العنوان قوانين الأسرة بين ضعف النساء وعجز العلماء (الحلقة الثانية)
الكاتب المستشار سالم البهنساوي
تاريخ النشر الثلاثاء 11-نوفمبر-1975
مشاهدات 34
نشر في العدد 274
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 11-نوفمبر-1975
قوانين الأسرة بين ضعف النساء وعجز العلماء
بقلم: الأستاذ سالم البهنساوي
ضعف النساء وعجز العلماء
جعل الله الطلاق بين الرجل ليستخدمه عندما يصيب الحياة الزوجية مرض يتعذر البرء منه، وعندما تنشأ مشكلة لا علاج لها إلا بالانفصال وهو في هذه الحالة يصبح ضرورة إنسانية لا بد منها؛ إذ لا يمكن بقاء أسرة بين اثنين غير متفقين.
وحتى لا يستخدم الزوج هذا الحق في غير موضعه، وحفاظًا على الأسرة، حرص الإسلام على علاج مشكلات الأسرة بوسائل إنسانية تنبع من مشاعر الزوجين ولا تفرض عليهما قسرًا وإجبارًا.
ومن هنا أحاط الطلاق بعدة قيود ليحول دون سرعة استخدام هذا الحق أو إساءة استعماله، وسنوضح ذلك فيما يلي:
۱- طلاق الغضبان:
أبطل الإسلام الطلاق إذا كان أثناء ثورة غضب بلغت حالة انعدام الإرادة، أو عدم انعقاد نية الرجل الحقيقية إلى هذا الأمر، وفي هذا قال صلى الله عليه وسلم: «لا طلاق في إغلاق»، والإغلاق هو ضيق الصدر وقلة الصبر، بحيث لا يجد له مخلصًا إلا اليمين.
٢- الطلاق المعلق:
تعليق الطلاق هو ربط حصوله بأمر ما، بأداة من أدوات الشرط، وقد أبطله بعضهم إذا كان القصد منه حمل الزوج نفسه أو غيره على فعل الشيء أو تركه، ويجب أن يمتد البطلان إلى كل طلاق معلق؛؛ إذ الغرض من الطلاق هو فصم عرى الرباط المقدس، وهذا لا يكون إلا منجزًا، فإذا علق على أمر ما كان باطلًا؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ (الطلاق: 1).
وقد أوضح المجتهدون من الفقهاء هذا الأمر بما لا يدع مجالًا للإطناب.
٣- الطلاق أثناء الحيض والطهر المصحوب بجماع:
منعت السنة الطلاق أثناء الحيض، وفي حالة الطهر المصحوب بجماع؛ وذلك لاحتمال
أن تكون العلاقة بين الزوجين مصحوبة بفتور بسبب الابتعاد بعد الجماع مما ينتفي معه المودة وهما عماد الحياة الزوجية المشار إليها بقول الله تعالى: ﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُون﴾.
وبهذا يمسك ال هذا الرباط في كثير من حالات، وهي التي تكون مصحوبة بأسباب أن تزول بعد فترة من الزمن، ويمر الطرفين
والغرض الذي استهدفه المشرع من هذه القيود أن الطلاق لا يقع في هاتين الحالتين. فضلًا عن أن ابن عمر أفتى للرجل يطلق امرأته وهي حائض بقوله: «لا يعتد بذلك». وهذه من رواية ابن حزم عن طريق محمد بن عبد السلام الخشفي. كما روى هذا المعنى كثير غير أبي الزبير وابن حزم.
٤- بطلان الطلاق الموصوف بالعدد:
إذا طلق الزوج وفقًا للأوضاع السابقة تحتسب له طلقة واحدة ولو وقع اليمين منه بلفظ الثلاث؛ لأن الطلاق هو فصم فوري لرباط الزوجية، فتكرار اللفظ لا قيمة له.
وحاليًا لا نجد سببًا لتفصيل هذه المسألة، وحسبنا ما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس: أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته ثلاثًا في مجلس واحد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإنما تلك واحدة».
5- الإشهاد على الإطلاق:
حث الله تعالى على الإشهاد عند حل رباط الزوجية أو عند وصلة ثانية، وهو ما يعبر عنه في الفقه بالإشهاد على الطلاق، والرجعة، وقد ورد ذلك في قول الله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ (الطلاق: 2).
وبما أن عقد الزواج أصبح رسميًّا في الدول التي قننت الفقه، فنرى أن يصبح الطلاق رسميًّا أمام هذا الموظف، مع ضرورة أن يشهد بذلك رسميًّا أيضًا اثنان من العدول، وذلك لذات الحكمة التي من أجلها اشترط أن يكون عقد الزواج بهذه الصورة الرسمية.
هذا الإجراء قيد على التسرع في الطلاق مما يترك المجال للمصالحة، كما أنه يحول دون ادعاء أحد الزوجين أنه سبق الطلاق العرفي مرتين قبل ذلك، توصلًا لفصم عرى الزوجية نهائيًّا، فلا تحل الزوجة إلا إذا تزوجت من آخر ثم فشلت في الزواج وطلقت منه.
٦- إقامة المطلقة في بيت الزوجية:
إذا قام الزوج بمراعاة القيود الستة السابقة وأوقع الطلاق، فإن انتظاره هذه المدة وإصراره على الطلاق، وفشل الجهود المبذولة للصلح من خلال هذه القيود، كل ذلك يشير إلى أن الحياة الزوجية قد أصابها العقم ولا أمل في علاجها.
ولكن لأن للطلاق أثرًا في النفس أمر الإسلام ألا تخرج المطلقة من بيت الزوجية فور وقوع الطلاق، بل لا بد أن تنتظر حتى تنتهي العدة، وهي المهلة التي اشترطها الله تعالى ليستبين الحمل، والتي في خلالها يجوز للزوج أن يعيد زوجته إليه؛ لأنها ما زالت في عصمته.
ولا حرج على الزوجة في هذا، فبيت الزوجية ليس ملكًا للزوج كما يتصور الناس اليوم، بل إن الله ملكه للزوجة؛ إذ قال تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ (الطلاق: 1).
فلا تخرج المطلقة من بيت الزوجية لأنه بيتها؛ إلا إذا كان الطلاق بسبب التلبس بجريمة الزنا.
وفي غير هذه الحالة تظل المطلقة حتى تنتهي عدتها، وهي الواردة في قول الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ (البقرة: 228) أي: ثلاث حيضات، أو أطهار، وفي حوالي ثلاثة أشهر.
ففي خلال هذه الفترة وبعد وقوع الطلاق يراجع الزوجان أنفسهما عن قرب، وفي إطار بيت الزوجية فيصلح كل منهما من نفسه خلال هذه الفترة، ويندم على تصرفه، فيسهل عودة الحياة والسكينة إلى بيت الزوجية، وهذا بخلاف لو كانت الزوجة قد هجرت هذا البيت وتجمعت من حولها العصبية القبلية وحمية الجاهلية فحالت دون استئناف الحياة من جديد، واشترطت على الزوج شروطًا يظن أنها تسيء إلى کرامته وإلى رجولته.
٧- التعويض عن الطلاق:
العلاقة الزوجية ليست علاقة تابع بمتبوع، وليست علاقة مادية؛ إنما هي علاقة خاصة تسمو فوق التبعية وفوق المادة، ومن ثم لا يمكن أن تبقى بالقوة وسلطان القانون؛ إنما تبقى بالمودة والمحبة، ومن هنا أعطى الإسلام للرجل حق الطلاق، وللمرأة حق طلب التطليق، فإذا طلبت الزوجة الطلاق فعليها تعويض الزوج، وأقل ذلك أن ترد الصداق.
أما إذا طلق الزوج دون أن تكون الزوجة ناشزًا فتستحق التعويض، وهو حق عام لكل مطلقة سماه الله بالمتعة، فقال تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ۖ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة : 241).
وهذا الحكم عام في كل مطلقة دخل بها زوجها أو لم يدخل بها، وقد استدل الفقيه ابن حزم على أنه فرض لجميع المطلقات.
ومدى هذا التعويض يخضع لتقدير القاضي وفقًا للظروف والأحوال، ويحسن أن يضع القانون للقاضي قاعدة يلتزمها حتى يستقيم القضاء.
ونرى أن النص في القانون على مبدأ التعويض للزوجين يحول دون التسرع في فصم عرى الزوجية.
ثانيًا: مشكلة بيت الطاعة:
تقوم الأسرة المسلمة على دعائم عريقة من الحقوق والواجبات، أكدها الله تعالى في قوله: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (البقرة: 228).
غير أنه لا تستقيم أي جماعة بلا قائد، ومن ثم جعل الله قيادة الأسرة في أقدر أفرادها، وهو الرجل، وهذا ما يفسره قوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ (البقرة: 228).
وقد عبر القرآن في موضع آخر عن المقصود بهذه الدرجة بقوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ (النساء: 34).
من أجل ذلك كان من حقوق الزوج على زوجته طاعتها له، ولكن في بعض البلاد العربية أساء واضعو لائحة ترتيب المحاكم الشرعية فهم هذه الطاعة؛ ومن ثم جاء نص المادة 345 من القانون المصري رقم 78 لسنة 1929م، وتقضي بالحكم للزوج بطاعة زوجته، مع تنفيذ ذلك قهرًا، ولو أدى إلى استعمال القوة ودخول المنازل، كما كان نص المادة 346 بأن يعاد تنفيذ الحكم بالطاعة الزوجة ما دامت زوجة. وقد انتقلت هذه الصورة إلى بعض البلاد العربية من خلال بعض المذاهب.
ثم جاء من لا خلاق لهم من الأزواج فاستخدموا هذه النصوص على هذه الصورة القبيحة إضرارًا بزوجاتهما لمجرد قيام شقاق بين الأسرة.
وقد نسي القوم أن خالقهم وضع لهم السبيل لعلاج هذا الشقاق بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا﴾ (النساء: 35).
ولا يوجد في نصوص القرآن أو الأحاديث النبوية ما يفيد صراحة أو ضمنًا إجبار أحد الزوجين بهذه القوة الغاشمة.
بل أوضح المشرع الإسلامي أن الحياة الزوجية لا تقوم على القسر والإجبار، وكذلك لا تنتهي بالكيد والانتقام، وأوجب أن يتم كل من الأمرين عند الضرورة بالود والإخاء؛ قال تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا﴾ (البقرة: 231) ذلك أن بيت الزوجية كما رسمه خالقه تبارك تعالى لا يقوم إلا على المودة ورحمة؛ قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الروم: 21).
علاج المشكلة:
إذا لم يفلح الإصلاح السابق لعلاج هذه المشكلة، وأصر أحد الزوجين على ألا علاج لهذه الأزمة، فلا يجوز الإبقاء على الحياة الزوجية بهذه الصورة التي تتزايد معها المشاكل والأزمات، الأمر الذي يحول دون أي محاولة للإصلاح ويجعل الحياة جحيمًا، ويفسد أخلاق الأسرة. لهذا صرح الإسلام بانحلال عرى الرباط المقدس في هذه الحالة، مع تعويض الطرف المضرور؛ فإذا كان النشوز من الزوجة ودلت ظواهر الحال بعدم إمكان إقامة حدود الله من الحقوق والواجبات الزوجية، حكم بالتفريق طلقة واحدة مع تعويض الزوج؛ قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ۖ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ۗ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (البقرة: 229). وفي صحيح البخاري: «أن امرأة ثابت بن قيس أتت الرسول فقالت: ما أعيب على زوجي في خلق ولا دين؛ ولكني أكره الكفر في الإسلام. فقال الرسول: أتردين عليه حديقته «الصداق»؟ قالت: نعم، فطلقها واحدة».
أما تعويض الزوجة لتعسف الزوج فهو في بحث الطلاق.