العنوان قطوف تربوية حول قصة التائب كعب رضي الله عنه:1038
الكاتب د. حمدي عبد الحافظ
تاريخ النشر الثلاثاء 16-فبراير-1993
مشاهدات 41
نشر في العدد 1038
نشر في الصفحة 48
الثلاثاء 16-فبراير-1993
قطوف تربوية حول قصة التائب
كعب رضي الله عنه
د. حمدي عبد الحفيظ شعيب- السعودية – القصيم- بريدة
قطوف تربوية حول قصة التائب كعب رضي
الله عنه المربي الواعي.. صمام أمان عندما جاءت رسالة محمد «صلى الله عليه وسلم»
كانت فرقانا بين تصورات وتصورات وبين رؤى ورؤى كذلك بين موازين وموازين، إذ كانت
رحلة هذا المنهج لتلقين هذا الكائن البشري تلك الحقائق عميقة وطويلة الأمد، وكانت
أيضًا ثقيلة الجهد لتنفيذ تلك النقطة في حياة البشر. وعلم المسلم من أول خطواته مع
هذا المنهج الفريد أنه عالي القدر عنده سبحانه وفي نفس الوقت ثقيل المسؤولية أمامه
جل وعلا لأن هذا المنهج لا يتحقق في دنيا البشر إلا بجهدهم ومن النقطة التي يبدأون
السير منها ولتحقيق هذا الدين في الأرض لابد من توفر ثلاثة مرتكزات رئيسية هي:
المنهج والقيادة والجنود «فإنه غني عن البيان أن أي جماعة تريد أن تحقق هدفًا لابد
أن يكون لها منهج واضح وقوم يعملون في حدود هذا المنهج وأن يكون لهم قيادة» بين
القيادة والجندية مشهور 8.
كذلك تلقَّن الإنسان مفاهيم أخرى لا
تقل أهمية عن المفهوم السابق وهو ارتباط الحقيقة الإنسانية بالحقيقة الكونية لأن
هذا الوجود -شاملًا الإنسان -يتبع إلهًا واحدًا يسيره ومنه يتلقى الموازين وإليه
يتحاكم وأمامه سيسأل في نهاية رحلته مع هذا المنهج على هذه البسيطة. وفي حركته
بهذا المنهج علم أن دور القيادة في المجموعة التي تتحرك لتحقيق هذا المنهج في
الأرض يرتبط بالظاهرة الكونية التي تتلخص في «دوران بعض الخلق في فلك خَلْق آخر
مصطفى وأقوى منه بحيث يكون هذا الأقوى مركزًا للدوران ومحورًا أو بؤرة تتجمع حولها
مخلوقات أخرى ويكون مؤهلًا لأسر الأضعف وربطه به ومنعه من التفلت والاختيار ففي
بناء الكون لوحظ أنه يتكون من لبِنَاتٍ واللبنة الواحدة تتكون من نجمة ضخمة قوية
تكون بؤرة أو مركزًا تتجمع حولها نجوم كثيرة أضعف منها على شكل مجرة وأطلقوا على
هذه المجموعة اسم العنقود النجمي وتقل كثافة النجوم المتجمعة كلما بعدت عن المركز
ثم تتلوه عناقيد أخرى مماثلة من جميع الجهات كذلك في بناء الذرة المكونة لأي عنصر
حيث نجد أن النواة تتكون من بروتون واحد ويدور حوله عدد متغاير من الإلكترونات حسب
نوع العنصر «صناعة الحياة - الراشد / 1-4 بتصرف» ومن هنا يتضح خطورة دور القيادة
في الحركة الدعوية بهذا المنهج الفريد وخطورة علاقتها بالأفراد على قوة المجموعة
بل على وجودها «فالقائد جزء من الدعوة ولا دعوة بغير قيادة وعلى قدر الثقة
المتبادلة بين القائد والجنود تكون قوة نظام الجماعة وإحكام خططها ونجاحها في الوصول
إلى غايتها وتغلبها على ما يعترضها من عقبات وصعاب فأولى لهم طاعة وقول معروف ولها
حق الوالد بالرابطة القلبية والأستاذ بالإفادة العلمية والشيخ بالتربية الروحية..
