العنوان قناع الوطنية الزائف
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 23-مارس-1982
مشاهدات 59
نشر في العدد 564
نشر في الصفحة 32
الثلاثاء 23-مارس-1982
حب الوطن جعله اليسار العربي شعارًا فارغًا تلوكه الألسن.
عندما ظهر الشيوعيون للعلن رفعوا شعار الوطنية، وعندما أفلس اليسار حديثًا تلفع بقناع الوطنية!
نحارب اليسار لأنه عدو ولأنه من صنع بريطانيا والولايات المتحدة.
صحف اليسار تهاجم الصحوة والثورات الإسلامية وتدعي الحرية والديمقراطية!
تحت شعار الوطنية وقف الشيوعيون إلى جانب اليهود في حرب 1948 ودعوا للاعتراف بإسرائيل!
اليسار يوقع العمل الفلسطيني في فخ الدولة العلمانية تحت شعار التفرقة بين اليهود والصهيونية!
أن يتفانى الناس في خدمه أوطانهم والذود عنها، معنى أجمع عليه البشر في مختلف الأعصار والأزمان، وقد اعتبر الإسلام الدفاع عن الوطن «دار الإسلام» جهادًا في سبيل الله، لكن أن ينقلب حب الوطن إلى شعار يرفع أو لافتة تعلق، ثم يكون العمل خلافًا لذلك، بل ومناقضًا له فتلك بدعة ابتدعها المهزومون فكريًا من شيوعيين واشتراكيين ثوريين أو ليبراليين غربيين.. والمدقق يجد أن شعار الوطنية من بين شعارات أخرى زائفة أكثر من لاكه الشيوعيون والاشتراكيون الثوريون أي اليسار عمومًا بمختلف تشكيلاته وفصائله.
ونحن إذ نكشف «لعبة الوطنية» لدى اليسار لا يعني الرضى عن «اليمين» ولا عن سنده الغربي ولكنه كشف لقناع بدأ اليسار هذه الأيام يتلفع به هروبًا من مصارحة الجماهير بحقيقة توجهاته، ومحاولة لإلصاق تهمة «عدم الوطنية» بالتيار الإسلامي الأصيل لأنه لا يرى رؤية اليسار ولا يدافع عن سنده الشرقي وبالذات الاتحاد السوفياتي.
ومع قناعتنا بأن اليسار العربي يعاني من أزمة قاتلة، وأن خطر سنده الشرقي على العالم الإسلامي هو في الوقت الراهن أقل من خطر اليمين التابع للغرب وخاصة الاستغلالية الأميركية، إلا أن الحقيقة -فوق أنه عدو- التي تجعل المراقب يكشف هذا الزيف هو أن الغرب الرأسمالي كان وراء كثير من الأحزاب الشيوعية والتجمعات اليسارية في العالم الإسلامي كما ثبت في التاريخ السياسي العربي الحديث.
مسكينة أيتها الوطنية:
ومن كثرة ما يردد اليسار شعار الوطنية هذه الأيام أصبحت خير عبارة يمكن التعليق بها على ذلك هي عبارة مسكينة أيتها الوطنية كم باسمك اشتهرت صعاليك تمامًا كالعبارة التي قيلت في أعقاب الثورة الفرنسية مسكينة أيتها الحرية كم باسمك ماتت ضحايا!
واليسار إذ يلجأ إلى شعار الوطنية هذه الأيام لا يفعل ذلك لأول مرة، الأحزاب الشيوعية العربية عندما تأسست على أيدي يهود روسيين في معظم الأحيان ظلت سرية التكوين والنشاط، وعندما أرادت الظهور رفعت شعار الوطنية والديمقراطية، وفي مرحلة التحرر من الاستعمار رفع اليسار الثورية والتقدمية وقامت لهم أنظمة لم تجن منها الجماهير إلا الخيبة والديكتاتورية والسجون والمعتقلات، واليوم بعد أن انكشفت تلك الشعارات، وتعرت للجماهير عادوا لشعار الوطنية، فالقوى الوطنية والوطنيون، والحركة الوطنية، والنواب الوطنيون وما إلى ذلك من شعارات ترتدي «قناع» الوطنية هي من بنات أفكار اليسار العربي الذي يعيش أزمة قاتلة، ومن هنا تأتي مسؤولية الأقلام الصحفية لكشف القناع الزائف و«الوطنية» الكاذبة.
ليس غريبًا:
وليس غريبًا على اليسار أن يلجأ إلى شعار الوطنية، ذلك أن سمته الأساسية هي الاحتماء وراء الشعارات كل الشعارات واستخدام الأساليب كل الأساليب رفيعها ووضيعها لنشر أفكارهم المرفوضة جماهيريًا، فها هو الشاعر العراقي المعروف شاكر السياب يروي لقدري قلعجي عن تجربته مع الحزب الشيوعي فيقول: «رحنا نضرب على كل وتر تخرج نغمته موافقة لما نريد» ويضرب لذلك مثلا فيقول:
«بثثنا بين الطلاب الأكراد أن القوميين يكرهون الأكراد وقوميتهم، بينما نعتبرهم إخواننا! وأخذنا نسب القومية العربية أمامهم بل رحنا ننتقص من العرب ونزعم أن التاريخ العربي ما هو إلا مجموعة من المذابح والمجازر وزعماؤهم العظام ما هم إلا إقطاعيون جلادون...! أما اليهود فيقول بشأنهم: ومررنا على إخواننا اليهود دون حاجة إلى دعوة، واستغللنا بعض الرفيقات للتأثير على بعض الطلبة»!
ولأن الضرب على كل وتر هو سجيتهم فليس من العجيب أن تقرأ في التاريخ أن موسكو أوفدت عام 1927 ثلاثة يهود لتشكيل التنظيم الشيوعي ومتابعته، كما انتدبت بعد ذلك يهوديًا اسمه هنري كوريل ليؤسس بنك كوريل في مصر وتشكيل الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني «حدتو»!
تبعتها منظمة أسسها مارسيل إسرائيل باسم منظمة تحرير الشعب!
أما في فلسطين فقد ظل النشاط الشيوعي سريًا إلى أن تأسست أول حركة علنية للحزب الشيوعي الفلسطيني وراء ستار نقابة عمال في حيفا سكرتيرها إميل توما، وفي الناصرة سكرتيرها فؤاد نصار الذي أصبح فيما بعد من قياديي الحزب الشيوعي الأردني وعندما توفى عام 1977 أقام له حزب «راكاح» حفلًا تأبينيًا في الناصرة تكلم فيه عضو الكنيست توفيق طوبي وإميل توما، وتوفيق زياد صاحب فكرة يوم الأرض!
والتشكيلات اليسارية التي نشأت فيما بعد كانت شعاراتها تحوم حول «الحركة الديمقراطية» أو «التحرير الشعبي» أو «التحرر الوطني» أو «الاشتراكية الثورية» أو «التقدمية» لكن ما هو موقف هذه التشكيلات من أهم قضية «وطنية» أو «قومية» وهي قضية فلسطين؟
موقف شائن:
في عام 1948 كتب الشيوعيون الفلسطينيون فيما ذكره كتاب الشيوعية وليدة الصهيونية «إن جعل فلسطين وطنًا قوميًا لليهود هو الطريق الوحيد والوسيلة الناجحة لبلشفة العالم العربي»!
وهذا خالد بكداش السكرتير العام للشيوعيين العرب آنذاك (1947) يقول: «صحيح أن اليهود ليسوا أمة لكنهم شعب له حق الحياة» وذلك في معرض تعليقه على رفض العرب لقرار التقسيم.
أما مساعده الذي انشق عنه رفيق رضا الذي كان عضوًا قياديًا في الحزب الشيوعي اللبناني/ السوري فيقول: «كانت قيادة الحزب الشيوعي بمثل حماس ابن غوريون على بعث الدولة اليهودية في فلسطين».
ولم يقتصر الأمر على التصريحات، فقد سجل التاريخ أن الشيوعيين الفلسطينيين شكلوا عصابات مسلحة شاركت اليهود في الانقضاض على الشعب الفلسطيني فثاب المغرر بهم إلى رشدهم أما الشيوعيون القياديون فاستمروا في الكفاح من أجل إقامة الدولة اليهودية منهم إبراهيم بكر في الناصرة، وفؤاد نصار سالف الذكر في يافا! الذي ألقى محاضرة عام 1957 في سجن الجفر بالأردن قال فيها: «إن اليهود شعب كباقي الشعوب له حق الحياة، وأنا أعترف باليهود كدولة لأن الشمس لا تغطى بغربال»!!
أما في العراق فقد نظم الشيوعيون مظاهرات عام 1948 رددوا فيها «إن الشعب العراقي يرفض بإباء أن يحارب الشعب الإسرائيلي الشقيق»!
ونحن إذ نشير إلى هذه الصفحات السوداء المنسية في التاريخ الحديث إنما نفعل ذلك شعورًا بالواجب والمسؤولية تجاه أمتنا المنكوبة، خاصة وأن أنباء ترددت عن اتحاد الحزبين الشيوعيين «راكاح» اليهودي والفلسطيني في الضفة والقطاع.
كما ذكر عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي الأردني نعيم الأشهب أن المحادثات جارية لتوحيد الحزبيين الشيوعيين الفلسطيني والأردني.
