; قضيّة الفن هل صارت ملهاة سياسية في الساحة العربية؟ | مجلة المجتمع

العنوان قضيّة الفن هل صارت ملهاة سياسية في الساحة العربية؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 02-أغسطس-1983

مشاهدات 65

نشر في العدد 631

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 02-أغسطس-1983

حينما يتناول أحدنا جريدة يومية، فإن أول ما يبدأ به صفحتها الأولى، إذ بها عادة تكون أهم الأخبار والملاحظات المنبهة إلى ما في داخل الصفحات مما يستحق الاحتفاء، فإذا ما رأيت عنوانًا بارزًا في صفحتها الأولى يقول: الإفراج بكفالة عن سعيد صالح فلا ريب أن ذلك الخبر سيستوقفك وستحوم بذهنك عشرات الخواطر عن هذا «السعيد».

وبالطبع ستفترض أول ما تفترض أن صاحبنا هذا فدائي ذو قضية قام بعملية بطولية، ولعل الأقدار هيأت له سبيلا للخروج بكفالة مالية، مما سيتيح له أن يواصل عمله الفدائي من جديد، أو لعله سياسي من ذوي الآراء الصارمة التي لا تبالي من تطال، ففجر واحدًا من كلماته الحرة ونالت ذا باطل فأرقته، فأمر بإيداعه السجن.

ثم ها هو قد أفرج عنه بكفالة مالية أخيرًا أو ربما كان!! إلخ ما يحوم بذهنك من حكايات، ولكن الظن يغلب أنك لن ترشح «ممثلا» أو مهرجًا- بالأحق- لهذا العنوان، وحتى إن كان حظك من المعلومات «الفنية» كبيرًا، وكنت على معرفة بـ سعيد صالح هذا، وستتهم رأيك أن يبرز اسمه في الأخبار الرئيسية وفي الصفحة الأولى بالذات، وسترجح أنه قد تشابهت عليك الأسماء إلى أن تتيقن أنه هو هو، «انظر الوطن الكويتية عدد 2934».

مقاييس البطولة: 

إن الشيء الذي يستوقفنا حقًا أنه في الفترات الأخيرة لاحظنا محاولة لإضفاء صفة جديدة على «أهل الفن» هؤلاء، صفة تحاول تثبيت «بطولته» وفقا للمقاييس السائدة الآن للبطولة، وذلك بإضفاء شيء من الصفات السياسية عليهم، وإبرازهم من خلال هذا الإطار، والتبشير بهم من جديد بعد «إخراجهم» في لباس سياسي يضفي عليهم سمات تلك البطولة وتطبيقاتها.

ومع الإدانة الواضحة مثلًا لسعيد صالح وإثبات الألفاظ النابية التي يتفوه بها في مسرحياته والأخيرة منها على وجه الخصوص، ومع تعرضه للمحاكمة إلا أنه وفقًا للسنن السائدة هذه الأيام، فإننا نكاد نرجح أن ما ينقص سعيد صالح من صفات المجد ونواحي العظمة الدنيوية سيستكمله في هذه المرحلة من حياته، وسواء أدين أو برئت ساحته، فمكانته في صدر «أمجاد» الأمة العربية ومفاخرها محفوظة، وستثبت لكم الأيام مدى صدق مقولتنا هذه، فقريبًا تسمع أن صاحبنا هذا ناضل وكافح في سبيل «الفن» ودخل السجن من أجله، وسيكون الوقت متأخرًا جدًا ليكتشف الرأي العام أن هذا الكفاح الذي أدخل صاحبه السجن كان كلمات نابية وحركات رخيصة، تعرض الجماهير للسطو المقنن على ما لها مثل ما يسطى على قيمها وأخلاقها، وكله يهون في سبيل  الفن!

الدور الذي يقوم به الفن: 

النقاد المنتصبون للتبشير بما يصطلحون عليه بالفن، يقولون عنه كثيرا من المقولات الجميلة، من تهذيب الشعور، والرقي بالنفس، ومعالجة قضايا المجتمع، وما إليه من الكلمات التي لا تخطئنا ونحن نقرأ للأقلام إياها، ولكن ذلك السمو والرقي المتحدث عنه- كما يشهد الواقع- هو سمو ورقي من نوع آخر، ولا يشبه ذلك القائم في أذهاننا كأمة مسلمة على الإطلاق، فهز الصدور وتمايل الخصور العارية مثلا مع الإيقاعات الجنسية الواضحة فن راق، والكلمات الساقطة والألفاظ المبتذلة التي يتفوه بها سعيد صالح أو غيره معالجة لقضايا المجتمع، والقبلات المحمومة والسلوك الطائش تصوير للواقع إلى غير ذلك من مقولات الكهان العصريين وسدنة الأصنام الجديدة،

على أن الوظيفة التي قام بها هذا الفن- وما زال- هو تحطيم قيمنا والإهواء عليها بمعاول من حديد، وذلك من خلال المفاهيم التي سودها وبشر بها ومن خلال التجارب العملية التي يسوقها لتعليم الفجور والسقوط والجريمة.

ولا شك أن هذا الفن كان عمادًا هامًا للبطش والتسلط والإرهاب، فلعل من أنجح أسلحة الدكتاتورية الناصرية- مثلا- هذا الفن بجانب رفاقه من «الأهلي» و«الزمالك» والصحافة التي لا تقصر في الإبداع في دعم الباطل ورفده بكل ما يحتاج إليه من تبرير.

والتاريخ على مختلفه، شاهد على أن الملاهي بأنواعها وعناوينها وأسمائها المختلفة التي تطلق عليها هي من دعامات الطغيان الأولى، بل لا بقاء للطغيان بدونها.

وإن كانت حركة الفنون جزءًا لا يتجزأ من واقع المجتمع والأمة، إلا أن واقعنا القائم الآن مصنوع في أكبر جوانبه وأعظمها، وإلا فإن هذا الضياع والتضييع المسمى باسم الفن، والذي ينفق عليه من مال الأمة وعرقها، هو أبعد ما يكون عن أمتنا ورسالتها وما يرتجى لها، ولكن الطغيان الجاثم على الساحة الآن مصيره مرهون ببقاء مثل هذه الأشياء ولذا؛ فتفريطه فيها مستحيل.

حتى لا نخدع

بل حتى النماذج المسرحية - مثلا - والتي يستشهد بها كصورة من «المعالجة»- زعموا- لقضايا المجتمع ومشكلاته كالمسرحيات السياسية- مثلًا- لا تخرج عن أن تكون خادمًا للطغيان بسبيل آخر وهو «التنفيس»، لقد كانت الأمة- فيما سبق- تكظم غيظها وتشحن نفسها بالغضب ضد ما يتصادم ومصالحها، حتى إذا حانت لحظة الانفجار هبت هبة واحدة لتحقق مرادها ومناها، أما الآن فقد أوجد الطغيان الحديث صورا موظفة لتنفيس مشاعر الأمة وتبديدها، وهي هذه المسرحيات والتمثيليات السياسية.

ولنسق مثالًا على ذلك، فشخصية دريد لحام، له عديد من التمثيليات والمسرحيات السياسية- كما يقال- ولكن الواضح والمشاهد أن وظيفة مسرحياته هذه هو «التنفيس» الذي يقلل من الضغط المؤدي للانفجار، وإلا فالنظام القائم في بلده لا يسمح بأية معارضة، ويقال إن النظام بنفسه هناك يباشر حضور العروض الأولى لمسرحياته!! وذلك بالطبع تقديرًا للخدمات الجليلة التي يقوم بها دريد وعصابته.

ولعل وصفة دريد الموظفة محليًا فاقت في جدواها حدود حاجة نظام بلده، فصارت موظفة في إطار أكبر في معظم أجزاء الساحة العربية، ومن هنا بدأنا نشاهد انتشاره الكبير، وستكتفي الجماهير الطيبة بإبداء الإعجاب على هذه القدرات والمواهب، وبالتأمين على عبارات دريد اللاذعة والتصفيق لما ناب بالتعبير عنها، وتتحاكى ذلك وتتحدث به في مجالسها والسوء تمضي مسيرته ممتدة في كل الأنحاء، بعد أن أمن أمثال دريد ظهره وحموه مما يراد به!

ومحاولة للسطو جديدة:

في أيام حصار بيروت ذهب وفد من الفنانين المصريين إلى هناك، وأبدى مؤازرته لمنظمة التحرير وكفاحها وصمودها، ثم عاد إلى القاهرة ليبدأ أعضاؤه في التصريحات والدعوة لتبني مؤازرة لبنان وفلسطين، وكما قلنا في مكان آخر من هذا المقال إن هذه محاولة لتكميل صفات البطولة في أوساط السادة الفنانين، ولكن الشيء الذي لا يفوت علينا في حياتنا الواقعية أن أجدى وسيلة للإجهاز على القضايا تسليط غير أهلها عليها، أو أولئك الذين يشكلون مضادا عمليا لها.

ولا نجبر- ولا نستطيع- على السادة أهل الفن إبداء مشاعرهم والتعبير عنها، ولكن خبرتنا بهم لا تجعلنا نتفاءل بوطنيتهم وحماستهم المفاجئة هذه لأصدق ما نملك من قضايا وفي هذا الوقت بالذات.

ونخشى ما نخشاه أن يكون هذا توظيفًا جديدًا للفن وأهله، بتسليطه على هذه القضية حتى يفرغها من كل محتوى جاد لها، ويحيلها إلى ملهاة مع الكثير الذي أحاله من قيم الأمة ومثلها.