«مجموعة الرسائل التعاليم: الإمام البنا 364» والقيادة هي محور العمل (وترمومتر)
البذل والنشاط لأنها مصدر التوجيه ومصدر الإشعاع العاطفي بين الأفراد «فهي قلب
العمل وأداة الانسجام والتناغم وطريق المناقلة وحزام الربط فوق أنها الرمز العاطفي
الذي يملأ الحاجات النفسية للعاملين وركن الاستناد الذي يسند المتعب ظهره إليه»
«صناعة الحياة: الراشد 115» ولعل أبرز دور للقائد داخل المجموعة هو التفقد حيث إنه
جزء خطير من مسؤولية القائد والمربي عمومًا فيجب ألا يغيب نظره عن أفراد مجموعته
في لحظة من اللحظات لأنه إذا غفل فإن عدوه إبليس ومنافسه على أصحابه لا يغفل عنهم
وإليك هذه التجربة بل المعركة التي رأي فيها هذا اللعين الثغرة التي نفذ إلى الصف
منها ولعب لعبته مع أحد الجنود الأطهار ففي أثناء الاستعداد لغزوة «تبوك» حكى
الحبيب كعب «رضوان الله عليه عن هذه القاصمة قائلًا: ولم يكن رسول الله صلى الله
عليه وسلم يريد غزوة إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله صلى
الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا واستقبل عددًا كثيرًا
فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم فأخبرهم بوجههم الذي يريد، والمسلمون مع
رسول الله كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ - يريد بذلك الديوان قال كعب: رجل يريد أن
يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفي به ما لم ينزل فيه وحي من الله «متفق عليه» فتأمل هذا
الموقف الذي شعر به هذا الصحابي الجليل فالعدد كثير وليس هناك كتاب وشعور بأنه ليس
هناك من يلاحظ تغيبه على الرغم من الخوف من نزول الوحي ولكن كان وجود المربي
الواعي المتفقد هو العاصمة التي قال عنها كعب رضى الله عنه ولم يذكرني رسول الله
صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم ما فعل كعب بن مالك؟
«متفق عليه» فبرز في هذا الموقف دوره «صلى الله عليه وسلم» كمثال فذ للقائد الواعي
الذي افتقد أحد جنوده وهو بين جيش ضخم يبلغ قوامه 30,000 «وكان أيضًا مثالًا للعربي
النابِه في هذا الموقف» «جاسم المطوع مقال بالمجتمع» بل في تلك الغزوة لم يكن كعب
«رضى الله عنه» فقط هو الذي افتقده الحبيب المحبوب «صلى الله عليه وسلم» حيث حكى
عن ذلك كعب «رضوان الله عليه» قائلًا: فبينما هو على ذلك رأى رجلًا مبيضًا يزول به
السراب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كن أبا خيثمة فإذا هو أبو خيثمة
الأنصاري وهو الذي تصدق بصاع من التمر حين لمزه المنافقون.. «متفق عليه» أي أن هذا
القائد البصير «صلوات الله عليه وسلامه» كانت عينه على كل جنوده ويده على كل
الثغور التي قد يُؤتى الصف من قبلها فأتعب عدوه إبليس اللعين ولم يستطع أن يفوز
إلا بهنات في هذا الصف المتماسك المحاط بعناية الله عز وجل ثم بعين هذا المربي
العظيم «صلى الله عليه وسلم» المتفقدة. والنظرة التفقدية للقائد لا تقف عند ميدان
المعركة فحسب بل تمتد إلى الميادين الحياتية والاجتماعية الأخرى للأفراد فبعد أن
زوج الحبيب «صلى الله عليه وسلم» جليبيبا الأنصاري من إحدى بنات بني الحارث بن
الخزرج «رضي الله عنهم» دعا لزوجهِ دعاء طيبًا: «اللهم صب عليها الخير صبًّا صبًّا
ولا تجعل عيشها كدًّا كدًّا» افتقده في مغزى له قال: هل تفقدون من أحد قالوا نفقد
فلانًا ونفقد فلانًا ونفقد فلانًا ثم قال: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: نفقد فلانًا
ونفقد فلانًا ونفقد فلانًا.
ثم قال: هل تفقدون من أحد قالوا:
لا. قال: لكني أفقد جليبيبا فاطلبوه في القتلى فنظروا فوجدوه إلى جنب سبعة قد
قتلهم ثم قتلوه فقال رسول الله «صلى الله عليه وسلم» هذا منِّي وأنا منه، يقتل
سبعة ثم قتلوه؟ هذا مني وأنا منه يقتل سبعة ثم قتلوه؟ هذا مني وأنا منه فوضعه رسول
الله صلى الله عليه وسلم على ساعديه ثم حفروا له، وماله سرير إلا ساعدي رسول الله
«صلى الله عليه وسلم» حتى وضعه في قبره، قال ثابت: فما في الأنصار أيم أنفق منها
«صفوة الصفوة ابن الجوزي 1/310-311» وقصته صلى الله عليه وسلم مع الصحابي الجليل
جابر بن عبد الله «رضي الله عنه» وسؤاله عن زواجه فأعلمه أنه قد تزوج ثيبا، قال له
صلى الله عليه وسلم مداعبًا: فهلا بكرًا تلاعبها وتلاعبك أو قال تضاحكها وتضاحكك:
«متفق عليه» وكم من مرة أعاد فيه الرسول صلى الله عليه وسلم أحد المجاهدين من
ميدان المعركة لظروف اجتماعية أسرية ورفع عنه الحرج. وفي سير المربين والقادة على
مر التاريخ الدعوي يبرز هذا السلوك في شخصيتهم فهذا نبي الله سليمان «عليه السلام»
لم يشغله مركبه العظيم من الجن والإنسان والطير أن يفتقد الهدهد ويسأل عن سبب
تخلفه عن الحضور قائلًا: ﴿مَا لِیَ لَاۤ أَرَى
ٱلۡهُدۡهُدَ أَمۡ كَانَ مِنَ ٱلۡغَاۤىِٕبِینَ﴾ (النمل: 20) وفي قصة الغلام
مع الراهب فإذا أتى الساحر ضربه، فشكا ذلك إلى الراهب «رواه مسلم» يبرز دور المربي
الذي يتفقد أحوال تلميذه، ويرفع الكلفة حتى يسمع شكواه المتكررة يوميًّا والتي قد
تؤثر على سيره.
وفي قصة يوسف مع أبيه يعقوب «عليهما السلام» واختيار يوسف لأبيه ليحكي له رؤياه دلالة - كما يحكي أحد الأساتذة المربين على العلاقة المفروضة بين الوالد وولده وما يلزم ذلك من تفقد ورعاية ونصح ترى ما هي النتيجة التي كان من المتوقع حدوثها - والله أعلم - وأثر ذلك على مسيرة يوسف الدعوية لو لم يسمع هذه النصيحة: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (5)﴾ (يوسف: 5) وفي المسيرة الدعوية الحديثة لَمْ نَعْدَم لآلئ تربوية حيث حكى الأستاذ البنا رحمه الله «حتى وصل القطار إلى السويس ونزلت من القطار فوجدت الإخوان متجمعين في انتظاري فعانقتهم، ولاحظت أن واحدًا منهم كان يقف وحده بعيدًا فقربت منه فرأيت على وجهه أثر الحزن فتركت الإخوان وانتحيت به جانبًا وسألته عما يحزنه، وتمضي القصة فيحكي له عن مشكلة أسرية تحزنه وهي مرض زوجته العصبي الخطير فيذهب معه فورًا ويساعده في علاجها» «أحداث صنعت التاريخ: محمود عبد الحليم 1/187» وهذه السمات القيادية أيها الأخ الحبيب.. لعمر الله إنها ليست سلوكيات متكلفة ولكنها صفات وواجبات حقت على من أراد أن يسير سيرهم. ولكل في مسيرة الإسلام التجديدية دور فإن أردت فعليك بسنتهم وارفع لواءك سائرًا مفتخرًا. «أولئك آبائي فجئني بمثلهم.. إذا جمعتنا يا جرير المجامع»
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل