا وما علينا في نقاش حر مفتوح، يفضي إلى نتائج منطقية، تستأصل هذا العطب من كيان الحركة الإسلامية، وتنير عقول رجالات التيار الإسلامي على ثغرة لا بد أن تسد، وخلل لا بد أن يُصلح.

دور الإعلام الإسلامي

إن العصر الذي نعيشه اليوم بات عصر الإعلام والحرب الباردة التي تعصف بالعالم في هذه الحقبة، تشكل وسائل الإعلام مرتكزها الأساسي، وحتى القوة العسكرية باتت خاضعة لمدى قدرة الإعلام في إبراز هيبتها أو التقليل من أهميتها، وهذا ما يسهل ملاحظته لمن يتتبع وسائل الإعلام الأجنبية «ليس العربية بالطبع؛ لأنها صدى لما تبثه وكالات الأنباء الغربية»، ولنأخذ مثالًا على ذلك قضية المختطفين الأجانب في لبنان، فعندما تمر مناسبة معينة كرأس السنة الميلادية، يعمد الإعلام الغربي إلى إبراز هذه القضية؛ لتصبح الأولى في العالم، ويتسابق المراسلون في كتابة التقارير، وبث الشائعات وإصدار التنبؤات، بغية الضغط على المختطفين والدول التي تدعمهم، ثم ما تلبث القضية أن تخفت، ويمحى ذكرها من وسائل الإعلام، مع أن هؤلاء لازالوا مختطفين، وليست قضية «تيري ويت» عنا ببعيدة.

من هذه المقدمة أردت أن أصل إلى أن وسائل الإعلام باتت اليوم الأداة الرئيسية لصناعة الرأي العام وتحريكه صوب الجهة التي يريدها مالكو هذه الأداة.. من هنا تبرز أهمية بلورة إعلام إسلامي مؤثر ومتحرر من قيود الرقابة، وقادر على استيعاب معطيات المرحلة؛ ليمثل المصب الملائم لتلك الينابيع التي تفرزها كتابات أصحاب الاتجاه الإسلامي؛ سواء وافقت آراءنا أو خالفتها في القضايا التي تحتمل البحث والمناقشة والأخذ والرد. وأستطيع القول: إن الإعلام الإسلامي لازال دون مستواه لأسباب كثيرة «لست بصدد تفصيلها»، بعضها يتعلق بظروف المنطقة السياسية، وفقدان الشرعية القانونية لكثير من الحركات الإسلامية العربية، وبعضها الآخر يخصنا نحن، وهو نابع من عدم إدراكنا الجدي لدور الإعلام ومسؤوليته، فإلى الآن لا يوجد صحيفة يومية تتناول القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية المستجدة من منظور إسلامي، رغم وجود العشرات بل المئات من الكتاب والصحفيين الإسلاميين، والمجلات التي تصدر هنا وهناك - مع تقديرنا لعظم دورها ورسالتها - لازال أغلبها متخلفًا فنيًّا وكتابيًّا؛ إذ تنحصر أغلب كتاباتها في الزوايا التاريخية والتوجيهية، مغفلة التحليل للعمق لقضايا العالم وأحداثه، وهذا دون شك سوف يدفع حتى أبناء التيار الإسلامي إلى التوجه صوب وسائل الإعلام الأخرى؛ بغية المتابعة والمطالعة واستشراف المستقبل.

إن من أولى واجبات الإعلام الملتزم تقديم رموز التيار الإسلامي إلى الجماهير؛ سواء أكانوا دعاة أو أدباء أو اقتصاديين أو سياسيين أو منشدين.. والمطلوب إعطاء الشخصية الإسلامية الحضور الجوهري اللائق من خلال التعريف الدائم بها، ومتابعة نشاطها، وتغطية فعاليتها، ولا يختلف في ذلك؛ سواء أكانت الشخصية إنسانًا أو شركةً اقتصاديةً، أو رابطةً أدبيةً، أو لجنةً اجتماعيةً، أو ناديًا رياضيًا، أو فرقةً إنشاديهً... فلكل منها نصيبها المفروض من التغطية الإعلامية والمتابعة والتعريف، ولا أنكر أن مثل هذا يحصل، ولكن الذي أستطيع أن أؤكده هو أنه قاصر قصورًا كبيرًا، وأعتقد أن هذا ما عناه الأستاذ مفلح في ثنايا كلمته.

 دور الأدباء الإسلاميين

ليسمح لي رئيس «رابطة الأدب الإسلامي» وأعضاؤها الكرام، أن أشارك الأستاذ مصلح رأيه فيها... وهو أن هذا الوليد العزيز لم يرق إلى مستوى الطموح، فبين الفينة والأخرى نطالع في بعض المجلات، ومنها «المجتمع» كتابات لبعض الكتاب الذين ينتسبون لهذه الرابطة، ولكني لم أعثر أو أشاهد إلى الآن كتابًا صدر لهذه الرابطة؛ سواء أكان ديوانًا أو دراسةً نقديةً، أو قصةً أو غير ذلك.. ويبدو لي من خلال علاقتي ببعضهم أن ما يصدر لا يعدو كونه نشاطًا فرديًّا غير منسق؛ إذ يحق لأي عضو فيها أن يلصق صفة «عضو..» عندما ينشر مادة له، وهذا يضعف احتمالات أن يكون هناك اتجاه متناسق متقارب تلتزم به الرابطة، إذا كيف نتوقع منها أن تصوع تيارًا أدبيًّا ملتزمًا واضحًا، وصريحًا متأصلًا؟

وهنا لا بد لي من أن أعرج إلى قضية هامة، نابعة مما نلاحظه في الوسط الأدبي والفكري الإسلامي، وهي أننا تعودنا «لا أدري من أين ولماذا؟» ألا نكتب عن رجالاتنا من الأدباء والمفكرين إلا بعد وفاتهم.. إذ قلما وجدنا دراسةً مستفيضةً عن كاتب أو أديب إسلامي لا زال حيًّا، وهو أمر غريب حقًّا...

واحسب أيضًا أن هذا ما قصده الأستاذ مفلح عندما حاول جاهدًا أن يستنهض همم هؤلاء للكتابة والنقد والدراسة.

ولا يفوتني هنا أن أشير إلى بعض الدراسات النادرة في هذا المجال، مثال ذلك الدراسة التي أصدرها الأستاذ الأديب عبد الله الطنطاوي عن الشاعر محمد منلا غزيل تحت عنوان «محمد منلا غزيل.. في ظلال الدعوة»، وتناول فيها قسمًا من حياة الشاعر الغزيرة والجديرة بالاهتمام، بيد أن الأديب الطنطاوي توقف عن متابعة رحلته في هذا المجال، ويبدو أن الهمة قد قعدت به، وواقع الحال أن ما لفت النظر إليه الأستاذ محمود مفلح، حول أهمية توفر عنصر «النقد» كضرورة من ضرورات أي أديب وانتشاره... يشكل أساسًا مهمًّا من أسس تكامل المدرسة الأدبية والفكرية الإسلامية، بما يحقق الخصوصية الذاتية، والنضج المتأصل، ويفضي إلى نتائج مستقبلية، تثبت دعائمها للراغبين من طلبة العلم في دراسة مزايا وركائز وخصوصيات هذه المدرسة.

 حالتان

دعونا نتصور شاعرًا كبيرًا كالأستاذ عمر بهاء الدين الأميري، شكل أدبه وشعره نمطًا متميزًا في التعبير والأداء.. وفي الوقت نفسه يتجاهله النقاد الإسلاميون تمامًا... فتعجز أن تجد كتابًا يدرس سيرة هذا الشاعر الفذ الشعرية والإنسانية، ليقدمه نموذجًا لأبناء الإسلام يحتذى في العمل والممارسة والتألق الحضاري.

أيضًا.. لتتصور الأستاذ الأميري على الشاطئ الأخر في الانتماء الفكري، فماذا ترى سيفعل حينها نقاد اليمين واليسار؟ الواقع أننا كنا سنجد عشرات الكتب تدرس سيرته، وتتابع كل جديد يصدره، وتفرد الصفحات في المجلات والجرائد لأحاديثه ونشاطاته. مؤخرًا حضرت مهرجانًا للشعر العربي، ومن ضمن فقرات هذا المهرجان كانت تنعقد جلسات نقدية حول الشعر العربي عند نهايات القرن العشرين، وكان جل الذين تقدموا بدراسات نقدية في هذا الملتقى من الأسماء الأدبية اللامعة والمعروفة، ولكن تصوروا أن هؤلاء الأدباء اللامعين لم تكن بحوثهم تتناول دراسة شعراء كبار بقدر ما كانت تركز على الشعراء المعاصرين أو الشباب منهم بما يقوم هؤلاء ويجعلهم يقفون على أرضية صلبة... وهو أمر جدير بالملاحظة والتمحيص.

إذًا... مرةً أخرى يتكرر سؤالنا.. لماذا ذلك؟ وأين الخلل يا ترى؟

 خلاصة

والذي وددت قوله في هذه العجالة.. إن قضية التعاون بين أبناء الفن الواحد، والأدب الواحد والمدرسة الواحدة... تعتبر أساسًا ضروريًّا وسليمًا للنهوض بكل جانب من هذه الجوانب، من أجل رفعة الإسلام وعزته وبعثه الحضاري.

وكلي أمل أن يتسع صدر إخواني جميعًا، وزملائي في المجتمع لما أوردت، فهو أولًا وأخيرًا رأي قابل للأخذ والرد.

لقد أردتها قضية للمناقشة... فأين أقلامكم؟

الرابط المختصر :