; قمة ضخمة... ونتائج هزيلة قمة ميونيخ «الاقتصادية»... تتحول إلى مهرجان «سياسي» | مجلة المجتمع

العنوان قمة ضخمة... ونتائج هزيلة قمة ميونيخ «الاقتصادية»... تتحول إلى مهرجان «سياسي»

الكاتب نبيل شبيب

تاريخ النشر الثلاثاء 21-يوليو-1992

مشاهدات 69

نشر في العدد 1008

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 21-يوليو-1992

لقد تبدلت لقاءات القمة السنوية للدول السبعة الصناعية الكبرى تبدلًا جذريًّا عما كانت عليه وأنشئت من أجله في أواسط السبعينيات فآنذاك بدأت كل دولة تتحرك لضمان نموها الاقتصادي الذاتي تحت وطأة ازمة النفط الخام، دون أن تراعي مصالح الدول الأخرى الشريكة لها مراعاة كاملة، فأراد الرئيس الفرنسي السابق ديستان والمستشار الألماني السابق شميدت من لقاء القمة الأول عام 1975م في فرنسا أن يجتمع الرؤساء ورؤساء الحكومات- وكانوا ستة وانضمت كندا عام 1977م- في جلسة «عفوية» بعيدًا عن الأضواء وجداول الأعمال والقرارات الملزمة؛ بحيث يسهم تبادل الآراء الصريح في تجنب اتخاذ خطوات متعارضة فيما بعد، عندما تتحرك الأجهزة المختصة بعد عودة كل طرف إلى بلده.

هذه الصورة، الإيجابية في نظر المسؤولين الغربيين وكثير من المراقبين الإعلاميين، هي في مقدمة ما افتقدته قمة ميونيخ الأخيرة، وأسهم في ضياع المفعول الرئيسي المطلوب منها فغلب القول بفشلها على القول بنجاحها.. لقد تحول اللقاء الصغير على مستوى القمة إلى مؤتمر ضخم يحشد كل رئيس له مئات المرافقين، وتصل تكاليفه إلى عشرات الملايين وتحول تبادل الآراء- دون جدول أعمال- إلى بيانات تعد سلفًا، ونقاط للبحث يستحيل الاتفاق عليها خلال اللقاء بعد استحالته من قبل، وأصبح اللقاء نفسه أقرب إلى مهرجان ضخم يتابعه الألوف من رجال الصحافة والإذاعة والتلفزيون.

* المصالح الخاصة هي كل ما التقى عليه قادة الدول الصناعية الكبرى

وكان من نتائج ذلك أن كل طرف حضر إلى ميونيخ ونصب عينيه ما يهمه دون سواه، وما يجد أو لا يجد «رواجًا» داخل بلده، فالرئيس بوش- على حد تعبير أحد مستشاريه السابقين- يعتبر ميونيخ خطوة على الطريق إلى البيت الأبيض، فلا يمكن أن يقدم فيها تنازلات اقتصادية لعقد اتفاقية التجارة والجمارك الدولية مثلًا، والرئيس ميتيران جعل من سراييفو محطة ما بين القمة الأوروبية في لشبونة والقمة الصناعية في ميونيخ لإثبات الوجود الفرنسي على الساحة الأوروبية أكثر من الوجود الأمريكي بالذات، والمستشار الألماني كول كان أحرص ما يكون على تجنب ظهور القمة بمظهر الفشل وهي أول لقاء على هذا المستوى يعقد في ألمانيا الموحدة، ولكن لم يكن على استعداد لتلبية المطالب الأمريكية مثلًا بخفض الفائدة المصرفية الألمانية.

كذلك فقد كان رئيس الوزراء الياباني ميازاوا يرى في قمة ميونيخ المجال الوحيد لظهور اليابان على المسرح السياسي الدولي بما يوازي مكانتها الاقتصادية.. وكانت النتيجة أن أهم ما ينتظر من القمة الكبرى لم يتحقق وهو التنسيق على مستوى النمو الاقتصادي، فبقي الخلاف على ارتفاع الفائدة الألمانية قائمًا، وعلى الفائض التجاري الكبير لصالح اليابان قائمًا، وعلى انعدام فعالية برنامج دعم الازدهار الاقتصادي في الولايات المتحدة الأمريكية قائمًا أيضًا، بينما لم تكن الأوضاع الاقتصادية في البلدان الأربعة الأخرى تلعب دورًا رئيسيًّا وسط الاستقطاب الاقتصادي المتنامي بين بون وواشنطن وطوكيو.

