; قمة سراييفو.. والتغيير القسري للبلقان | مجلة المجتمع

العنوان قمة سراييفو.. والتغيير القسري للبلقان

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 10-أغسطس-1999

مشاهدات 68

نشر في العدد 1362

نشر في الصفحة 25

الثلاثاء 10-أغسطس-1999

في الثامن والعشرين من يوليو الماضي عقدت قمة بروكسل لجمع التبرعات لدول البلقان، وفي الثلاثين من الشهر نفسه، عقدت قمة سراييفو بحضور ممثلين عن أربعين دولة تحت عنوان إعادة الاستقرار للبلقان.

البعض تفاءل ببلقان جديد تمد له أوروبا وأمريكا يد العون للخروج من محنته التي استمرت قرابة قرن من الزمان، لكن تصريحًا من الخارجية الأمريكية قبل يوم من قمة سراييفو أطلق رصاصة الرحمة على أي أمل في تقديم مساعدات حقيقية، فقد جاء في التصريح الأمريكي «هذه القمة تعقد من أجل رسم خريطة جديدة للبلقان وليس لتقديم أموال نقدية».

قمة سراييفو، حدث مهم أرادت أوروبا أن تختم به قرن المتاعب والمشكلات والحروب الممتدة منذ الحرب التركية الروسية ومرورًا بحروب البلقان والحربين العالميتين الأولى والثانية، ثم حروب يوغسلافيا وآخرها كوسوفا.

حاولت أوروبا أن تحل مشكلاتها منفردة لكنها في كل مرة كانت تحتاج إلى أمريكا، فهل قررت التخلي هذه المرة عن الدور الأمريكي الذي عادة ما يأتي على فوهة المدافع والصواريخ والبوارج الحربية، وكما قال أحد المحللين السياسيين الأوروبيين «أمريكا دفعت ثمن القنابل التي دمرت بها البلقان وعلينا أن ندفع ثمن إعمار ما خربته تلك القنابل».

▪ خطة إعادة الاستقرار

ليست كما يظن البعض خطة للإعمار وتقديم العون لبلدان تضررت مباشرة أو بطريق غير مباشر من الحرب في يوغسلافيا، وهي ليست خطة مارشال للنهوض باقتصاد تلك الدول، كما كان الحال مع أوروبا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، فخطة مارشال التي قدمت بموجبها أمريكا مساعدات وقروضًا لأوروبا في الفترة من ١٩٤٩ إلى ١٩٥٣م آتت أكلها ونجحت تلك الدول في العودة إلى خريطة العالم للأسباب التالية:

1. هذه الدول انتهجت النهج الديمقراطي وكانت لديها مؤسسات تؤمن بالتعددية ومبدأ تبادل السلطة.

2. كان لهذه الدول مؤسسات اقتصادية تطبق اقتصاد السوق الحر، وترفض الاعتماد على الدولة مما أتاح لمؤسسات القطاع الخاص الاستفادة من المساعدات.

3. كانت أمريكا تخشى على هذه الدول من المد الشيوعي لذا بادرت بتقديم يد العون لها.

أما البلقان فالصورة مختلفة جدًّا:

1. هذه الدول لم تعرف سوى الحكم الشمولي والحزب الواحد.

2. لم تطبق وعلى مدار نصف قرن سوی النظام الشيوعي وفي أحسن الحالات النظام الاشتراكي بفساده المعهود.

3. رغم انهيار الشيوعية في معظم بلدان أوروبا، إلا أن أكثر دول البلقان ما زال يتعثر في خطوات التغيير السياسي والاقتصادي.

ولعل من المفيد القول إن تجربة العالم مع روسيا نفسها بعد زوال الاتحاد السوفييتي تعطينا فكرة عن حجم الوقت والجهد المطلوبين لا لإعادة الإعمار، ولكن لتهيئة الأرضية المناسبة كشرط لمد يد العون لتلك البلدان، فروسيا قد حصلت على ما يقرب من 10% من إجمالي الناتج القومي لها كمساعدات غربية أو بدعم غربي وما زال الفساد ينتشر في ربوعها ومحاولات الإصلاح الاقتصادي متعثرة، ناهيك بالطبع عن الإصلاح السياسي الذي يبدو شبه مستحيل.

جاءت قمة سراييفو وعلى أجندتها ما يلي:

1. الشق السياسي ومتطلباته:

- بناء ديمقراطية على النهج الغربي.

- إقامة جمهوريات ودول متعددة العرقيات.

- احترام حقوق الإنسان.

- دعم الدول التي تطلب الانضمام إلى صيغة ما يعرف بالشراكة الأطلسية- الأوروبية.

- حرية انضمام الدول إلى تعاهدات وتحالفات أمنية.

- استبعاد يوغسلافيا لحين إحداث تغييرات ديمقراطية.

2. الشق الاقتصادي:

- تشجيع التعاون الاقتصادي الإقليمي.

- تشجيع التعاون بين دول البلقان والدول المنتسبة للشراكة الأوروبية الأطلسية.

- ستبذل كل المؤسسات المالية الدولية ما في وسعها لمساعدة دول البلقان وجنوب شرق أوروبا.

3. الشق الأمني:

- إنهاء كل أشكال التوتر الحاصل بين دول المنطقة.

- إقامة علاقات حسن الجوار واحترام الحدود الموجودة.

- عدم اعتماد الحلول العسكرية لحل النزاعات.

- اعتماد وسائل المراقبة عمليات التسليح، واعتماد الشفافية والوضوح في الكشف عن مصادر التسليح.

- التعاون من أجل القضاء على الجريمة المنظمة والإرهاب وإزالة الألغام الأرضية.

وكأن القمة بمثابة درس التعليم قادة المنطقة درسًا في الأخلاق الحميدة، وضرورة نشر الحب والمحبة بين بلدان حكم بعضها أقليات لا يريد الغرب إزاحتهم لأن البديل مسلمون، كما الحال في مقدونيا والبوسنة وبعضها عبارة عن فسيفساء من الأعراق التي لا يمكنها العيش سويًا بعد صراع دام قرنًا كما الحال في يوغسلافيا الحالية التي تضم مسلمين ألبانًا وأتراكًا وسنجق، وبلغاريا التي يسام فيها المسلمون على كثرتهم سوء العذاب، لأنهم من أصل تركي.

اعتمدت القمة وجود كوسوفا تحت سيف صربيا المصلت ولم تقرر حق تقرير المصير، كما كانت العادة، بل قفزت عليه قفزًا لتطالب البعض بمواجهة الجريمة المنظمة والإرهاب.

وهكذا، فقمة سراييفو باعث أوامر الغرب إلى سكان المنطقة، فعليهم التغيير وعلى الغرب التوجيه، أما المساعدات والإصلاح الاقتصادي فإن هناك أكثر من مائة جهة من بينها دول ومؤسسات دولية ونقدية عليها أن تقدم يد العون للبلقان.

أما كوسوفا، فقد اعتمد الغرب لها في مؤتمر بروكسل قرابة ملياري دولار، ستدفع أمريكا منها ٥٠٠ مليون، وألمانيا ١٩٠ مليونًا، واليابان مليون وبريطانيا ١٤٥ مليونًا، والباقي وهو قرابة المليار على المجتمع الدولي توفيره ليتم إنفاق ۲۰۰ مليون منها على إقامة أماكن لإيواء العائدين وتغذيتهم، و۳۰۰ مليون لتعمير بعض البنى التحتية و٤٥ مليونًا رواتب موظفي إدارة الأمم المتحدة للإقليم!

علمًا بأن تكلفة إعادة الأسرة الواحدة المكونة من ستة أفراد وتسكينها تصل إلى ٢٠ ألف دولار، أي أن العائدين يحتاجون إلى ما يقرب من ٣٣٠ مليونًا للسكن فقط، بعيدًا عن الغذاء والرعاية الصحية.

الرابط المختصر :