والشيوعيون اليوم لم يكتفوا بذلك بل أخذوا يلقون في روع التجمعات اليسارية الفلسطينية أن لابد من وحدتها، وشعار وحدة اليسار الفلسطيني أخذت تتحدث عنه الصحف اليسارية اللبنانية وغيرها بشكل واضح مما استدعى صحيفة السفير أن تجري مقابلة مع نعيم الأشهب الذي جرؤ أيضًا على الدعوة «للوحدة الوطنية الفلسطينية» لكنه سارع إلى إعلان هدف الشيوعيين من ذلك حيث قال: «فالمطلوب أكثر من أي شعار، يجب تأكيده والسهر عليه هو الوحدة الوطنية الواسعة، لكن بطبيعة الحال ينبغي أن يكون اليسار بنضاله وفعاليته! وحرصه على الوحدة الوطنية هو نواتها والدينامو المحرك لها»!
وثمرة خبيثة:
واستمرارًا لنهج الغرب على كل وتر والعمل تحت أي شعار لجأ الشيوعيون إلى العمل من خلال أحزاب وتنظيمات مختلفة اشتراكية قومية، عمالية فرضت ما يمكن أن نسميه باليسار العربي الذي لا يلتزم بالفكر الماركسي بالتفصيل ولكنه يؤمن بالنهج الاشتراكي عمومًا وولاؤه لموسكو أحيانًا وللولايات المتحدة في أحيان كثيرة وهو ما يعرف إعلاميًا باليسار الأمريكي، ومهما يكن من خلاف على هذا الأمر إلا أن المتفق عليه أن هذا الفكر ساهم بوعي أو بغير وعي في تثبيت الكيان اليهودي ودعا لذلك من خلال أطروحة التفريق بين الصهيونية واليهودية!
فعلى الصعيد الفلسطيني وهو المهم بالطبع أسهمت أفكار الجبهة الشعبية وانشقاقاتها وخاصة الجبهة الديمقراطية التي يتزعمها أردني نصراني هو نايف حواتمة، أسهمت إلى جانب إحباطات الأنظمة الحاكمة العربية، في تفتيت العمل الفلسطيني وطرحه لفكرة الدولة العلمانية عام 1969 أو الديمقراطية التي يتعايش فيها اليهود والنصارى والمسلمون على لسان رئيس منظمة التحرير السيد ياسر عرفات في الأمم المتحدة عام 1974، ولعل أخبث ثمرة لهذا الفكر هو هذا التراجع من فكرة تحرير فلسطين في البحر إلى النهر إلى القبول بدولة فلسطين على أية بقعة يتم الانسحاب منها!
ولا يريد الشيوعيون العرب واليسار العربي عمومًا أن يكتفوا بهذا الدور المشين بل إنهم يريدون من خلال شعار الوطنية بهذا الفهم، أن يسيئوا للحركة الإسلامية ويعيقوا حركة الجهاد الإسلامي في أفغانستان وسوريا وغيرها، من أنحاء العالم الإسلامي.
لقد ألقي اليسار في روع الناس أن الجهاد «رجعية» وعمالة للإمبريالية وذلك من خلال غبار الزوبعة التي أثاروها تحت شعار فلسطين أولًا والقدس أهم من كابل!
هذا بالنسبة للقضية الفلسطينية.
أما بالنسبة للقضايا العربية والإسلامية الأخرى فتكفي الإشارة إلى أن هذا التيار كان مسؤولًا عن هزائم 67 و73 كما أنه مدين بمحاربة الحرية والديمقراطية التي لا يسأم لوكها، ولو نظرنا إلى الواقع لوجدنا اليسار في بلد مثل الكويت يهاجم الصحوة الإسلامية باستمرار فيما ينافح عن قضايا الثوار الماركسيين في نيكاراغوا وسلفادور وغيرها! وفي الوقت الذي يسأم فيه المسلمون في بلد عربي ثوري مواجه لإسرائيل سوء العذاب ويلاقون الويل والثبور والقتل والتشريد ومصادرة كل الحريات، نجد صحفًا يسارية تهاجم حملة راية الثورة الإسلامية في سوريا وتعتبر مناداتهم بالحرية «والديمقراطية» عملًا يخدم الإمبريالية الأميركية!!
ولو أردنا الاستقصاء لطال بنا المقام، ولكن في مقال صحفي تكفي الإشارة للأمة الحية ويا جماهير الأمة تبصري الطريق واعرفي العدو من الصديق فقد بلغ السيل الزبى ولنمض جميعًا على درب الإسلام غير آبهين بما قد تثيره جلبة اليسار من غبار... والله ولينا وهو نعم المولى ونعم النصير.