; قيامًا بواجب البلاغ والدعوة إلى الله | مجلة المجتمع

العنوان قيامًا بواجب البلاغ والدعوة إلى الله

الكاتب خليل بن أحمد الحامدي

تاريخ النشر الثلاثاء 01-يونيو-1976

مشاهدات 72

نشر في العدد 302

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 01-يونيو-1976

كتب هذا البحث بطلب من المجلس الإسلامي الأوربي لإلقائه في المؤتمر الإسلامي الدولي الذي عقده المجلس في العشر الأول من شهر إبريل- نيسان- ١٩٧٦م بلندن. ومع الأسف أنني لم أستطع حضور هذا المؤتمر لانحراف صحتي، ولكن البحث ألقي في المؤتمر في جلسته التي عقدت في الرابع من إبريل بلندن.

وتناولت في البحث ثلاث عقائد أساسية في الإسلام؛ لأن البحث موجه أساسًا إلى غير المسلمين، ولذلك أحببت أن أركز العناية على ثلاث عقائد رئيسية في الإسلام، وهي: الإيمان بالله، والإيمان بالرسالة، والإيمان بالآخرة. والذي يؤمن بالله مبدئيًّا لا جرم أنه يؤمن بعد ذلك بجميع العقائد الأخرى التي يأتي بها الإسلام؛ كالإيمان بالملائكة والإيمان بالقدر.

وحاولت أن أقدم إلى الغرب حقيقة الإسلام من خلال عقائده الثلاث، بأسلوب إيجابي، ليتمكن كل إنسان يريد أن يفهم الإسلام بصورته الصحيحة من المقارنة بين ما يقدم الإسلام للإنسان من تصورات عن الإله والأنبياء والدنيا والآخرة، وبين ما تحتوي عليه الأديان الأخرى من نظريات وضعها الإنسان نفسه حول هذه الأمور.

                                                                    «أبو الأعلى المودودي»

إلى أي شيء يدعو الإسلام؟

1- من اللازم أن نوضح، ونحن في مستهل الحديث، أن الإسلام في عقيدتنا ليس اسمًا لدين بدع كان محمد صلى الله عليه وسلم أول من تقدم به حتى يصح وصفه صلى الله عليه وسلم بمؤسس الإسلام؛ بل القرآن يصرح كل الصراحة أن الله تعالى لم يرسل إلى البشرية طول التاريخ البشري إلا دينًا واحدًا، وهو الإسلام؛ أي استسلام الإنسان لحكم الله -وكل الأنبياء الذين بعثهم الله في أقطار مختلفة من الأرض، وفي شعوب مختلفة في العالم لم يكونوا بناة لأديانهم حتى نعبر عن دين من تلك الأديان بالدين النوحي، أو بالدين الإبراهيمي، أو بالدين الموسوي، أو بالدين المسيحي؛ بل كل نبي جاء من عند الله تعالى دعا إلى نفس الدين الواحد الذي دعا إليه من سبقه من الأنبياء.

2- والخصائص التي يمتاز بها محمد صلى الله عليه وسلم من بين سائر الأنبياء هي:

أولًا: هو آخر أنبياء الله.

ثانيًا: على يده بعث الله من جديد نفس الدين الأصيل الذي نادى به جميع من قبله من الأنبياء.

ثالثًا: استخلص الله هذا الدين من كل ما مزجه الناس في حقب مختلفة من التاريخ من عند أنفسهم وجعلوا منه ديانات متفرقة، وعلم البشرية بواسطة محمد صلى الله عليه وسلم الإسلام الحقيقي الخالص.

رابعًا: ولم يكن الله ليبعث بعده صلى الله عليه وسلم نبيًّا أو رسولًا، ولذلك جعل الكتاب الذي أنزله عليه محفوظًا نصًّا وفصًّا بلغته التي نزل بها، لكي يتمكن الإنسان من الاهتداء بهديه في كل عصر من العصور(*).

خامسًا: احتفظ أصحابه ومن جاء بعدهم من المحدثين بسيرته وسنته عليه الصلاة والسلام بطريقة مثالية لم يتم الاحتفاظ بترجمة حياة أي نبي أو شخصية تاريخية أبدًا بصورة أحفظ منها وأشمل(x).

سادسًا: هكذا فإن القرآن ثم سيرة صاحبه وسنته اللتين بلغتا من الصحة الشأو الأقصى أصبحا مصدرين موثوق بهما لمعرفة ما هو دين الله في الواقع، وما هو الهدى الذي جاء به إلينا، وماذا يقتضيه منا.

3- إننا وإن نؤمن بجميع من جاء قبل محمد صلى الله عليه وسلم من الأنبياء، ذكرهم الله في القرآن أو لم يذكرهم، وأن هذا الإيمان جزء لازم من عقيدتنا، لا يكتمل إسلامنا بدونه، ولكننا لا نتلقى الهداية إلا من محمد صلى الله عليه وسلم فقط.

وهذا أمر ليس مرده نزعة عصبية؛ وإنما السبب الحقيقي في ذلك هو:

أولًا: أنه صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء، ولذلك التعليم الذي جاء به من عند الله عز وجل هو آخر التعاليم.

ثانيًا: وكلام الله الذي بلغنا عن طريقه هو كلام إلهي خالص لم يمازجه شيء من كلام البشر، وهو محفوظ بلغته الأصلية، ولغته تعتبر من اللغات الحية في العالم، ينطق بها اليوم الملايين من البشر: يكتبون بها ويفهمونها. ولم يطرأ أي تغيير على قواعد هذه اللغة ومبانيها ومعانيها وأساليبها ولهجتها ورسوم الكتابة بها.

ثالثًا: وكما ذكرنا آنفًا أن سيرته صلى الله عليه وسلم وما كان عليه من الأخلاق والسلوك والأعمال، وما صدر منه من الأقوال تم تدوينه وحفظه بأصح ما يكون من الطرق، وبأكثر ما يمكن من التفاصيل. وبما أن هذه الميزة لا تنطبق على غيره من الأنبياء السابقين نؤمن بهم ولا نتبعهم.

4- إن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم بموجب عقيدتنا جاءت لجميع العالم ولسائر الأزمان؛ وذلك لأنه:

أولًا: القرآن نفسه يصرح بذلك.

ثانيًا: وهو المقتضى المنطقي لكونه صلى الله عليه وسلم آخر الأنبياء؛ لأن كون نبي آخر الأنبياء يستوجب بحكم المنطق أن يكون هو الهادي والموجه لجميع الناس ولسائر ما يتبعه من الدهور والعصور.

ثالثًا: قد استكملت على يديه الهداية التي يفتقر إليها الإنسان لاختياره الطريق السوي. وهذا أيضًا مما يقتضيه المنطق؛ إذ إن كل نبي يبعث ثم لا تنزل عليه الهداية المتكاملة لا يمكن أن يكون هو آخر الأنبياء، بل تبقى الحاجة بعده أيضًا إلى نبي أو رسول.

رابعًا: من الواقع أنه لم يأت بعده صلى الله عليه وسلم لمدة ما يقارب أربعة عشر قرن شخص ادعى النبوة ثم يتشابه الأنبياء في سيرته وسلوكه وأقواله وأعماله ولو بأبعد وجه من الشبه، أو ادعى أنه يوحى إليه ثم جاء بكتاب يتناسب مع كلام الله ولو بأقل درجة من النسبة، حتى يوصف بأنه نبي حامل للشريعة.

5- ومن الضروري كذلك في هذه المرحلة من البحث أن نعرف ما هو العلم الذي يفتقر إليه البشر ولم يتلقه إلا عن طريق الأنبياء فقط:

إن هناك في الدنيا أشياء نعرفها بأحاسيسنا أو ندركها باستخدام أدواتنا الفنية، ثم إن المعلومات التي نحصل عليها من هذين الطريقين نستطيع أن نرتبها بالاستعانة والتجارب وبإعمال قوة التفكير والاستشهاد، لكي نصل منها إلى استنتاجات جديدة. فالعلم بهذا النوع من الأشياء ليس من قبيل ما يضطر الإنسان إلى أن ينزله الله إليه؛ إذ إن هذه الأشياء تدخل ضمن نطاق مجهودنا وبحثنا وتفكيرنا وتأملاتنا واكتشافاتنا. وإن خالقنا الكريم وإن لم يتركنا كليًّا في هذا المجال أيضًا، بل إنه ظل يعرفنا على أسرار كونه ومكنونات مخلوقه بطريقة غير محسوس بها، وبالتدرج الملحوظ عبر التاريخ الإنساني، وظل يفتح علينا أبواب المعرفة والاطلاع والتفهم. كما ظل شخص من الأشخاص من حين لآخر بطريق الإيحاء على أمر استطاع من خلاله أن يأتي باختراع جديد، أو يتوصل إلى قانون جديد للطبيعة. ولكن هذا النوع من العلم في مجموعه يدخل في نطاق العلم الإنساني، ولا يستلزم الحصول عليه ظهور نبي من الله أو نزول کتاب منه؛ لأن المعلومات التي تلزم للإنسان في هذا النطاق قد أوتي الإنسان وسائل الحصول عليها.

والقسم الآخر من الأشياء التي هي أسمى من أن تبلغها أحاسيسنا، أو تتحكم فيها أدواتنا الفنية، فلا نستطيع وزنها أو كيلها، ولا تسعفنا من وسائل الاطلاع التي نملكها في التوصل إلى معلومات عنها «بالعلم».

وإذا جاء الفلاسفة أو العلماء يرون فيها رأيًا فلا يتجاوز رأيهم تخمينًا محضًا أو ضربًا من الظن، أي رأي لا يوصف «بالعلم»، وهي الحقائق النهائية.

والنظريات القائمة على الاستنباط حول هذه الحقائق لا يقول حتى الذين وضعوا هذه النظريات أنها يقينيات، وهم إن عرفوا مبلغهم من العلم لا يحبوا أن يؤمنوا بها، ولا أن يدعوا غيرهم إلى الإيمان بها.

هذا هو النطاق الذي يفتقر فيه الإنسان لإدراك الحق إلى العلم الذي يؤتيه الله خالق الكون. ولم يؤته خالق الكون هذا العلم بحيث طبع كتابًا، وناوله كل فرد من أفراد البشر، وأمر بدراسته لكي يعرف بنفسه ما هي حقيقة الكون وما هي حقيقته نفسه، وماذا عسى أن يكون دوره في الحياة الدنيا في ضوء هذه الحقيقة. بل إنه جل وعلا قد اختار أنبياء ورسلًا لتبليغ الإنسان هذا العلم فأطلعهم على تلك الحقائق بالوحي، ثم أمرهم بأن يبلغوا الناس هذا العلم.

6- وليس من مهمة النبي أن يبلغ الناس علم الحق فقط، بل من مهمته أيضًا أن يخبر الناس وفقًا لذلك العلم بما هي العلاقة الواقعية، وماذا يجب أن تكون عليه العلاقة الفعلية بين الله والإنسان، وبين الإنسان والإنسان؟

ثم ما هي العقائد؟ وما هي الشعائر التعبدية؟ وما هي الأخلاق؟ وما هي مبادئ الحضارة والمدنية التي يتطلبها هذا العلم؟ وكيف تؤسس كل شعبة من شعب الحياة كالاجتماع، والاقتصاد، والمالية، والسياسة، والقضاء، والحرب والمصالحة والعلاقات الدولية؟ وما إلى ذلك على مقتضى هذا العلم، ولا يجيء النبي بطائفة من الطقوس والعبادات فقط التي يصطلح عليها الناس بالديانة، بل يجيء بنظام متكامل للحياة يصطلح عليه الإسلام بالدين.