مزايدة إلا على هذه:

لقد أفسد اليساريون كثيرًا من قضايا الأمة الجادة بتبنيهم وتصديهم لها، حتى لكأن الأعداء فطنوا إلى الحاجز النفسي الفاصل بينهم وبين جماهير أمتهم، فصاروا يؤمنون إليهم بتبني كل قضية مهمة ومصيرية لقناعتهم بأن جمهور الأمة يبغض كل ما يتصدون إليه وينفرون منه وإن كان أمرًا مصيريًا. 

واليساريون الذين كانوا أوائل المبشرين بالحل السلمي، مع «إسرائيل» نراهم اليوم يتباكون على فلسطين الأسيرة ومصابها الأليم، وليتباكوا ما شاؤوا فهم ليسوا أول قاتل يتباكى على ضحيته ويمشي لدفنها وفي الصف الأول.

ولكن الجريمة الأخرى لليسار أن بينهم وبين أهل الفن علائق أزلية- كما يقولون- ولعل الجامع بينهما أن وظيفة كليهما في عالمنا الإسلامي تقويض دعائم المجتمع، وتدمير بنائه، وقد شاء الله أن تكون للأقلام اليسارية وما شابهها من أصحاب مقاصد التهديم للإسلام، ودعائمه أن تكون مسيطرة على معظم صحافتنا اليوم، وعلى غير قليل من أجهزة الإعلام والتوجيه، وبحكم ذلك فقد أوجدوا للأساطير «الفنية» ما أوجدوا، ولعلهم وفي الفترة الأخيرة قامت نياتهم على القضاء على آخر ما تملكه من قضية جارحة مصيرية-  فلسطين- حتى إذا أزاحوها من طريقهم تهيأ لهم السبيل جميعا للقيام بالدور الموكول إليهم. 

لا سبيل لإدراك الحقائق الآن: 

إننا لا نملك الأدلة الحسية على صدق ما نقول، ونعلم أن الجو السائد الآن بظلمته الشديدة الضاربة في كل الأنحاء لا يسمح بتلمح شيء قليل مما يدور في ساحتنا العربية المسلمة، ولكن الأيادي الخارجية ووسيطتها المحلية تجيد توظيف النوازع النفسية والاجتماعية في أوساط أمتنا هذه، إن الإمامة في الصلاة مثلا إذا أوكلت لأحد المهرجين من ممثلي الوسط الفني إياه- لا قدر الله- يكون ذلك إفسادًا لمعنى الإمامة والصلاة وتفريغ للعبادة من معناها بتسليط مستهتر عليها، ولو تصورنا انتصاب واحدة من الممثلات اللائي يتبادلن الأدوار الخليعة للتبشير بالعفة والشرف والفضيلة، فذلك أيضا تفريغ لهذه المسميات من معانيها وقس على ذلك ما شئت من أمور.

إن لكل دور صاحبه المناسب له، وأهل الفن هؤلاء لا يخطئون التقدير حين نسبة أدوار الشر لأصحابها- مثلا- ويذودون عن ذلك بكل ما يستطيعون، فبمقاييسهم هم سيظلمون أنفسهم كثيرا بتصديهم لدور المنافح عن قضية الأمة الأولى اليوم، ولو كانوا صادقين في مشاعرهم، فإن أعظم خدمة يؤدونها في هذا المقام هو الابتعاد التام عنه!!

ولعلهم يراجعون «المخرج» الخارجي الذي لا ندري إن كان أمريكيا أو يهوديا ليراجعوه على كل حال، ويقنعوه بأنهم لم يخلقوا لهذا: أو أن هذا الدور لا يناسبهم كما يقول معجمهم الفني! 

اشتباه في غير محله:

لعل أهل الفن الكرام اشتبهت عليهم الرؤى - وهم محقون- فقد رأوا كل الساحات الطاهرة والقضايا السامية تصدت لها الأيدي الدنسة وسيطرت عليها كأشد ما يكون، ويبدو أنهم اعتبروا بأشقائهم في المهنة من اليساريين، أولئك الذين فطنوا إلى أن السبيل الأجدى لتحطيم قيم الأمة هو ركوب قضاياها ثم الضرب بمعول الهدم من خلال ذلك، فيأمنون عدم المساءلة عن ذلك الإجرام بحكم تسترهم بدثار الشرف الذي يحمي كل من انتسب إليه، مهما كان بعيدا بمعانيه عنه، وقاسوا على ذلك وحاولوا النسج عليه،

ولكن يبدو أنه اشتباه في غير محله، ذلك أن الظلام الدامس الذي سد على الأمة أفق الرؤية عن حقيقة ما يراد بها، لا بد أن يزول مهما طال الزمان، ومحال أن يمتد النوم إلى ما لا نهاية ولا بد أن نفيق.. لا بد أن نفيق.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 10

103

الثلاثاء 19-مايو-1970

الصحافة على مائدة الرسول