كذلك فالمهمة الرئيسية الثانية لم تتحقق أيضًا فكان الإعلان عن العزم على التوصل إلى الاتفاقية العالمية الجديدة للتجارة والجمارك قبل نهاية عام 1992م، مما أثار تندر المعلقين وهم يذكرون بقرار قمة لندن قبل عام واحد أن تعقد الاتفاقية قبل نهاية عام 1991م، ولعب الفشل على الصعيد الاقتصادي دوره كدافع رئيسي لإبراز الجوانب السياسية، سواء في ذلك دعم روسيا أو الموقف من القتال الدائر في البوسنة والهرسك، ومع أن الدعم مالي اقتصادي فقد كان القرار سياسيًّا بحتًا، فالتفاصيل حول القرض الكبير بقيمة 24 مليار دولار كانت قبل قمة ميونيخ وبقيت بعدها من اختصاص الأجهزة المالية العالمية والمحادثات الثنائية. 

وكان فتح الأبواب أمام موسكو للحصول على المليار الأول منها نتيجة الاتفاق مع صندوق النقد الدولي قبل قمة ميونيخ، وليس نتيجة لها، فبقي الحديث عن اتخاذ قرار بدعم روسيا- تحت عنوان رابطة الدول المستقلة- أقرب إلى الرغبة في ألا يجد يلتسين ما وجده جورباتشوف من قبل في قمة لندن، لاسيما وقد أصبح حليفًا رئيسيًّا لواشنطن التي استخدمت ثقلها السياسي قبل انعقاد قمة ميونيخ وراء دعم يلتسين ماليًّا، دون مشاركة أمريكية كبيرة لاسيما أن الكونجرس الأمريكي نفسه لم يكن قد وافق على الدعم المالي بعد. 

ويمكن القول إن المجال الوحيد الذي سعت قمة ميونيخ لإثبات ثقلها الدولي من خلاله هو الموقف من الأحداث الدامية في البوسنة والهرسك على أن ظهورها بمظهر التهديد العسكري كان موجهًا لعدسات آلات التصوير أولًا، ويتماشى مع ما صدر عن قمة لشبونة الأوروبية من قبل، وعن قمة هلسنكي لمؤتمر الامن والتعاون في أوروبا من بعد، دون أن يواري حقيقة الاتفاق الغربي على عدم التدخل في القتال، وهو ما صدرت بصدده تصريحات واضحة قبل قمة ميونيخ وبعدها، وحتى إرسال وحدات بحرية إلى البحر الأدرياتيكي اقترن بالتأكيد على أن أقصى ما سيضعه الغرب هو حماية القوات الدولية العاملة في مطار سراييفو، وليس التدخل حيث يدور القتال بأقصى درجاته الوحشية ضد سكان القرى والمدن الآمنة داخل أرض البوسنة والهرسك. 

* الدول الغربية تترقب وصول الصرب والكروات إلى أهدافهم في البوسنة لكن صمود المسلمين يحرجهم

ويبدو أن الصمود البطولي للمسلمين دون إمكانات عسكرية تذكر قد أخرج الدول الغربية وهي تنتظر أن يصل الصربيون إلى غاياتهم، ويصل الكرواتيون إلى غاياتهم.. حتى إذا تدخلت عسكريًّا لتحفظ ماء الوجه، لم يمنع ذلك من القضاء على الوجود الإسلامي في منطقة البلقان.. وذاك ما يتوافق مع الأهداف القريبة والبعيدة التقوى الدولية، وهو ما يدفع إلى التساؤل مجددًا عما تصنع الدول الإسلامية لمنع وقوعه عبر تقديم الدعم الفعال للبوسنة والهرسك بما يتجاوز مجرد توجيه النداءات إلى ما يسمى «الأسرة الدولية» بالتدخل، وكأننا لسنا منها، أو لا ينبغي أن نتحرك أو نتصرف دونها، وهي لا تريد التحرك ولا التصرف.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

4364

الثلاثاء 24-مارس-1970

فلسطين

نشر في العدد 4

142

الثلاثاء 07-أبريل-1970

الاقتصاد الوضعي في الميزان