7- ثم لا تقتصر مهمة النبي تبليغ علم الدين فقط، بل من مهمته كذلك أن الذين يؤمنون به ويسلمون أن يفهمهم ذلك الدين، ويعلمهم ما له من العقائد والأخلاق والعبادات والأحكام القانونية ونظام الحياة في الجملة، وأن يجعل من نفسه مسلمًا مثاليًّا يحذون حذوه في حياتهم الفعلية، وأن يعدهم على المستوى الفردي، وكذلك على المستوى الجماعي، على أن يكونوا قاعدة صالحة للحضارة الإسلامية السليمة والمدنية الإسلامية النزيهة، وأن ينظمهم ويجعل منهم جماعة تشمر عن ساق الجد لإقامة دين الله في واقع الحياة، إلى أن تكون كلمة الله هي العليا، وتكون سائر الكلمات الأخرى هي السفلى. وليس من اللازم إن كان كل نبي قد بلغ في صدد مهمته المشار إليها آخر أشواط الانتصار، بل كم من نبي لم يواكبه النجاح في مهمته، لا لقصور منه، بل لسبب مقاومة الناس المتعنتين وعدم ملاءمة الظروف.

وعلى كل حال، هذه هي المهمة التي أسندت إلى كل نبي من الأنبياء، غير أن الذي امتاز به محمد صلى الله عليه وسلم -والتاريخ أبرز شاهد على ذلك- هو أنه جعل حكومة الرب قائمة في الأرض كما هي قائمة في السماء.

8- إن القرآن الكريم ومحمدًا صلى الله عليه وسلم يجعل كل منهما خطابه إما عامًّا شمل جميع البشر، وإما خاصًّا استهدف الذين أسلموا من بين الناس وقبلوا دعوة الإسلام، فخاطبهم ككونهم مؤمنين. وإذا تصفحت القرآن الكريم من أوله إلى آخره أو تغربلت كل السجلات المدونة من خطب محمد صلى الله عليه وسلم وأحاديثه، لا تجد أبدًا أن هذا الكتاب أو الرسول الذي جاء به هذا الكتاب يخاطب بلدًا بعينه، أو شعبًا بعينه، أو جنسًا بعينه، أو طبقة بعينها من الناس، أو الناطقين بلغة بعينها. بل إن كلًّا منها إما خاطب البشرية قائلًا: «يا بني آدم» و«يا أيها الناس»، ووجه إليهم دعوة الإسلام، أو خاطب الذين آمنوا بدعوته ليعطيهم ما يلزمهم من الأحكام والتعاليم قائلًا: ﴿يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا. ويتضح من ذلك تلقائيًّا أن دعوة الإسلام عالمية، وكل من يقبل هذه الدعوة من البشر يصير مؤمنًا وينال كل الحقوق على قدم المساواة. يقول القرآن: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ (الحجرات: 10)، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من شهد أن لا إله إلا الله، واستقبل قبلتنا وصلى صلاتنا، وأكل ذبيحتنا فهو المسلم، له ما للمسلم وعليه ما على المسلم». وقال صلى الله عليه وسلم أكثر من ذلك صرحة: «أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى».

9- العقائد التي يقوم عليها بناء الإسلام أهمها وأفضلها الإيمان بالله الواحد؛ أي لا الإيمان بأن الله موجود فحسب، ولا الإيمان بأنه واحد فحسب، بل الإيمان بأنه هو الخالق لهذا الكون، ومالكه وحاكمه ومسيره، وبأن الكون قائم بإمساكه إياه، وسائر بتسييره إياه، وهو الذي يؤتي كل شيء فيه ما يضطر إليه من الرزق أو القوت لبقائه، وهو متسم بجميع صفات الحاكمية، لا يشاركه فيها أحد ولا بقدر قطمير، وهو الذي يتصف بجميع صفات الألوهية، ولا يملك أحد غيره أية صفة من تلك الصفات. وهو بصير بكل ما في السماوات والأرض، عليم بكل شيء فيهما علمًا مباشرًا لا يحيط بحاضره فحسب، بل بماضيه ومستقبله أيضًا. ليس لأحد غيره هذه العين التي تبصر الجميع، وهذا العلم بالغيب الذي يحيط بكل شيء، وهو قائم من الأزل وباق إلى الأبد، وكل من سواه فان، وهو الواحد الحي بحياته، والباقي ببقائه.. لم يولد، وكل ما في السماوات والأرض مخلوق له، وليس لأحد فيهما أن يقال له: رب الكون، أو ابنه، أو بنته بأي معنى من المعاني، وهو المعبود الحقيقي للبشر. وإشراك غيره في عبادته لهو أعظم الجرائم وأكبر أنواع الخيانة. وهو الذي يجيب دعاء الإنسان، وله الخيار في أن يستجيبه أو يرفضه، وأن يمتنع الإنسان من الدعاء إليه كبر بغير حق، وأن يدعو غيره جهل محض، وأن يدعو معه إلهًا آخر إشراك في ألوهيته.

10- من جهة نظر الإسلام إلى حاكمية الله تعالى لا تقتصر على ما وراء الطبيعيات؛ بل له حاكمية سياسية وقانونية أيضًا. ولا يشاركه أحد أيضًا في تلك الحاكمية، وليس لأحد سواه أن يمارس حكمه على أرضه وعلى عباده، سواء أكان هذا الغير ملكًا، أو أسرة ملكية، أو فئة حاكمة، أو نظام ديمقراطي يؤمن بحاكمية الجماهير، وكل من يستقل بسيادته دون الله فهو متمرد. والذي ينصرف منه إلى غيره ويطيعه فهو كذلك متمرد. ونفس الأمر ينطبق على الشخص أو الهيئة التي تستبد لنفسها بالحاكمية السياسية والقانونية، ويجعل سلطات الله قاصرة على الأحوال الشخصية فقط، أو على الأحكام والتعليمات الدينية -بالمعنى المحدود للدين- والحق أنه لا يوجد أحد من دون الله -ولا يمكن أن يوجد- شارع مطلق في أرضه التي بسطها، ولعباده الذين خلقهم، ولا يحق لأحد أن يتحدى سيادته العليا.

11- وهذا التصور للإله يستلزم أمورًا عديدة بحكم المنطق:

أولًا: أن الله هو المعبود الحقيقي الواحد للإنسان «أو بكلمات أخرى: هو الذي يستحق أن يعبده الإنسان»، وليس لأحد غيره أن يعبده الإنسان.

ثانيًا: هو الواحد الذي يتحكم في جميع قوى الكون، وله الخيار في أن يستجيب دعوات الناس، أو لا يستجيب. ولذلك يجب على الإنسان أن لا يدعو إلا إياه، وأن لا يظن في أحد من دونه يستحق الدعاء ويملك الإجابة.

ثالثًا: وهو الواحد الذي يملك مصائر الإنسان، ولا يقدر غيره أن ينفع الإنسان أو يضره؛ فليس للإنسان أن يرجع إلا إليه خوفًا أو طمعًا.. لا يرجو إلا رحمته، ولا يخاف إلا عذابه.

رابعًا: هو الخالق والمالك للإنسان ولما حوله من الكون. وعلى هذا هو الذي يعلم ويقدر أن يعلم حقيقة الإنسان، وكذلك حقائق الكون بأجمعه علمًا مباشرًا وكاملًا. وهو الذي يقدر أن يهدي الإنسان الطريق السوي من بين السبل المعوجة، ويعطيه النظام الصحيح للحياة.

خامسًا: ثم إذا كان هو الله الواحد خالق الإنسان ومالكه، وهو المالك لهذه الأرض التي يعيش عليها، فمن الكفر الصريح أن تكون الحاكمية على الإنسان لغيره أو للإنسان نفسه. ونفس الحكم ينطبق على الإنسان إذا جاء هو نفسه شارعًا لنفسه، أو يقر لشخص، أو مجموعة من الأشخاص، أو هيئة من الهيئات بصلاحيات التشريع. بل الله له وحده أن يكون الحاكم في أرضه وعلى مخلوقه، وأن يكون المشرع له.

سادسًا: ومن وجهة كونه مالكًا للسلطة العليا، فإن قانونه هو القانون الأعلى، ولا يملك الإنسان صلاحيات التشريع إلا إذا كانت تابعة للقانون الأعلى، ومستمدة منه، أو مبنية على إذنه.

12- وتأتي في هذه المرحلة عقيدة أساسية أخرى في الإسلام، وهي عقيدة الإيمان بالرسالة؛ فالرسول شخص ينزل الله تعالى قانونه على البشر بواسطته، ويصلنا هذا القانون من الرسول بصورتين:

أولاهما: وحي الله تعالى بنفس الألفاظ التي نزل بها على الرسول، وهو القرآن.

ثانيًا: الأقوال والأعمال والأوامر والنواهي التي توجه بها الرسل إلى أتباعهم وفق تعليمات الله، وهي السنة. وأهمية هذه العقيدة أنها إذا لم تكن يبقى الإيمان بالله تعالى فكرة جوفاء وتصورًا مجردًا. والشيء الذي يصوغ عقيدة الإيمان بالله في قالب الحضارة والمدنية ونظام الحياة البشرية هو توجيه الرسول الفكري والعملي؛ إذ بواسطته يصلنا قانون الله تعالى، وهو الذي يبني قواعد الحياة تبعًا لمقتضى هذا القانون، ولذلك لا يصير الإنسان مسلمًا إلا إذا آمن بالرسالة بعد إيمانه بالله.

 13- وقد أوضح الإسلام مكانة الرسول بحيث نستطيع أن نعرف جيدًا حقيقة الرسول من الناحية الإيجابية، وكذلك نستطيع أن نعرف حقيقته من الناحية السلبية؛ فالرسول لا يأتي لجعل الناس عبيدًا له، بل لجعلهم عبيدًا لله تعالى، وعن نفسه أيضًا يقول: إنه عبد الله. والتعليم الذي آتاه الرسول المسلم لإعادة كلمة الشهادة في الصلوات الخمس سبعة عشرة مرة يوميًّا على الأقل يتضمن النص التالي: «أشهد أن محمدًا عبده ورسوله». ولا يترك القرآن أدنى مجال للشك في باب كون الرسول بشرًا، وكونه غير شريك في الالوهية، ولا بمثقال ذرة. كما أنه ليس شخصًا يفوق البشر، ولا يخلو من مقتضيات البشرية كالجوع والعطش، والتعب، والنوم، والزواج، والمرض والجوع وما إلى ذلك.

ولا يملك خزائن الله، ولا يعلم الغيب بحيث يعلم كل ما يعلمه الله تعالى، ولا يملك لنفسه ضرًّا ولا نفعًا، فضلًا من أن يملك لغيره نفعًا أو ضرًّا. وما عليه إلا البلاغ، ولا يملك أن يهدي من أحبه، وليس له أن يؤاخذ المنكرين، وينزل عليهم العذاب. وهو نفسه إذا عصى الله -والعياذ بالله- أو افترى على الله شيئًا، أو تجاسر على تبديل وحي الله من عند نفسه ولو بشيء يسير، لا ينجو من العذاب. محمد صلى الله عليه وسلم رسول من الرسل، ولا يملك مكانة تفوق الرسالة، وليس بیده أن يحرم شيئًا أو يحله. أو بكلمات أخرى: لا يجوز له أن يشرع من تلقاء نفسه بغير أن يأذن له الله. وهو مأمور باتباع الوحي الذي ينزل عليه من الله.

هكذا أنقذ الإسلام البشرية من جميع المبالغات التي تورط فيها اتباع من سبق محمدًا صلى الله عليه وسلم من الأنبياء والرسل، إلى أن جعلوهم آلهة، أو أنداد الله، أو أولاده، أو متجسدة. أنكر الإسلام جميع هذه المبالغات بكل صراحة، وبين المكانة الحقيقية للرسول كما يلي:

لا يكون المرء مؤمنًا ما دام لا يؤمن بالرسول.. فمن أطاع الرسول فقد أطاع الله في الحقيقة؛ لأن الله لم يبعث رسولًا إلا ليطاع. ولا يهتدي إلا من أطاع الرسول، فيجب الأخذ بما يأمره الرسول والانتهاء عما نهاه، ويجب الأخذ بما أمره الرسول والانتهاء عما نهاه. وأوضح محمد صلى الله عليه وسلم بنفسه هذا الأمر فقال: «إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر»، وفي رواية: «أنتم أعلم بأمر دنياكم».

وسنة الرسول بيان لمراد القرآن. ومنزل القرآن -أي الله- هو الذي علمه هذا البيان. وهذا الأمر يكسب بيانه سندًا إلهيًّا، ولذلك لا يجوز لشخص أن يأتي ببيان القرآن من تلقاء نفسه مستغنيًا عن بيان الرسول.

وجعل الله حياة الرسول أسوة للمؤمنين، فلا يكون المرء مؤمنًا ما دام لا يسلم بما يقضي الرسول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ (الأحزاب: 26). وليس من شأن المسلمين كذلك إذا واجهتهم قضية من القضايا أن لا يتأكدوا قبل أن يقضوا فيها: ماذا أمر الله ورسوله فيها؟

(*)وفيما يتعلق بالقرآن فإنه لا مجال للشك في أنه هو القرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يدخل عليه أي تبديل أو تحريف. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بكتابة كل ما يتنزل عليه من القرآن دون تأخيره، واستمر هذا الأمر إلى وفاته صلى الله عليه وسلم، وجاء خليفته الأول أبو بكر رضي الله عنه وجمع هذا القرآن الذي كتب كله في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ ولكنه كان متفرقًا، فجمع من الرقاع والعسب وغيرها، ثم استنسخ منها مصحفًا واحدًا جعله محفوظًا في دار الخلافة. ثم جاء الخليفة الثالث عثمان رضي الله عنه واستنسخ مصاحف متعددة من المصحف الإمام، ووزعها في الأمصار وجمع المسلمين عليها. ومنذ ذلك العهد إلى هذه الساعة خذ ما كتب أو طبع من المصاحف وانظر فيها بكل دقة وإمعان، لا تجد بينها ولا فرقًا يسيرًا. وعلاوة على ذلك أمر المسلمون في أول يوم من بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم بتلاوة ما تيسر من القرآن في الصلوات. فحفظ مئات من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم القرآن كاملًا في صدورهم، وحفظ جميع الصحابة أجزاء متفرقة منه في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم. ومنذ ذلك اليوم بدأ عند المسلمين الاهتمام بحفظ القرآن بكامله حرفًا حرفًا بظهر الغيب والقاءه في صلاة التراويح في شهر رمضان كل سنة. وما من عهد في التاريخ الإسلامي إلا وجد فيه الملايين من الناس الذين حفظوا القرآن كاملًا بظهر الغيب. وهل من كتاب ديني في العالم اعتني بالحفاظ عليه مكتوبًا في الأوراق ومحفوظًا في الصدور، كما اعتني بالقرآن الكريم، بحيث لا يدخل في صحته ولا مثقال ذرة من الشك والربية؟

(x) وتلك الطريقة -بإيجاز- هي أن كل شخص كان يروي رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان عليه أن يذكر جميع الرواة الذين بواسطتهم وصلته بتلك الرواية، ويصرح: هل ترتفع سلسلة الرواة إلى راو سمع تلك الرواية بطريق مباشر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو رأى الرسول صلى الله عليه وسلم يعمل هذا العمل أم لا؟ ثم إن جميع الرواة الذين نقلوا تلك الروايات إلى الذين جاءوا بعدهم قد محصت أحوالهم تمحيصًا دقيقًا لإدراك صحة رواياتهم. وكذلك تم تدوين المجاميع العديدة للأحاديث واعتنى القائمون بها بذكر سلسلة الرواة على رأس كل حديث من الأحاديث. ثم ألفت كتب في التراجم والرجال تستطيع من خلالها أن نتأكد اليوم مما كان عليه سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، وماذا جاء به من التوجيهات للناس بأقواله وأعماله وسلوكه.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 14

158

الثلاثاء 16-يونيو-1970

خير أمـة أُخرجت للنـاس!

نشر في العدد 14

141

الثلاثاء 16-يونيو-1970

مع القراء- العدد 14

نشر في العدد 63

148

الثلاثاء 08-يونيو-1971

العقيدة.. أولًا