العنوان قف.. وانظر حولك
الكاتب د. عادل شلبي
تاريخ النشر السبت 09-فبراير-2002
مشاهدات 73
نشر في العدد 1488
نشر في الصفحة 42
السبت 09-فبراير-2002
زحام.. ضجيج.. أصوات.. مشاة.. سيارات.. مشاحنات.. عنف.. سفك دماء.. سرقة... تنافس.. أحقاد.. مكائد.. تقدم علمي، تنافس تكنولوجي، ثورة في المعلومات سباق تسلح الأيام تجري من تحت قدميك، والأطفال يكبرون تحت بصرك.. وأنت في الدوامة تتخبط لا تدري ماذا تفعل؟، هذا يدفعك نحو اليمين وذاك يردك ذات الشمال، وهذه الصدمات تأتي من فوق رأسك والأرض تتزلزل من تحتك وأنت ما زلت لا تدري ماذا تفعل، بل لا تفكر أصلًا في أنك يجب أن تفعل... مُغَيب أو مُخدر.. تسعد بما لا يجب أن به تسعد.. وتحزن على ما لا يجب أن تحزن عليه.. يكبر ولدك أمام عينيك فتسعد.. يضعف نظرك فتضع نظارة طبية تباهي بها وتفخر، تتساقط أسنانك الواحدة تلو الأخرى، فتصمم أسنانًا أخرى، فتبتسم كثيرًا حتى تظهر، يصعب عليك السير شيئًا فشيئًا بسبب تيبس مفاصلك، فتعتمد على عصا عاجية فخمة بها تتفاخر وتسعد.. يصف لك طبيب القلب أقراصًا تأخذها عند الأزمة، فتخرجها من علبتها الفاخرة عندما تنفعل لتضع القرص تحت لسانك في مشهد سينمائي لعلك تظهر.
و لا تدري يا مسكين أن كل ما حدث لك ويحدث من حولك إنما يعني الاقتراب من آخر المطاف.. نهاية المسير.. قرب انتهاء صفحة الحياة التي بدأت تخط فيها أعمالك وأفعالك وأوهامك وأحلامك منذ أول يوم ضربت فيها الأرض بقدميك باكيًا لا تدري لماذا تبكي؟ ثم تبتسم لأبسط الأشياء، والآن أصبحت متبلد الحس لا تبكي لأعظم الأمور ولا تضحك في عز الفرح والسرور لا تعبأ بهذا ولا ذاك لا يهمك إلا جمع المال والسعي وراء الشهرة.. أفق يا أخي، قف وانظر حولك، واستمر في التوقف وانظر في المرآة واغلق باب الحجرة لترى ما لم تكن تراه ولم تترك لك الحياة فرصة أن تراه.
والآن نم على سريرك واغمض عينيك... واسترجع شريط الذكريات منذ أن ولدتك أمك ملقى على ظهرك، ثم انبطحت أرضًا لتزحف على بطنك، ثم اعتدلت لتسير على قدميك وبعدها، اشتد عودك وخشن صوتك، وتمردت على كل من حولك. وأصبحت تباري الجميع بمن فيهم أهلك، وأول تمرد لك كان على أبيك وأمك، وأول ما انتقدت الحضن الذي ضمك والعش الذي لمَّك... ثم بحثت عن حضن آخر وعش جديد يطفئ لهيب شوقك وكان أول شرط طلب منك أن تقاطع أهلك كي تعيش سعيدًا، في عشك الجديد، فضحك سنك، وقلت هذا شيء زهيد.
وهذا هو ولدك يشتد عوده، فلا تفرح ويخشن صوته فلا تسعد ويعلو في وجهك صوته فلا تحزن، فالتاريخ يعيد نفسه. والله يدفع الناس بالناس كي تستمر الحياة ولا تفسد، وكذلك كنتم من قبل، بل كنت تجحد، فاغمض عينك يا حبيبي ثم اغمض عينيك أكثر وأكثر، لعلك تجد فيها ولو دمعة واحدة بقيت لك لم تذرفها طيلة عمرك كي تذرفها على نفسك، ومستقبلك، وكل عمرك الذي ضاع منك تتنقل فيه من مكروه إلى منكر، وتتلذذ فيه بالمعاصي ولا تنكر.
فماذا أعددت للقاء ربك وقد دنا أجلك ماذا ستقول إذا حاجك ربك وقد أعطاك سمعك وبصرك، وخلقك في أجمل صورة، ثم عدلك وأعطاك المال والمنصب والزوجة، والولد والصحة؟.. فماذا ستقول يوم المحشر؟.. سينتهي بك المسير إلى هناك، وما أدراك ما هناك حر، وعرق، وشمس دنت من الرؤوس، ونار وزقوم وحميم يشوي الوجوه، ووقوف خمسين ألف سنة ومرور على الصراط كل ذلك في ظلام دامس يتخبط فيه الناس إلا من رضي الله عنهم ورضوا عنه.. لهم نور يتقدمهم وينير لهم، لهم ظل يظلهم من الغمام أو يجلسون في ظل عرش الرحمن... ويقفون على منابر من نور يغبطهم كل الناس حتى النبيين والشهداء فاختر يا صديقي أي الفريقين تحب وتهوى، وقس نفسك بمقياس الحق وحاسب نفسك قبل أن يحاسبك ربك.. قس نفسك على أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وخالد وطلحة وأبي هريرة وحبيب، وأبي الدحداح والزبير ومصعب.. لتعلم حقيقة حجمك، وحقيقة موقفك.
حاسب نفسك قبل أن تسحب كل البسط من تحتك، وينفض كل الناس من حولك، وتخور قواك وجهدك وينضب المال من جيبك.
حاسب نفسك قبل أن يأتيك الطبيب فلا يجد ماذا يقول ويفعل حاسب نفسك قبل أن يتهامس الجميع أمام عينيك لا أمل تقريبًا سيرحل عندها ستندم لأنك لم تعمل ولم تنفق وتبذل وعندها تتمنى يومًا واحدًا لتصلي فيه وتتصدق وتعمل...
عندها سيُقال لك كلا وألف كلا، فلقد لبثت فيها مليًا، وأعطيت الفرصة تلو الفرصة، فلم تتعظ، ولم تفهم، ولم تعمل، بعدها يحفر لك في الأرض حفرة لا تسع إلا إياك وينهال التراب فيها عليك وتحجب عن العالم بالطين، ويتركك الجميع وحدك... ويذهب الجميع لتوزيع إرتك، ثم تنسى ككل من نسي من قبلك، ويسألك الملكان وحدك، وتعذب في قبرك وحدك، فتنادي فيه بأعلى صوتك على أهلك تصدقوا على صدقة جارية من مالي، ولسان حالهم يقول هذا لم يعد مالك بل صار مال ولدك وتنادي بأعلى صوتك صلوا عليَّ وادعوا لي واقرؤوا القرآن من أجلي علِّي أرحم أو يخفف العذاب عنى، ولسان حال أهلك يقول ليس لدينا وقت كي نبذله لك كما لم يكن أنت لديك وقت تبذله لنفسك أو من أجل نفسك، وعندها ستندم لأنك ضيعت وقتك وكثرت مالك لولدك وأزهقت بالبخس نفسك.
فيا أخي
أفق الآن.. وما زلت تملك صحتك ومالك ووقتك.
أفق الآن.. قبل أن تسحب كل البسط من تحت قدمك.
أفق الآن قبل أن تتوه في دوامة الحياة، ولا تفيق إلا عندما تقضي نحبك.
أفق الآن.. قبل أن يصم سمعك، ويشخص بصرك، ويتوقف عن النبض قلبك.
أفق الآن.. قبل أن يقضى إليك أجلك.
أفق الآن قبل أن تقول: يا ليت، ويقال لك: الآن وقد جف المداد، ورفع إلى ربك الكتاب؟.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل