; عن الهجرة الموسمية - تعددت أهداف المهاجرين صيفًا، والسبب واحد.. هو الحر | مجلة المجتمع

العنوان عن الهجرة الموسمية - تعددت أهداف المهاجرين صيفًا، والسبب واحد.. هو الحر

الكاتب أبو هالة

تاريخ النشر الثلاثاء 13-يونيو-1972

مشاهدات 76

نشر في العدد 104

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 13-يونيو-1972

عن الهجرة الموسمية

تعددت أهداف المهاجرين صيفًا، والسبب واحد.. هو الحر

                                                                                تحقيق: أبو هالة

•• عجيب أمر هذا الإنسان، رأيتني أنطق بهذه العبارة وسط الحشود الهائلة، التي تزحــــــم مكاتب شركات الطيران هذه الأيام، حتى اضطرت المسؤولين فيها إلى إعلان حالة الطوارئ والتشغيل على أقصى مستواه، وتساءلت في نفسي هل هو حب التغيير والانتقال لمجرد التغيير والانتقال فقط أم إن وراء ذلك رغبة كامنة في النفس من مجاراة التقليد والإعلان عن سفر فلان وفلانة للتصيف؟

- أم يا ترى هو نوع من الهجرة لدراسة الشعوب والاستفادة من التعارف والاختلاط بها.. أم إن هذه تخفي وراءها رغبة في الانطلاق من قيود المجتمع، الذي عاشت تقاليده ونظراته إلى حيث لا رقيب ولا تقاليد.. لتنساح على الشواطئ ممدة على الرمال بلا ضوابط أو قيود؟

- وهل هو رغبة أكيدة في الزينة وتجديد النشاط والتمتع بالأجواء الندية الصحية..

ليعودوا أكثر نشاطًا وأقوى حيوية، فيبدؤوا العام الجديد بكل قوة وهمة ونشاط.. أم إنه هروب من الحر القائظ والرطوبة.. لتتبعه بعد ذلك عملية هروب من شدة البرودة وقسوة السيول.. وما دامت النقود والأموال في أيديهم، فما يمنع الذهاب إلى المصايف تارة والمشاتي تارة أخرى؟!

•• عن لي أن أتوجه الى مطار الكويت الدولي لعلي أستطيع أن أصل إلى بعض الأهداف والغايات التي يسعى إليها هؤلاء المصطافون.

مع بعض المدرسين

•• وكانت أول وقفتي مع بعض المدرسين الذين تجمعوا في صالة المسافرين.. وحاولت أن أظفر منهم بجواب.. لكن جريانهم هنا وهناك وراء الحقائب عند الموازين، التي أفرغوا فيها مرتبات الأربعة شهور، جعلتني لا أسمع منهم جوابًا إلا «مسافرون.. تغيير.. زيارة الأهل».

•• وحاولت بجهد جهيد أن أوقف تقدم أحدهم، الذي لم يدع لي فرصة لسؤاله عن اسمه، وبادرته بالسؤال ليجيبني شعرًا، أيقنت معه أنه مدرس لغة عربية:

سافر تجد عوضًا عمن تفارقه

                                     وانصب فإن لذيذ العيش في النصب

إني رأيت وقوف الماء يفسده

                                     إن سال طاب وإن لم يجر لم يطب

والأسد لولا فراق الغاب ما افترست

                                    والسهم لولا فراق القوس لم يصب

والشمس لو وقفت في الفلك دائمة

                                لملها الناس من عجم ومن عرب

والسهم لولا فراق القوس لم يصب.. والشمس لو وقفت في الفلك دائمة.. لملها الناس من عجم ومن عرب.

•• وانتظمت في الطابور أجد متسعًا من الوقت للإجابة، إلا أن لهفة المسافر وسؤاله المتكرر عن موعد الطائرة، واطمئنانه على مقدار الحمولة وتجاوزه من عدمه.. والصغار الذين يدورون حولهم في فرحة لركوب الطائرة جعلت صاحبنا الآخر يقتضب في الإجابة: بلادي وإن جارت علي عزيزة.

مع بعض أهل البادية.. والزواج

•• وكان الذي لفت نظري بعض من أعرفهم من أهل البادية، يقفون في الطابور أمام شركة الطيران الكويتية الذين أجابوا: شهر واحد.. نتعرف فيه على بلاد الله.. ونعرف الدنيا.. ونرى الناس ونتمتع بالأجواء.

وقال أحدهم في صراحة: ونطلب الزواج!

فقلت: كيف؟

قال: نتزوج عربية، نهجن النسل.. هل هذا حرام؟!

فرد عليه آخر:

 ما زلنا ندور في حلقة بنات العم، وتسلط «الربع» على مقدار المهر.. وحينما يحدث أي خلاف هم الحكام باسم تقاليد القبيل.. وينزعونها من البيت رغم إرادتها وإرادة زوجها.. فغالبًا ما يكون الخلاف بين زوجها وأبيها أو أخيها.. ولا يتم الصلح بسهولة.

وقال آخر:

غلاء المهور بصورة تأتي على ما في الجيوب، وتظل بيوتنا بعد ذلك في حالة إلى التأثيث.. وإليك ما يحدث على أقل مستوى: عندنا المهر ٥٠٠ «خمسمائة» دينار للوالد، «۲۰۰» دينار للأم، ويقبضون المهر، ليسلموا الفتاة إلينا فنعد لها الجهاز، ونقيم الولائم من الذبائح أيامًا وليالي، يأكل فيها «الربع» والقبيلة، وبعد هذه التكاليف التي تصل في أدنى مستوى لها إلى ألف دينار.. بكلمة بسيطة، بغضبة من الأم أو الأب أو الأخ يسحبون ابنتهم بلا تقدير للحياة الزوجية.. لذلك رأينا زيجات من فتيات في بعض البلاد العربية لا تتكلف شيئًا من ذلك، ولا يحدث مثل هذا عندهم، فتنهدم الأسرة في لمح البصر!

• وقلت لهم: هل هذا هو الحل الوحيد؟! أما تستطيعون مواجهة العادات القاسية بعزيمة قوية في التغيير والوقوف الصلب في مواجهتها.. والاستعانة بالإسلام والقانون والسلطة؟!

• قالوا: الحل الوحيد الذي رأيناه واقتنعنا به هو هذا فقط!! أما مسألة التغيير للعادات، فسلوكنا هذا هــــــو السبيل لذلك!! أما الاستعانة بالقانون والسلطة، فذلك عيب في عرفنا لم نستطع التخلص منه بعد!!

قلت لهم: وهل تظنون بذلك أنكم جنبتم أنفسكم المشاكل؟!

قالوا: على الأقل خففنا منها.

شاب يفر من انقطاع التيار الكهربائي!

• والتقيت بشاب في نهاية عامه الدراسي بالجامعة.. فقال ساخرًا: أنا مسافر هربًا من مطاردة «وزارة الكهرباء» لأسلاك التيار في ضاحيتنا!!

فقلت له: كيف ذلك؟

فقال: نحن في أول الصيف، وسمعنا وعود المسؤولين في وزارة الكهرباء بأنهم أتموا استعدادهم لهذا الصيف، ولن ينقطع التيار.. ومع ذلك انقطع التيار في قسائمنا ثلاثة أيام متوالية.. كل مرة لا تنقص عن سبع ساعات.. وكل مرة نسمع اعتذارًا وحجة!

- فهل يا ترى أحرق في جو الصيف تحت مظلة من الوعود، والاستفسارات، والاستجوابات.. وهلم جرا.. وتضيع علي فرصة الراحة والاستجمام في الصيف؟! لذلك حجزت على الطائرة اليوم وفورًا.. حتى لا تجد نفسي مبررًا للبقاء!!

بدلًا من «السينما الكويتية»

وقال لي شاب آخر:

بدلًا من أن أظل حبيس احتكار شركة السينما بأفلام هابطة.. قررت أن أمتع نفسي بالخلوص من سيطرتها إلى شريط الحياة العالمي.. فأرى المناظر على طبيعتها.. وأحدد لنفسي الناس والأجواء واللقطات.. أليست الحياة فيلمًا عريضًا طويلًا!!

 ولما رأى على وجهي علامات التعجب قال: اطمئن، فلن أضع نفسي إلا في موضع كريم!

 إننا شعب محب للأسفار

•• واقتربت من رجل تبدو عليه علامات الجد والوقار.. وجلست بجواره وأخذت أتناول الحديث معه هنا وهناك، حتى علمت أنه ليس مسافرًا  لتصييف، وإنما لأعمال تجارية.. فكانت فرصة لطرح المشكلة:

- ألا ترى هذا الزحام على السفر للخارج؟

- ماذا في هذا؟ نحن شعب محب للسفر.. وكانت أعمالنا التجارية تفرض علينا شهورًا طويلة من العام نقضيها خارج البلاد.. فأرضنا ليست زراعية تربطنا بها.. وليست صناعية تلزمنا البقاء فيها.. وإنما بلادنا تجارية.. هذا قدر الله لنا.. فكيف نجعل من السفر مشكلة؟!

قلت له: إنفاق الأموال في الخارج على التنزه والتمتع والتصييف بغض النظر عن سفرياتك وأمثالك!

وغضب الرجل وهو يقول: المال للإنفاق لا للاحتجاز والتخزين.. سواء في الداخل والخارج.. فالعالم الآن أصبح وحدة اقتصادية لا غنى لبلد عن الآخر.. والبلد ومهارة أبنائه في جذب الأموال إليهم.. وإذا كنا ننفق الأموال على الطعام والكساء من أجل صيانة الجسد وحفظه.. ألَا يحق أن ننفق الأموال على ترويحة وصحته؟!

- كثير من الناس يعتبر هذا تبذيرًا!

- إنهم جاهلون.. فإن الترويح من صميم الضرورات للنفوس!

- إنهم يطالبون الدولة بإيجاد وسائل الترويح هنا، حتى تقف هذه الهجرة وينفق المال في الداخل!!

- بحساب بسيط.. وسائل الترفيه حتى الحدائق بأشجارها وثمارها ستشترى من الخارج.. فلا معد عن الإنفاق هناك!

وإن كان ذلك سيتيح الفرصة لغير القادرين على السفر الترويح عن أنفسهم هنا.

- ألا ترى أن الدولة لو اهتمت بالشواطئ والحدائق.. وغير هذا تستطيع أن تجعل الهجرة الصيفية في حكم العدم؟

وقال الرجل بكل تؤدة:

- لا يمكن الحد منها كمـــــــا يتصورون!!

ألم أقل إن السفر في طبعنا؟ ثم إن الجو الحار المشبع بالرطوبة في هذه الشهور، لا يساعد على الحركة والانتقال في أرجاء البلد.. ومن ثم ستجد الناس محبوسين في الدور مع المكيفات.. حتى الذين تحت أيديهم سيارات مكيفة!!

 قلت للرجل:

- ألا ترى أن هذه العملية تؤثر في دولاب العمل والإنتاج؟

- بكل تأكيد لا.. فإنهم يعطونها صورة من التضخيم والإثارة، مع أنها كما قلت قائمة في بلادنا منذ وجودها.. وإذا كانت الشركات والمصالح والدوائر تخاف على عملها.. فإن تنظيم الإجازات بين العاملين فيها على مدار الشهور الثلاثة القاسية، يجنبها المخاوف.. ويحقق راحة نفسية لموظفيها، بحيث يعودون أكثر حيويةً وقدرةً وكفاءةً.. إني لأعلم أن الشركات في كل البلاد المتقدمة تعطي موظفيها وعمالها إجازات.. وتضع لهم برامج لقضائها.. وتسهل كل وسائل الترويح والاستفادة منها، بل و تضع ضمنها برنامجًا تدريبيًا وعلميًا، للاطلاع على أحدث المخترعات والعلوم من جانب تخصصاتهم.

قلت للرجل: إذن ترك الأمر للأفراد قد لا يحقق فائدة كبيرة من السفر للخارج!

قال: إن الموضوع يتكيف حسب مستويات الناس الثقافية والعلمية والاجتماعية، فضلًا عن الأخلاقية، ولا بأس أن تقوم مكاتب حتى ولو تجارية.. لتنظيم هذه العمليات من حيث الأماكن والبرامج، بشرط أن تشرف عليها وزارة الشؤون الاجتماعية، لتضمن البرامج الهادفة وتمنع الاستغلال.

وتوزع النشرات عن البلاد الخارجية، من حيث تقاليدها وعاداتها ومنشآتها وأماكن الاستفادة فيها، وتكون على صلة بسفاراتنا وقنصلياتنا فيها.

 «على جميع المسافرين إلى «...» التوجه إلى الجوازات لإنهاء معاملاتهم»

 فاستأذن الرجل قبل أن يتم تعارفنا بالأسماء ليأخذ دوره قبل الزحام.. وحاولت أن تلتقي عيناي بمن أعرف فأستوقفه.. إلا أن كل واحد في طريقه لا يلوي على شيء.. كأنهم إلى نصب يفيضون!

أبو هالة 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل