العنوان قوارب الأمان في بحر الحياة
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر الجمعة 18-مايو-2012
مشاهدات 71
نشر في العدد 2002
نشر في الصفحة 58
الجمعة 18-مايو-2012
جاءتني رسالة عبر بريدي الإلكتروني تقول صاحبتها، أنا سيدة أبلغ من العمر خمسة وأربعين عامًا طلقت من خمس عشرة سنة، وآثرت أن أهب حياتي للعلم ولطفلَيّ؛ ابني الأكبر الآن في الثانوية العامة، وابنتي في المرحلة المتوسطة، استطعت بعد محنة الطلاق أن أبحر في رحلة العلم، حتى حصلت على درجة الدكتوراه من خلال منحة علمية منحتها من جامعتي فسافرت بمقتضاها إلى مصر وحصلت على الدكتوراه من إحدى جامعات جمهورية مصر العربية، ومعي ابني وابنتي، وعشت بعثتي هذه مزيجًا من المشاعر والأحاسيس، واختلطت فيها نكهة الراحة بالألم، والسكينة بالقلق والأمن بالخوف، بيد أني - في النهاية - أحمد ربي على ما منّ به عليّ من نجاحات عدت بعدها إلى بلدي لأستأنف عملي بالتدريس في جامعتي، ولأبدأ رحلة جديدة لا تختلف كثيرًا عن رحلتي في غربتي، فقد عاد طليقي من رحلة عمله التي قضاها في إحدى دول الخليج العربي، وظل يحاول إرجاعي، ولكن للأسف بأساليب غير إنسانية ولا حضارية لكنني عندما أخذت قرار الطلاق منذ سنين طويلة، لم آخذه إلا بعد صبر طويل وجميل، وبعد معاناة معه لا يمكن لي أن أصفها بالكلمات، ومن ثم كان قراري حاسمًا لا رجعة فيه، فلن أطيق جحيم الحياة معه، وهل يعقل أن تعود الحمامة لصيادها بعد أن أمسك بها، وعذبها، وقصقص ريشها وسقاها مرارة العذاب والهوان؟!
اسمح لي أن أقول لك - شاكرة ربي سبحانه-: إني امرأة حباها ربها بجمال لا يختلف عليه اثنان، كما أن نسبي شريف يمتد إلى رسول الله ﷺ، وأنا أستاذة جامعية، وعلى خلق ودين يشهد لي بذلك كل من تعامل معي، وبرغم ذلك ذقت العذاب والإهانة من هذا الزوج المستهتر الذي كان يشاهد المناظر الإباحية على القنوات الفضائية، وعلى مرأى مني، بل يعلق على هذه المناظر بعبارات استفزازية يسمعني إياها فيها من الإهانات والازدراء لي ما لم يتحمله بشر!!
المهم - يا سيدي - أني رفضت رفضًا قاطعًا الرجوع إليه، وحتى ابني وابنتي يصابان بالذعر لمجرد ذكر والدهما، أو التطرق إلى محاولات رجوعه إلينا.
نسيت أن أقول لك إن والدي ووالدتي توفيا منذ سنين، وليس لي أخ، بل نحن ثلاث أخوات إحداهن مع زوجها، وهو أستاذ جامعي وتعيش في الولايات المتحدة الأمريكية مع زوجها وأولادها، والثانية كانت مطلقة، وهي على خلق ودين، وأكثر التزامًا مني، وتعيش معي ببلدي، ومنذ أسابيع خطبها رجل ملتزم ومحترم والآن تجهز أوراقها ليستقدمها معه لأنه يعمل بالمملكة العربية السعودية، وأختي هذه التي خطبت قريبًا لم تكن مجرد أخت لي بل كانت صديقتي الحميمة التي أبث لها آلامي وآمالي وأحزاني وأسراري، والآن سوف تبحر في طريق آخر، فبقدر ما فرحت لها في حياتها الجديدة بقدر ما أنا حزينة لفراقها.
وخاصة أنني افتقدت صديقة عمري ابنة خالتي التي كنت- أيضًا- أجالسها، وأستودعها أسراري، والآن قد فارقت الحياة، إثر عملية جراحية أجريت لها منذ شهور!!
لقد افتقدت الأب والأم والأخ والأخت والصديقة، ولم يعد لي في بلدي أحد، هؤلاء كانوا قواربي في الحياة، فهل من قوارب أخرى أبحر بها في حياتي؟
أقول لهذه الأخت الفاضلة قصتك مؤثرة وأروع ما فيها إرادتك، فتحية إليك مباركة طيبة من عند الله سبحانه، وأسأل الله تعالى أن يكتب لك الأجر العظيم في الدنيا والآخرة.
فقد جاهدت في الله عز وجل جهادًا حقًّا، وخرجت من بيتك تطلبين العلم في أعلى درجاته وتحملت آلام الغربة خارج وطنك، وهذا رسول الله ﷺ يبشرك: «من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع» (رواه الترمذي).
كما أنك تحملت تبعات تربية طفلين وحرصت - كما ذكرت في رسالتك - على إحسان تربيتهما، فهما فائقان دراسيًّا، ومنتظمان في حفظ القرآن الكريم، وممارسة الأنشطة الهادفة إلى غرس القيم والأخلاق الإسلامية وهذا نجاح متميز لا يحققه إلا من وفقه الله تعالى.
أما عن سؤالك عن قوارب لحياتك، فنحن جميعًا نحتاج إلى هذه القوارب في حياتنا، بل ربما- كما يحتاج صاحب السفينة- نحتاج إلى تجديدها، أو البحث عن غيرها، إن هي غادرت حياتنا وقضت، تمامًا كما يفقد الإنسان منا عزيزًا وبالتأكيد سيحزن عليه، وسيفتقده وربما لا يجد له بديلًا، ولكنه يظل يبحث عن قارب نجاة في الحياة؛ لأن الحياة يجب أن تستمر.
فلا تخلو حياة أي منا من أحداث قد تجلب عليه السعادة، وأخرى قد يشعر إزاءها بالشقاء والتعاسة، هكذا الحياة خليط من الصحة والمرض والراحة والتعب والعلم والجهل والحياة والموت.
أما عن قصتك مع والد طفليك فقد مضت وانقضت فلتطو هذه الصفحة من حياتك تمامًا، وأقبلي بإشراقات الأمل وابتسامات النجاح لتعيشي حياتك سعيدة وبطاعتك لربك وصبرك الذي طال.. ذلك الصبر الذي تجنين وستجنين ثماره اليانعة بتنشئتك لطفليك تنشئة صالحة وبحصولك على الدكتوراة وعملك بالجامعة.
أما أختك فلن تحرمي منها إن شاء الله بل اسعدي معها، وستكون بينكما لقاءات وخذي الأحداث بمشاعر إيجابية؛ فسفرها قد ييسر لك الحج والعمرة ولقاؤك بها في العطلة الصيفية عندما تعود إلى بلدها سيكون لقاء جديدًا متميزًا؛ لأنه يأتي بعد شوق عظيم بينكما، وربما يسوق الله لك زوجًا صالحًا يسعدك، ويعوضك صبرك وعناءك.
وأما عن والديك فأكثري من الدعاء لهما بالرحمة والمغفرة، وأسأل الله أن يجمعك بهما في الفردوس الأعلى.
وأما صديقتك وابنة خالتك فداومي باستمرار على الدعاء لها، وتضرعي إلى الله أن يجمعك بها في الجنة التي هي دار النعيم الباقية، واعتبري حياتك محطة استراحة عما قليل ستغادرينها إلى دار النعيم، مع من أحببت ومن أحبك، واعلمي أن الجميع سيموت فقد قال ربنا عز وجل لأحب الخلق إليه محمد ﷺ ﴿إِنَّكَ مَيِّتٞ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ﴾ ( الزمر: 30).
وجاءه جبريل عليه السلام فقال له: «يا محمد عش ما شئت فإنك ميت وأحبب من شئت فإنك مفارقه» (حديث صحيح رواه الحاكم في مستدركه، والبيهقي في شعب الإيمان).
ولقد مات رسول الله ﷺ، ومات أبوبكر رضي الله عنه، ومات الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ومات عثمان بن عفان رضي الله عنه، ومات علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ومات الصحابة رضوان الله عنهم جميعًا، ومات التابعون وتابعوهم من سلفنا الصالح وسنموت جميعًا، ولا تنسي أن الله خلقنا ليبتلينا، قال تعالى: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَيَوٰةَ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفُورُ﴾ (الملك: 2)، وقال أيضًا: ﴿إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِينَةٗ لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَيُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗا﴾ (الكهف: 7).
الكل يموت المؤمن والكافر المطيع والعاصي القوي والضعيف، فقد مات النبي ﷺ، ومات أبو جهل، ومات موسى عليه السلام، ومات فرعون، لكن شتان ما تركه كل فريق في حياته، فقد ترك الأخيار لمسات مضيئة مشرقة متميزة خلدها التاريخ وكتبها بحروف من ذهب على صفحات من فضة.. أما الأشرار فقد تركوا لأنفسهم العار والدنس، والعفن والدمار فلنصنع لأنفسنا ميتة نحيا بها بعد الممات ونرقى بها إلى السماوات ولنركب قوارب النجاة والسعادة والشرف في هذه الحياة، ولأمثالك من الصالحين والصالحات أختي الفاضلة، قوارب عظيمة نبحر من خلالها في خضم الحياة.
تعالوا نبحر بقوارب الحياة
ينبغي أن يكون لكل منا قوارب نبحر بها في خضم الحياة وأحداثها وضغوطها، وخاصة أن الحياة حبلى بالوقائع المؤلمة والابتلاءات المتلاحقة والإنسان فيها يعاني تعبًا ومكابدة، قال تعالى: ﴿لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِي كَبَدٍ﴾ (البلد: 4).
ومن أهم قوارب الحياة:
أولًا: قارب الدعاء:
إنه قارب ترتاح فيه النفوس؛ ففيه تطبيب للقلب، وأدوية للقلق، فيه بلسم للصدور، إنه التضرع إلى الله تعالى، ولجوء المضطر، وإجابة ربه القادر على كل شيء: ﴿أَمَّن يُجِيبُ ٱلۡمُضۡطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكۡشِفُ ٱلسُّوٓءَ وَيَجۡعَلُكُمۡ خُلَفَآءَ ٱلۡأَرۡضِۗ أَءِلَٰهٞ مَّعَ ٱللَّهِۚ قَلِيلٗا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ (النمل: 62).
إنه اللجوء إلى الله سبحانه ومناجاته عند الشدائد والمحن، فنلوذ إلى خالقنا ونشكو إليه ضعف قوتنا، وقلة حيلتنا، وهواننا على الناس، إنه اللوذ بجناب المولى عز وجل رب المستضعفين، وقد وعد اللائذين بحماه المتضرعين إليه بالاستجابة، وتفريج الهم والغم والكرب، قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِي سَيَدۡخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (غافر: 60)، وقال أيضًا: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ﴾ (البقرة: 186).
ثانيًا: قارب الطاعات والعبادات:
فلقد كان رسولنا ﷺ يلجأ إلى الصلاة إذا اشتدت به الأحداث، وكان يقول لمؤذنه بلال «أرحنا بها يا بلال».. وهو القائل أيضا: «جعلت قرة عيني في الصلاة».
ولما أراد ربه أن يعده لأداء الأمانة - وهي ثقيلة لدرجة أن السماوات والأرض أبين أن يحملتها وأشفقن منها - فقد وجهه إلى إعداد نفسه ذاتيًّا بقيام الليل.
وبين في محكم آياته أن سيلقي عليه قولًا ثقيلًا، قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُزَّمِّلُ * قُمِ ٱلَّيۡلَ إِلَّا قَلِيلٗا * نِّصۡفَهُۥٓ أَوِ ٱنقُصۡ مِنۡهُ قَلِيلًا * أَوۡ زِدۡ عَلَيۡهِ وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِيلًا * إِنَّا سَنُلۡقِي عَلَيۡكَ قَوۡلٗا ثَقِيلًا﴾(المزمل: 1: 5).
ثالثًا: قارب العيون:
فالعيون - كما يقولون - هي نوافذ الروح، وهي الوسيط بين قلب الإنسان وغيره؛ لأنها هي التي تحمل المشاعر، إنها الوسيط الذي نعبر من خلاله عن مشاعرنا عندما ننظر في أعين غيرنا، ونحمل رسائل الحب والشوق والعتاب والحزن والرحمة والشفقة والعطف، فما أجمل لغة العيون... لقد روي عن رسولنا الحبيب ﷺ أن جليسه كان يشعر بأنه أحب الجلساء إليه، تلكم هي لغة العيون، فلتكن أعيننا قاربًا للحب عندما ننظر لأولادنا وزوجاتنا ووالدينا وأصدقائنا وإخواننا وأحبابنا فيها يرتاح القلب، وتستقر النفس وترضى، ومن الأدعية القرآنية: ﴿وَٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبۡ لَنَا مِنۡ أَزۡوَٰجِنَا وَذُرِّيَّٰتِنَا قُرَّةَ أَعۡيُنٖ وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ (الفرقان: 74).
رابعًا، قارب القلوب:
فلنبحت عن قلوب تحبنا ونحب أصحابها قلوب سكن فيها حب الله ورسوله وأحبت الخير وأهله، وهي قلوب وإن كانت نادرة لكنها موجودة، قلوب عندما نعرفها نتعلم منها الحب، إنها قلوب طاهرة نقية سليمة لا تعرف الكراهية والبغضاء جبلت على الحب والوفاء.
إنها من أعظم قوارب الحياة.. قلوب تتبادل مع قلوبنا نبضات الحب والتضحية والفداء، قلوب نبيلة راقية كريمة تعطي دون انتظار الرد، تلبي في غير طلب، وتقترب عندما تكون الشدة والحاجة.
خامسًا: قارب الرضا:
إنه قارب يجعلنا نتقبل واقعنا في رضا فينأى بنا عن مياه التمرد والشقاء، ويبحر بنا في ماء سلسبيل هادئ تسكن له النفوس وتحل به السكينة والطمأنينة.. إنه قارب أرشدنا إليه رسول الهداية محمد ﷺ في قوله: «وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس» (رواه أحمد والترمذي والبيهقي وحسنه الألباني).
هذا هو عروة بن الزبير رضي الله عنه قد توفي ابنه وفاة صعبة على النفس؛ إذ دهسته الخيل بأقدامها، وقُطعت قدم عروة في يوم وفاة ابنه، فاحتار الناس أي شيء يعزونه؟ على فقدان ابنه أم على قطع رجله؟ فدخلوا عليه، فقال اللهم لك الحمد أعطيتني أربعة أعضاء، أخذت واحدًا وتركت ثلاثة، فلك الحمد.. وكان لي سبعة أبناء، أخذت واحدًا وأبقيت ستة فلك الحمد على ما أعطيت، ولك الحمد على ما أخذت، أشهدكم أني راضٍ عن ربي.
وما أروع قول الشاعر:
فالرضا نعمة من الله لم يسعد
بها في العباد إلا القليلا
علمتني الحياة أن لها طع
مين مرًا وسائغًا معمولًا
فتعودت حالتيها قريرًا
وألفت التغيير والتبديلا
فذليل الأمس صار عزيزًا
وعزيز بالأمس صار ذليلًا
ولقد ينهض العليل سليمًا
ولقد يسقط السليم عليلًا
ولله در من قال:
الرضا يخفف أثقالي
ويلقي عليّ الماسي سدولًا
والذي ألهم الرضا لا تراه
أبد الدهر حاسدًا أو عذولًا
أنا راض بكل ما كتب الله
ومُزج إليه حمدًا جزيلًا