العنوان قطاع غزة.. كيف عاش مواطنوه في ظل الطقس القاسي؟
الكاتب عبدالله علوان
تاريخ النشر الأحد 01-فبراير-2015
مشاهدات 83
نشر في العدد 2080
نشر في الصفحة 52
الأحد 01-فبراير-2015
لجؤوا إلى الخيام بعد تهدم منازلهم في العدوان الصهيوني الأخير
يخشون من معاناة أخرى في فصل الصيف إذا لم يتم إعمار منازلهم
المنخفضات الجوية تشكل لدى الغزيين هاجساً وقلقاً كبيراً
الكهرباء السمة الأبرز لمعاناة الغزيين وخاصة في ظل الظروف الجوية الصعبة
وسط عشرات البيوت المهدَّمة، تنتصب مجموعة من الخيام, يخيَّل للناظر من بعيد أنها أقيمت لأغراض زراعية، أو لأي أمر آخر غير أن يكون مأوى لإنسان، وما أن يقترب شيئاً فشيئاً حتى يصطدم بالواقع الأليم, ليجد الأمر على عكس ما كان يتوقع, فهذه الخيام تضم بين جنباتها مجموعة من الناس ممن تهدمت بيوتهم, فاضطروا للعيش فيها، رغم أنها لا تحميهم من برد الشتاء, ولا غزارة الأمطار، كما أنها في فصل الصيف تشتعل عليهم حرارة.
اقتربنا من تلك الخيام، فأخذنا جولة لنتفحص حالها, ونرى عن قرب كيف يعيش هؤلاء الناس بعد أن كانوا يسكنون في بيوتهم الآمنة والواسعة، وقد ساقنا القدر أن ندخل إحدى تلك الخيام في حي الشجاعية شرقي مدينة غزة, لنجد شيخاً طاعناً في السن، تبدو على وجهه علامات الضيق والانهاك والشقاء, فقسمات وجهه تعطيك الجواب قبل أن تبادر بالسؤال، وتدلك على مدى البؤس الذي يعيشونه.
الحاج أبو أحمد شمالي، صاحب أحد البيوت التي دمرتها قوات الاحتلال الصهيوني في حربها الأخيرة على قطاع غزة, وهو واحد من أولئك المتضررين من سياسة هدم البيوت التي اتبعتها سلطات الاحتلال في الحرب، وبعد أن كان ينعم بمسكن واسع تتعدى مساحته 600 متر، يسكن اليوم هو وأكثر من 25 فرداً من عائلته في خيمة متواضعة لا تكفي في وسعها لبضعة أشخاص، فكيف إن كانت لا تتوافر فيها إلى جانب ضيق مساحتها أي مقومات الحماية والتدفئة، وأساسيات الحياة التي لا يمكن أن يستغني عنها الإنسان.
كوابيس مرعبة
وفي سؤالنا له عن ظروفهم التي عاشوها في ظل المنخفض الجوي الشديد، قال الحاج أبو أحمد لـ"المجتمع": إنهم يعيشون أوضاعاً سيئة في الظروف العادية، فكيف في ظل هذا المنخفض الجوي الذي تأثر منه أصحاب البيوت المكيفة؟! ويعبّر عما عاشوه بكلمات متقطعة, وبنبرة ممزوجة بالدموع قائلاً: عشنا في كوابيس مرعبة، لدرجة أننا تمنينا ألا تسقط الأمطار نهائياً على ما فيها من خير لكل شيء, وذلك لشدة ما نواجهه من الغرق، والرياح العاتية، والبرد الشديد.
ويضيف شمالي: إن مياه الأمطار دخلت إلى الخيمة؛ فأغرقت ما فيها من مقتنيات وحوائج, كما أشار إلى عواصف الرياح التي كادت أن تقتلع الخيمة من أوتادها.
ضرورة الإعمار
ولا يختلف حال عائلة شمالي عن عائلة المواطن محمد اللوح الذي افتتح حديثه متحسراً على شقته السكنية التي لم تبلغ العام من عمرها، وكلفته 22 ألف دولار، مازال في ذمته منها للدائنين 5 آلاف، وقد زاد الحمل قبل أيام باستدانته ألفاً جديداً لبناء منزل بدائي أسوة بأقاربه وجيرانه.
وفي وصف مشابه تماماً لما تحدث به الحاج أبو أحمد شمالي، قال المواطن محمد اللوح: إننا لا نستطيع العيش في ظل هذه الظروف الباردة, مشيراً إلى أن الأمطار تغمر الخيام وتخترقها لتتساقط عليهم وعلى أطفالهم, متسائلاً: هل يمكن للخيمة أن تحمينا من الشتاء بما يحمله من أمطار, ورياح عاصفة, وبرد قارس.
وعبّر اللوح عن خشيته من أنه إذا لم يتم إعمار منازلهم بأسرع وقت ممكن؛ فإنهم بانتظار معاناة أخرى ربما تكون أشد وأقسى مما هي عليه الآن، وهي قدوم فصل الصيف الذي تشتد فيه الحرارة، وتزداد داخل الخيام, وبالتالي ستزداد المأساة وتتفاقم المعاناة أكثر، مناشداً الجهات المانحة والمؤسسات المعنية بالإعمار بضرورة الإسراع في بناء البيوت المهدمة.
ويعيش أكثر من 16 ألف أسرة في قطاع غزة في ظروف مشابهة لوضع المواطنَيْن أبي شمالة، واللوح، بعد تدمير بيوتهم من قبل طائرات الاحتلال الصهيوني.
ولا يقل السكن في الخيام ألماً ومعاناة عن السكن في أماكن اللجوء, ومراكز الإيواء التي لجأ إليها البعض ممن هدمت بيوتهم, حيث يشتكون من شدة البرودة التي تعصف بهم, ويفتقدون إلى الكثير من المتطلبات والاحتياجات الأساسية, فضلاً عن ضيق تلك الأماكن واكتظاظ السكان فيها.
تجاهل للمأساة
وقد استخدمت سلطات الاحتلال الصهيوني سياسة هدم البيوت في عدوانها الأخير على قطاع غزة الذي شنّته في السابع من يوليو 2014م، في سبيل الضغط على المقاومة وكسر شوكتها, وتحريض المواطنين عليها للقبول بالشروط التي تفرضها سلطات الاحتلال.
ولم تقتصر معاناة الغزيين وخاصة أصحاب البيوت المهدمة على ما أصابهم من تقلبات الطقس والأجواء شديدة البرودة, وإنما تعدت إلى تجاهل المؤسسات الدولية, والجهات الحكومية لهم, فإلي جانب تلك الظروف الصعبة التي يعيشونها، فإنهم يشتكون من عدم تقديم المساعدات المطلوبة, والاحتياجات الأساسية اللازمة لهم، خاصة وأن العديد منهم فقدوا مصدر رزقهم الوحيد بعد هدم بيوتهم.
وإن كان الحديث عن أصحاب البيوت المهدمة وما عاشوه في ظل المنخفض الجوي الشديد من أوضاع كارثية مأساوية، فليس معنى هذا أن غيرهم من المواطنين الذين لم تهدم بيوتهم يعيشون في أحسن حال, وأهدأ بال, فالمنخفضات الجوية تشكل لدى الغزيين هاجساً وقلقا كبيراً؛ وذلك لأن البنية التحتية في قطاع غزة مهترئة بالكامل, وأجهزة الصرف والمعدات اللازمة للتغلب على العقبات والمشكلات التي تحدثها المنخفضات غير موجودة أو معطلة، وإن وجدت فهي لا تغطي العجز؛ وذلك بسبب فرض الحصار الصهيوني المتواصل على قطاع غزة, والذي حال دون إدخال المعدات اللازمة والأجهزة المخصصة لتصريف المياه.
وحسب بيان لوزارة الصحة الفلسطينية، فإن ثلاثة أطفال لقوا مصرعهم بسبب البرد الشديد، بالإضافة إلى وفاة صياد غرقاً داخل البحر بعد أن أخذه الموج بسبب شدة الريح، كما أصيب 10 مواطنين آخرين جراء عمليات الاصطدام، أو سقوط بعض الأدوات عليهم من الأسطح والمرتفعات.
عمّ الظلام
لكن أبرز سمات المعاناة التي عصفت بالغزيين خلال المنخفض هي انقطاع الكهرباء المتواصل عن البيوت؛ حيث عمّ الظلام كافة محافظات القطاع, ومن شأن غياب الكهرباء عن المواطنين حرمانهم من تشغيل أجهزة التدفئة، والأجهزة اللازمة لاحتياجات البيت، فضلاً عن حرمانهم من إنارة البيوت, كما أن غيابها يؤدي إلى انقطاع المياه؛ وذلك لأن إيصال المياه مرتبط بوصول الكهرباء للبيت لتشغيل المولدات.
ويعاني سكان القطاع من أزمة حادة في الكهرباء، حيث تصل مدة انقطاع الكهرباء إلى 15 ساعة يومياً في الظروف العادية, لكنها تزداد مع قدوم فصل الشتاء وتتفاقم في ظل المنخفضات الجوية، وكان من نتائج انقطاع الكهرباء على السكان وفاة 27 شخصاً في فترات متفاوتة نتيجة الحرق والاختناق، من بينهم أكثر من 20 طفلاً، وبدأ العام الجديد 2015م بوفاة طفلين من عائلة الهبيل على نفس المشكلة،
ويحتاج قطاع غزة إلى 450 ميجاوات من الكهرباء حتى تعمل الكهرباء طوال اليوم, ولا يصل من الكمية 248 ميجاوات بنسبة 55%.
ومن خلال تسليط الضوء على جزء من معاناة الغزيين، فإن الواقع الذي يعيشونه غير مسبوق من حيث الألم والمعاناة، ومن حديث بعض المواطنين، فإن الحياة التي يعيشونها اليوم لم يتخيلها أحد قبل ذلك، على الرغم من أنها لم تكن قبل ذلك حافلة بالنعيم والرفاهية، مستقبلاً فإن الأمور إذا ما استمرت على هذه الشاكلة ستكون الحياة أشد بؤساً وأكثر ضيقاً، وينتظر الغزيون بفارغ الصبر، وبشعور يشوبه الخوف والقلق، ما ستحمله الأيام القادمة لهم, وما سيسفر عنه المستقبل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل