; قيادات العمل الإسلامي تقيم مسيرة الحركة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان قيادات العمل الإسلامي تقيم مسيرة الحركة الإسلامية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 05-مارس-1985

مشاهدات 66

نشر في العدد 707

نشر في الصفحة 31

الثلاثاء 05-مارس-1985

فتحي يكن:
* التغيير الإسلامي ليس تغييرًا شكليًّا ولا فطريًّا لواقع المجتمعات إنما هو تغيير جذري.
* يجب أن يكون بناء العاملين للإسلام بناءً متكاملًا، فهم ربانيون وسياسيون واجتماعيون ومجاهدون.
صادق: 
* الحركة في السودان سارت سيرًا مبرمجًا ومتئدًا يتفق مع كافة الظروف والملابسات.
* رغم عقبة الطائفية والاحتلال الإنكليزي سارت الدعوة كصفوة بين المتعلمين في المدارس والجامعات.
* المطلوب العمل على وحدة الوجهة التربوية على الساحة الإسلامية لتحقق وحدة الحركة.
أبو أنس المغربي:
* رغم كل الفتن التي أحاطت بالحركة الإسلامية فهي تسهم في كل قضية من قضايا المسلمين.
في هذه الندوة التي عقدتها المجتمع، يتحاور بعض قيادات العمل الإسلامي ومفكريه، ويطرحون فيه هموم الحركة الإسلامية من الداخل.. وقد اعتذر اثنان من المشاركين عن نشر أسمائهم للظروف البوليسية التي تمسك بخناق الحريات العامة في بلادهم، والمجتمع تأمل من نشر هذه الندوة أن تجيب على كثير من التساؤلات من خلال القيادات.. والله الموفق.
المجتمع: لماذا عجزت الحركة الإسلامية عن تحقيق الهدف الذي وضعته، لنفسها وهو تغيير الواقع وتولي قيادته؟
عضو القيادة: معذرة إذا قلت إني لا أتجاوب مع صيغة السؤال على ما هي عليه، ولكن يمكن أن يقال: ما هي الأسباب التي وراء تأخر تحقيق الحركة للهدف الذي وضعته لنفسها، وهو تغيير الواقع وتولي قيادته؟ ولا : لماذا عجزت؛ لأن العجز يفيد ضمنا التوقف والاستسلام للواقع، وهذا غير حادث وغير صحيح.
والهدف كما هو في السؤال ذو شقين؛ الأول: هو تغيير الواقع، والثاني: هو تولي قيادته. وغني عن الذكر أن تغيير الواقع ليس سطحيًّا ولا شكليًّا، ولكنه تغير جذري، تغيير للنفوس في العقيدة والتصورات والعادات والاهتمامات؛ بل وفي الهمم والعزائم أيضًا، مقتدين في ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم في إعداده للمؤمنين الأوائل الذين قامت على أكتافهم الدولة الإسلامية الأولى، وبناء الرجال أصعب وأشق من بناء المؤسسات، ويحتاج إلى جهد ووقت ووسائل متعددة، وحركتنا الإسلامية بفضل الله أخذت بالأسباب، وأنجزت في هذا المجال إنجازات ضخمة لا تنكر، وعند تقييم أثر الحركة في تغيير الواقع قد يقصر البعض نظرتهم على فترة زمنية قصيرة، فلا يبدو التغيير واضحًا، ولكن لكي يكون التقييم منصفًا وسليمًا يلزم المقارنة بين واقع مجتمعاتنا عن بدء المعركة والواقع الحالي ليتضح حجم التغيير الذي تم ومدى اتساع ساحته، وكذا مدى عمقه في النفوس، ونحن نعذر الأجيال الشابة التي لم تعايش مثلنا هذه الفترة.
أقول: إنه عند بدء الحركة كان فهم الإسلام عند كثير من المسلمين قاصرًا غير كامل، وفيه دخل وانحرافات؛ سواء في العقيدة أو العبادات أو العادات. قلة قليلة التي كانت تشعر أن عليها واجبات نحو الإسلام والمسلمين، لم تكن هناك مشاركة ولو شعورية للمسلمين الذين يتعرضون إلى اعتداءات أو كوارث، روح الجهاد كانت خامدة في النفوس، لم يكن التدين منتشرًا وسط الشباب، وكان تدينًا سلبيًّا، كل ذلك في ظل الاحتلال العسكري من أعداء الله، وإذا نظرنا اليوم نرى الفهم الشامل للإسلام يسود ويفرض نفسه، ونجد تصحيح العقيدة والعبادات والعادات من الشوائب والانحرافات، ونجد القناعة بأحقية شريعة الله في الحكم، وصار ذلك مطلبًا جماهيريًا بعد أن كان ينكر علينا، ونرى شعور المشاركة للمسلمين في قضاياهم أينما كانوا في العالم، ونرى روح الجهاد قد بعثت في النفوس، وضربت أمثلة عملية رائعة للجهاد والتضحية في سبيل الله، ونرى هذه الصحوة الإسلامية وانتشار التدين الإيجابي القوي وسط الشباب فتيانًا وفتيات، وكلهم همة وعزيمة لتلبية كل ما يطلبه الإسلام من أبنائه؛ خاصة تغيير الواقع الباطل، وإقامة شرع الله، والتمكين لدين الله، بماذا نسمي كل ذلك ليس تغييرًا جذريًّا للواقع، وللحركة الدور الرئيسي فيه بعد فضل الله، وتم ذلك رغم المحن والضربات الشديدة المتلاحقة، ولولا أصالة الحركة وسلامة بنيانها وإخلاص أبنائها؛ لقضي عليها منذ زمن بعيد، ولما أنجزت هذا التغيير، ولكننا والحمد لله نواصل السير في إصرار وتصميم على تحقيق كل الأهداف التي قامت من أجلها الجماعة دون انتقاص شيء منها، ودون شعور بضعف أو وهن أو استكانة، مورثين من بعدنا من الأجيال هذه الأمانة وهذه الروح أيضًا ،ونعلم أن الزمن في هذا المضمار يقاس بعمر الدعوات والأمم وليس بعمر الأفراد.
فتحي يكن: أود أولًا أن أوضح أن التغيير الإسلامي ليس تغييرً شكليًّا ولا نظريًّا لواقع المجتمعات، إنما هو تغيير جذري يراد منه تصحيح واقع العقيدة وواقع السلوك وواقع القوانين والتشريعات، وتغيير من هذا النوع يحتاج إلى مغيرين جذريين وإلى قوى تغييرية غير عادية. فالعملية إذًا ليست ترقيعية شأن الحركات الإصلاحية الأخرى بقفزة إلى سدة الحكم أو باشتراك في وزارة أو ما شابه ذلك.
ولم يقبل الرسول صلى الله عليه وسلم الترقيع أو أنصاف الحلول، حينما عرض عليه المشركون أن يعبدوا إلهه شهرًا ويعبد إلههم شهرًا، فنزل قول الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ...﴾ (الكافرون: 1- 2).
بعد هذا التحديد أود أن أتلمس بعض الأسباب التي عوقت تحقيق الهدف بتغيير الواقع وقيادته: 
السبب الأول: الذي لا زال يعيق الحركة هو جانب المحن والصراعات مع الأنظمة قبل استكمال العدة، فقد استدرجت في بعض الأقطار إلى معارك جانبية قبل أن تتهيأ لها أسباب القوة والغلبة. ومن خلال المحن والهزيمة تحدث محنة أشد وهي وقوع خلافات في الصف بعكس النصر يضفي عادة إلى الصف سمة التعاضد والتآزر، فالمحن والخلافات تعيق الحركة في إحداث التغيير الإسلامي في واقع المجتمع.
السبب الثاني: يحدث أحيانًا خلل في العملية التربوية وتكوين الشخصية الإسلامية، فبين شخصية موغلة في التطرف الروحي والاهتمامات الروحية، وشخصية موغلة في الاهتمام السياسية والنقابية، وشخصية لا تفهم التغيير الإسلامي إلا من خلال لغة القوة، وهذا التباين يمكن أن ينقل الصراع إلى داخل الحركة، أنا أفهم أن العاملين ينبغي أن يكون بناؤهم بناءً متكاملًا، فهم ربانيون روحانيون، وفي نفس الوقت سياسيون بارعون، وفي نفس الوقت اجتماعيون، وكذا مجاهدون عسكريون. هناك حد أدنى ينبغي أن يربى عليه الجميع، ثم هناك اختصاصات يتفوقون فيها البعض على الآخر.
السبب الثالث: القوى الخارجية.. ولكي نكون منصفين يجب ألا نلقي باللوم كله على الحركة في الداخل، فالقوى الخارجية سبب جوهري في الإعاقة، كذلك لا يجوز لنا أن نلقي باللوم على الخارج وعلى الظروف، فالعدو سيبقى عدوًا، والظروف ستظل غير مواتية، ولكن يساعد على التعويق عدم اهتمام الحركة بالمؤسسات العسكرية والأمنية، بينما يستغلها الخصوم لضرب الحركة الإسلامية.
صادق: بسم الله الرحمن الرحيم، أولًا بادئ القول فقد اتفق على أن السؤال إطلاقه على هذا المعنى قد لا يكون فيه كثير من العدل، وإذا أردنا أن نقيم الحركة الإسلامية تقييمًا سليمًا فيجب أن تتم هذه العملية في كل بلد على حدة، فأعمار الحركة تتفاوت في كل بلد، وظروفها كذلك تختلف سياسية كانت أو اجتماعية أو اقتصادية، وإن منطلق التعميم لهذا المعنى فيه حيف كبير.
وسأتناول شريحة من هذه الشرائح وهي السودان وأنا أدري بالجوانب التي اكتنفت الدعوة فيه. أنا أحس أن الدعوة لم تخفق في تحقيق أهدافها- ولا يعني كلامي أن الدعوة أخفقت في غير السودان- إن الحركة في السودان سارت سيرًا مبرمجًا ومتئدًا يتفق مع كافة الظروف والملابسات. وعندما نشأت الدعوة عام 1944 كان السودان تتقاسمه طائفتا الختمية والأنصار، وكانت كل دعوة لا تصدع لإحدى هاتين الدعوتين محكومًا عليها بالفشل، ولكن رغم عقبة الطائفية والاحتلال الإنجليزي سارت الدعوة كصفوة بين المتعلمين في المدارس والجامعات ثم تدريجيًّا انتظمت الساحة تقريبًا، وأصارحكم بأن كل التوجهات الإسلامية التي ظهرت في السودان منذ ذلك الحين وإلى اللحظات التي نعيشها الآن في الحكم الحاضر- وأنا متيقن من ذلك- كل هذا لم يكن لولا البذور الأولى والجسم الذي نما وفق مخطط سابق وعلى صلة دائمة وقائمة بأفراد الحركة الإسلامية في العالم. إن هذا الذي وصل إليه السودان الآن بفضل الله تعالى هو من نتاج الحركة الإسلامية. ومن خلال هذه الشريحة فإنني لا أرى الحركة الإسلامية أخفقت في تحقيق أهدافها، وأحس أن الطريق أمامها مازال مفتوحًا لكي تحقق نجاحًا إسلاميًّا.
أبو أنس المغربي: بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله وسلم على نبينا الكريم وعلى آله. إن التحديات التي يواجهها المسلمون تحديات ضخمة وما قام تجاهها إلا حركة إسلامية عرفت بنشاطها وانبثاقها وسط الجماهير المسلمة، ولا نذكر ضخامة التحديات كنزعة تبريرية تريد أن تتسلخ من مشاكلها وتعلقها على مشجب الآخرين. الحركة الإسلامية كانت ولا زالت تنقد نفسها وأحبذ كلمة النصيحة بدل كلمة النقد، فالأفراد يقدمون النصح للقيادة كما تقبل الحركة النصح من خارجها، ولكي تكون الحركة ناجحة رائدة يكون من خصائصها المبادرة، ولقد ظلت وما زالت الحركة تقوم بمبادرات في شتى البلاد؛ سواء كانت مبادرات سياسية أو جهادية أو اجتماعية أو اقتصادية، وكلما قامت بمبادرات أحاطتها الفتن من كل جانب من أعداء الله ومن ينوبون عنهم من بني جلدتنا، ولم ينل ذلك من عزيمتها ومواصلة مبادراتها، فهي تسهم في كل قضية من قضايا المسلمين ما استطاعت؛ حتى أصبحت تعمل كرجال المطافئ، وإن كانت ركزت أخيرًا جهودها في بعض المناطق والقضايا الهامة.
كما أود أن أشير إلى أمر آخر وهو التغيير الذي يستعجل البعض قطف ثماره، لا أدري لماذا هذا الاستعجال، إن عملية التغيير لا تتم بمجرد دعم مالي إلى جهة ما، أو بكسب عناصر للعمل الإسلامي ودفعهم إلى العمل، أو بأن تدفع بعض العناصر إلى مراكز سياسية أو برلمانات جاهلية. أنا لا أتفق مع هذا التوجه الفكري؛ إذ لا بد أن ينطلق أساسًا من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومن تفهم هذا الواقع المريض المسموم بشتى أنواع التسمم، والذي تحاول الحركة أن تكسب منه إليها الرجال، وتبني الصفوة التي تكون بمثابة العنصر الفعال في التغيير، ثم تأخذ في استكمال العدة، وألا تظهر بمظهر قوي، وألا تستجيب لأي استفزاز أو استدراج من أي جهة كانت.
والحركة تنظر إلى العمل الإسلامي نظرة شمولية، وأن يكون التغيير جذريًّا ويعتمد على الممارسة التربوية، فلا تغيير سياسي أو اجتماعي أو غيره إلا على ممارسة تربوية كأساس لهذا التغيير.
ومن الخطأ اعتقاد أن عدم وصول الحركة إلى سدة الحكم حتى الآن يعني عجزها عن تحقيق أهدافها في التغيير وتولي القيادة. فهناك تنظيمات أو حركات وصلت إلى سدة الحكم بسرعة بسبب مكر خفي أو دعم خارجي، وهذا ما لا تستطيع الحركة فعله أبدًا. ولا يصلح كوسيلة لتمكين دين الله في الأرض، كما أود من كل أخ أن يبادر بتقديم ما لديه من نصائح أو آراء أو خطة أو غير ذلك لدعم العمل الإسلامي والتغيير المنشود.
عضو القيادة: لقد التزمت في إجابتي الأولي التوصية بمراعاة الوقت فاختصرت، ولكن أجدني ملزمًا بتوضيح الكثير مما أثير من قضايا أو تساؤلات، وأحب أن أعبر ابتداء عن سروري بسماع كل ما يثار في هذه الندوة وبإتاحة هذه الفرصة وإزالة أي لبس، وكذا استفادتنا من كل نصح أو رأي يحقق الخير العمل الإسلامي، ونشكر لهيئة تحرير المجتمع هذه المبادرة الطيبة.
أرى من الأسلم أن أتناول باختصار شديد القضية الكلية قبل تناول القضايا الجزئية؛ كي يتبين لنا حجم كل قضية جزئية وقيمتها دون تضخيم أو انتقاص، ويبدو لي أن البعض لا يعطي القضية العامة وأهداف الحركة حجمها الحقيقي الضخم؛ إذ يتصورها محدودة بسيطة، ثم ينظر إلى الوقت الذي مضى على بدء الحركة، فيشعر وكأنها أخفقت في تحقيق أهدافها، أرجو أن نتصور معًا قيام دولة إسلامية عالمية تنتظم العالم الإسلامي، قائمة على أساس متين مستقر لا ينهار بها، وتتصدى لقوى الباطل العالمية من شيوعية أو صليبية أو صهيونية أو غيرها، وتحرر أرض الإسلام المغتصبة وعلى رأسها المسجد الأقصى، وتحمي أرواح وأعراض المسلمين، وتكسب أرضًا جديدة للإسلام، وتبلغ دعوة الله للعالم ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ (الأنفال: 39). هذا الصرح العظيم لا شك أنه يحتاج إلى وضع أساس عميق متين بعد إزالة الركام المتخلف أولًا، ركام الخلل في العقيدة والعادات الجاهلية والهمم المتقاعسة والفرقة والصراعات المتطاحنة وغير ذلك مما أصاب الأمة الإسلامية، ليحل محله العقيدة السليمة النقية من كل شائبة والعبادة الصحيحة من كل بدعة والآداب والأخلاق الإسلامية، والروح الجهادية المتوثبة المضحية والحب والألفة، مرحلة الأساس هذه في بناء هذا الصرح هي أهم وأشق مرحلة، فهي أساس التغيير ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11). وطبيعة الأساس في البناء أنه تحت السطح، فيظن البعض أنه لم يتم شيء، ولم يحدث تغيير لعدم ظهور بناء فوق سطح الأرض، ويتمثل هذا الأساس في الفرد المسلم رجل العقيدة، والبيت المسلم النموذج، والمجتمع المسلم الواعي المتحاب؛ ليقوم على هذه القاعدة الصلبة الحكم الإسلامي المستقر، ويتم هذا على المستوى الشعوب الإسلامية، ثم تتحد تلك الحكومات لتشكل الدولة الإسلامية العالمية، بإذن الله تعالى. لا شك أن تحقيق هذه الأهداف بتلك الصور يحتاج إلى جهود وإلى صبر ومصابرة وجهادية وتضحية، وإلى وقت يقاس بعمر الدعوات والأمم لا بعمر الأفراد.
من هذا يتضح أن الأهداف محددة ومعلومة من أول يوم، ومراحل تحقيقها أيضًا محددة ومرسومة، ولا يتصور لمثل هذه الحركة العالمية أن تسير هكذا دون أهداف محددة أو خطة عمل مرسومة، وكيف ينتظم فيها هذا العدد الهائل من العاملين الصادقين، ويقدمون كل تضحية تطلب منهم إذا كانت بدون أهداف أو خطة، قد يكون هناك مجال لاستيضاح الأهداف والخطة لمن لم يتضح له ذلك، ولكن لا مجال مطلقًا للشك في وجود أهداف محددة، ولا مجال للشك في وجود العزم على التغيير وتحقيق الأهداف، ولو لم يكن العزم موجودًا لانفض الجمع وانتهى الأمر إزاء العقبات الكثيرة والمحن المتكررة، ولكنه ولله الحمد العزم الصادق رغم كل ذلك.
ومن المفيد أن نربط حجم التغيير مع الزمن، فنتصور معًا كيف أن منحنى الدعوة الإسلامية كان في هبوط منذ بضعة قرون، ولكن بفضل الله أولًا ثم بتأثر الحركة الإسلامية تحول من الهبوط إلى الصعود- وإن كان الصعود بطيئًا بعض الشيء لطبيعة مرحلة الأساس- وسيعلو بعد ذلك سريعًا بإذن الله، وقد أشرت في كلمتي الأولى إلى أدلة هذا الصعود من تغيرات هامة تمت على الساحة الإسلامية لم تكن موجودة عند بدء الحركة. وعلى ضوء هذه النظرة للقضية العامة بحجمها الحقيقي نعرض إلى بعض النقاط أو القضايا الجزئية التي أثيرت بشيء من التركيز بإذن الله.
* موضوع الصفوية والعزلة عن الجماهير، تعرض له الأخ أبو أنس. فلا بد من اصطفاء العناصر التي تكون بمثابة الركائز، وهي التي تقوم مع غيرها بنشر الدعوة وسط الجماهير الذين هم حقل الدعوة بالوسائل المختلفة التي تناسب أحوال الجماهير وتعالج مشاكلهم، ومن الأيام الأول للحركة وهي تحرص على ذلك عمليًّا بإنشاء المدارس والمستوصفات والمستشفيات والمؤسسات الاقتصادية والأندية الرياضية، وتتصل بالناس حتى في المقاهي. ورغم محاولات الأعداء عزل الحركة عن الشعب بمنع النشاط العام وتشويه صورة الحركة بأجهزة إعلامهم لكنهم فشلوا، ودليل ذلك إقبال الناس على الخط الإسلامي في الانتخابات والنقابات.
* أما أن تكون ضخامة الواقع الذي يواجه الحركة سببًا في إخفاقها في تحقيق أهدافها فلا أعتقد ذلك، فهذا الواقع الضخم الذي يواجه العمل الإسلامي كان معلومًا لنا من أول يوم ونبه إليه الإمام الشهيد، ولكنه ذكر أن ذلك لن يثنينا عن العمل والمضي؛ لأن هناك عوامل نجاح لا تقف أمامها عقبات بإذن الله، وهي إخلاص النية ونبل الغاية وحاجة العالم لدعوتنا وتأييد الله لنا، فليس هناك هروب من مواجهة الواقع الضخم، ولا اكتفاء بالنجاة بأنفسنا أو غير ذلك، ولكننا نتعاون مع الجميع لمواصلة السير لتحقيق الأهداف دون وهن أو ضعف أو استكانة.
* أما عن أثر المحن أو الهزيمة وما تحدثه من تصدع في الصف، فالحقيقة أن المحن التي هي سنة الله في الدعوات من شأنها أنها تصقل الأفراد وتزيد الصف صلابة والتحامًا بعد التخلص من نقط الضعف. والهزيمة في معركة ليست هي الهزيمة الحقة، ولكن الهزيمة هزيمة النفوس والشعور بالإحباط وليس ذلك من شيم جند العقيدة امتثالًا لأمر الله ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: 139). وقد تحدث خلافات ليست الهزيمة في معركة سببها، ولكن ربما تساعد عليها أو تزيدها.
* وحول تكامل مناهج التربية وظهور عناصر موغلة في التطرف الروحي أو غير ذلك فمناهج الحركة التربوية متكاملة ومتوازنة، وإذا ظهر تطرف في جانب روحي أو عسكري أو سياسي على حساب جوانب أخرى، فهذه حالات فردية لا يحكم بها بوجود خلل في المناهج، وكثيرًا ما تظهر مثل هذه الصور في تجمعات خارج الجماعة حال الحل والتضييق دون احتوائهم.
* وموضوع المثالية والبعد عن المجتمع فليست ظاهرة تلصق بالحركة بسبب ظهور بعض أفراد انطوائيين.
المجتمع: هناك مقولة بأن مخرجات العمل التربوي لا ترقى لمستوى الأهداف، فلتحقيق الأهداف نحتاج إلى السياسي والإعلامي والتربوي والاقتصادي والرياضي وغيره، أما مخرجات العمل التربوي فهي دائمًا مخرجات تربوية أي الناتج دائمًا «مربين» ومقولة أخرى أن الأسلوب التربوي بعد الإمام حسن البنا تأثر بأجواء السجون والاضطهاد والمحن بعد الخمسينيات وتأثر بالعزلة الشعورية وبجاهلية المجتمع التي تحدث عنها الشهيد سيد قطب أو غيره.
أبو أنس المغربي: لا مناص من الاعتماد على المنهج التربوي في إعداد الرجال الذين يعتمد عليهم في إحداث التغيير، وليس سهلًا أن يستوعب المنهج التربوي كل الجماهير التي تريد العمل الإسلامي لحاجة العمل الإسلامي لعاملين يتمتعون بوحدة وتجانس فكري. وهذا ما يدفعنا إلى الصفوية أو الاصطفاء. العمل التربوي يبدأ ببناء الذات لتكون مستعدة للمجابهة والصراع والتحدي بمعناه الشمولي: التحدي السياسي والإعلامي والاقتصادي والعسكري والاجتماعي إلى آخره، وبناء الفرد أو الأفراد على هذا المنوال يحتاج إلى جهود مضاعفة وإلى رجال يحملون هذه الروح. ثم لا ننسى أن العملية التربوية تعيش في صراع مع منظومات تربوية أخرى مغايرة لخطنا الإسلامي؛ مما يجعل اصطفاء النوعيات عملية صعبة، خاصة وأننا نريد أن نعد الرجل الذي يحمل الدعوة ولا تحمله الدعوة.
أمر آخر ربما يحدث شيئًا من التناقض أو التمزق بسبب استعجال البعض ورغباتهم أن تحقق الحركة في مرحلة الدعوة ما لا يمكن تحقيقه إلا في مرحلة الدولة، وقد يدفع ذلك البعض إلى ما يسمى بمحاربة الطواغيت والمفاصلة الشعورية أو محاربة المجتمع ما دام لا يعمل بمقتضيات «لا إله إلا الله».
وخطأ آخر يقع فيه البعض وهو تتبع المسائل الصغرى في الإسلام وتضخيمها على حساب المسائل الكبرى والقضايا المصيرية. وكلمة أخيرة حول المخططات، حقًا يجب علينا أن نبني عملنا على قواعد علمية وتخطيط جيد؛ لكن أن نضع للخطط مقاييس زمنية محددة، ونقيد أنفسنا بها، فإذا لم تتحقق في نفس الزمن قد يشعر البعض بانتكاسة أو شعور بالفشل فلا يجوز، ولكن علينا أن نأخذ بكل الأسباب الممكنة ونتوكل على الله، والنتائج بيد الله الذي بيده الأمر.
عضو القيادة: أحب أن أشير إلى ما عبر عنه بالفكر الرسمي والالتزام به وعدم معارضته تفاديًا للفتن وما قد يفهم من ذلك من كبت للآراء أو غير ذلك، أذكر أن أحد المسلمين الأمريكان سألني عندما كنت في زيارة قريبة وضعتها جماعة الإخوان المسلمين؛ لتحميها من أن يدخل فيها أناس ويحرفوها عن خطها الأساسي؟ فقلت: إن الإمام البنا رحمه الله انتبه إلى هذا المعنى، وجعل الأمور الأساسية والأصول التي لا بد منها لسلامة السير وعدم انحرافه أركانًا للبيعة؛ بحيث يكون كل فرد في الجماعة حارسًا أمينًا على هذه الأسس والأصول من أي انحراف وفاءً لبيعته، حتى لو انحرفت القيادة فعلى الأفراد أن يسددوها. الشاهد في ذلك أنه إذا قصد بالفكر الرسمي هذه الأسس والأصول كالفهم الذي ارتضته الجماعة، وهو الركن الأول من أركان البيعة، فواجب على كل أخ الالتزام به وعدم مخالفته، ولا يعني ذلك الحجر على الأفراد، ولكن لتفادي حدوث تيارات ومدارس فكرية مختلفة داخل الجماعة الواحد، فتتمزق وحدتها وتتشتت جهودها. فيما عدا هذه الأسس الأصول العامة فحرية الرأي مكفولة، بل مطلوبة لتنمية المواهب والمبادرات التي تنمي شخصية الأخ المسلم.
* وبالنسبة لموضوع القيادة وخلع هالة عليها أو نوع من القدسية لها، فلم ألمسه طول حياتي في الجماعة، كيف والقيادة عبء ثقيل ومسؤوليات وليست مجال تشريف وتعظيم، وكثيرًا ما تتعرض للاعنات لا للتعظيم من الأفراد. وهذا لا يمنع من أن يحمل أفراد الجماعة لقيادتها حبًّا وتقديرًا بعيدًا عن التقديس، وقد يغالي أحد في تعبيره عن هذا الحب والتقدير، فيجد هذا التعبير من يغالي ويصفه بالتعظيم أو التقديس.
* أما عن مقولة أن الأسلوب التربوي حدث فيه تحول بعد استشهاد الإمام البنا وتأثر بالسجون وجوها، فأقول: إنه لم يحدث تحول عن الأسس التي قامت عليها مناهج التربية في الإخوان والتي وضعها الإمام البنا، ولكن لا شك أنه كان لظروف المحن التي أعقبت استشهاده وما صاحبها من منع للنشاط العام ومن ملاحقات وتضييقات وسجون وتعذيب وقتل وغير ذلك. لا بد وأن يترك ذلك كله بصماته على أسلوب التربية بما يجعله متوائمًا مع تلك الظروف ويحقق متطلباتها، ولكن لا يعتبر ذلك تحولًا عن الخط الأصلي، بالإضافة إلى أن الحركة تمر بمراحل متغيرة وليست ثابتة عند مرحلة بذاتها، ولكل مرحلة متطلباتها التي قد تغاير مرحلة سابقة بعض الشيء فلا يعتبر تحولًا عن الخط.
* وعن مقولة أن هناك خطأ لحسن البنا وخطأ لسيد قطب، فليس ذلك صحيحًا، فالأستاذ سيد رحمه الله لم يخرج في إجمال ما كتبه عن الإطار العام للجماعة الذي رسمه وحدده حسن البنا رحمه الله، وإن كانت كتابته أثناء المحنة اتسمت بلون معين، فكان ذلك نتيجة لتفاعله مع المحنة وأبعادها وعمقها- ولا أقول نتيجة لمعاناته فيها- ولكن للأسف رتب بعض الأفراد على بعض ما كتبه الأستاذ سيد فكرًا وأحكامًا لا تحتمله، وتصرف بعضهم إلى تكفير غيرهم من المسلمين، وبعد بذل الجهد في تصحيح أفهامهم تحت مفاصلة من أصر منهم على هذا الفكر.
* وأخيرًا فيما يتصل بالدم الجديد وتجديد القيادة، فيعلم الله كم تسعى القيادة في كل موقع لترشيد الشباب وإعدادهم وحثهم للتقدم لتحمل المسؤولية خاصة وأن ساحة العمل تتسع دائمًا ومجالاته تزداد.
وأهداف الحركة كبيرة عظيمة وتستغرق لتحقيقها زمنًا طويلًا قد يغطي أجيالًا، ولا بد من توريث الأمانة والقيادة للأجيال التالية- ولكن لأيد أمينة تحافظ على أصالتها وخبرتها ولا تفرط فيها- ويعلم الله كم نتمنى من قلوبنا أن تكون الأجيال التالية أقوى منا إيمانًا وأكثر التزامًا؛ لأنها بإذن الله ستجني حصاد- هذا الجهاد المرير الطويل، وتتحمل أمانات النصر والتمكين بإذن الله. فنريد من الشباب الجديد أن يبذل الجهد في إعداد نفسه لهذه المسئوليات، وأن يلتحم مع الأجيال السابقة، فتجتمع حكمة الشيوخ مع حيوية الشباب، ويتم التوريث ليواصل المسيرة على بصيرة، وبقوة بعون الله. أذكر أني كنت في لقاء مع مجلس شورى الجماعة الإسلامية بباكستان، ولاحظت أن غالبيتهم فوق الأربعين أو الخمسين عامًا، فأشرت عليهم في كلمتي بضرورة إدخال عنصر الشباب معهم في هذا المجلس. أسأل الله أن يبارك في شبابنا المسلم، وأن يجري الخير والنصر والتمكين لدينه على أيديهم، إنه نعم المولى ونعم النصير.. آمين.
* المجتمع: نشكر الأخوة جميعًا على هذا اللقاء الطيب المبارك آملين من الله تعالى أن يسدد خطانا جميعًا؛ لما فيه خير الإسلام ورفع راية المسلمين.

الرابط المختصر :