العنوان كان خلقه القرآن .
الكاتب سمية رمضان
تاريخ النشر السبت 09-أكتوبر-2004
مشاهدات 78
نشر في العدد 1622
نشر في الصفحة 52
السبت 09-أكتوبر-2004
تجربتي في التحرك بالقرآن
هي دعوة عملية للتعامل مع القرآن العظيم بشكل تطبيقي وبنظرة تغير كل شيء في حياتنا لما يحب الله ويرضى، دعوة لنعيش جنة الدنيا دعوة للتعامل مع آيات القرآن الكريم بشكل عملي تطبيقي فلا نكتفي بمجرد تلاوته ثم حبس آياته بعد ذلك بين دفتي المصحف، دعوة لإخراج الآيات لتثير القلب فينبض بها، فتتحرك بها الجوارح.
أي: نتحرك بالقرآن، فعندها سيكون كتاب الله ربيعاً للقلب وذهاباً للهم وجلاء للحزن سنتكلم عن تجربة حية واقعية اشتركت فيها مجموعة من النساء تم توجيههن وتدريبهن على كيفية التطبيق العملي لآيات القرآن الكريم، وكانت نتائج هذه التجربة ناجحة جداً وذلك من واقع روايات النساء أنفسهن وكيفية تعاملهن مع الآيات.
تصوري أنك أتيت بخادمة أنفقت في ذلك الكثير، ولم تقصري معها في مأكل ولا ملبس ولا راتب بل قمت برعايتها وتعليمها حتى صارت صالحة للقيام بالعمل، وعندما أعطيتها مجموعة من الأوراق تحتوي على مهامها وتفصيلات أعمالها في كل شأن من الشؤون «المنزل، الطفل، الملابس، الطعام ... الخ» ثم تركت المنزل في الصباح بعد إعطاء التعليمات لها فيما يجب عليها القيام به، ثم تكون المفاجأة بعد عودتك من الدوام، فالطفل يصرخ ولم تتبدل ملابسه المبتلة والمتسخة والطعام لم يعد والمنزل لم ينظف ولم يرتب والملابس لم تغسل والخادمة تؤكد لك أنها قامت بقراءة الأوراق بعناية واهتمام، بل لربما حفظت أجزاء منها. فماذا يكون موقفك من الخادمة؟ وكم من الزمن تصبرين عليها؟ وماذا يكون رد فعلك حين تطلب منك الطعام والكساء والدواء؟
أليس هذا حالنا مع القرآن؟ نقرأه يومياً ونفهمه ونحفظ الكثير منه، ولكننا لا نعمل به ولا نتحرك به كما يحب ربنا ويرضى ثم ننتظر بجرأة وأحياناً بغفلة ننتظر الطعام الفاخر والمسكن الواسع والسيارة الفارهة، والدواء الناجع والله سبحانه الحليم الكريم يمهلنا ولا يعجل لنا العقوبة، بل إنه سبحانه قد أرسل لنا الرسل ﴿مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ (البقرة: ٢١٣)، ثم أرسل لنا خاتمهم ﷺ الذي كمل به الدين وتمت به النعمة، أرسله ربه ليكون رحمة للعالمين وقدوة وأسوة للمسلمين قدوة في فهم القرآن وفي تدبر القرآن وفي العمل بالقرآن وفي التحرك بالقرآن، ولا غرو، فقد كان ﷺ ترجماناً للقرآن قرآناً يمشي على الأرض، وصدقت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فيما أثر من قولها: «كان خلقه القرآن».
وأنت أيها المسلم قد تكون من المواظبين على قراءة القرآن، ولكننا ندعوك بجانب قراءتك في المصحف أن تتعرف على القرآن المتحرك في الدنيا من خلال تعرفك على رسول الله ﷺ وسيرته وأفعاله وأقواله ولذا فإننا سوف نقوم فيما يلي بتسليط بعض الضوء على جوانب من حركته ﷺ بالقرآن.
كان رسول الله ﷺ يتنزل عليه القرآن، فكان أول من يعمل به ويطبقه ويلتزم به لا عن طاعة وإذعان فقط، بل حباً لربه سبحانه وتعالى حباً ملك عليه فؤاده، وخالط عظامه، واستشرى في عروفه وامتزج بنبضات قلبه وومضات فكره وصاحبه في صحوه ومنامه، فكان تطبيقه ﷺ للقرآن تطبيق المتلهف لصدور الأمر لكي ينفذه على الفور بكل ما تستطيعه نفسه الزكية وهمته العالية.
(1) يأمره القرآن بالصدع بالدعوة وإنذار عشيرته الأقربين فيمتثل على الفور، ويواجه القوة الضاربة المؤثرة في مكة بما تكره وبما تنكر وهو الفرد الأعزل.
(2) يأمره القرآن بالدعوة إلى الله، فتكون حياته كلها منذ بعث حتى قبض ﷺ دعوة إلى الله لا تهدأ ولا تكل.
(3) يأمره القرآن بالصبر والثبات فيكون ثباته في مكة ثبات الجبال الشم الرواسي.
(4) يأمره القرآن بالجهاد فتكون فترة وجوده في المدينة جهاداً لا يتوقف ولا يستكين، سرايا وغزوات وبعوث يتلو بعضها بعضاً.
(5) يأمره القرآن بالبذل والعطاء، فيعطي عطاء من لا يخشى الفقر، ويجود جود الريح المرسلة.
(6) يأمره القرآن بالوفاء بالوعد والعهد. فلا يجد أعداؤه من يثقون بعهده ووعده إلاه.
(7) يأمره القرآن بالعفو، فيعفو عن أشد خصومه عداوة، عفو القادر المتمكن.
(8) يأمره القرآن بالرحمة، فيكون أرحم بالمسلمين من الأم بصغارها.
(9) يأمره القرآن بالعدل فيعدل العدل الذي يعجب له الأعداء قبل الأصحاب. ويأمره القرآن بالقسط في العقوبة، فيترك ما كان يزمع ويصبر ابتغاء ثواب الله.
(10) يبشره القرآن بالأمر يحدث بعد حين فيكون حدوثه عنده عين اليقين.
يقص عليه القرآن قصص الأنبياء، ثم يأمره أن يقتدي بهم وبهداهم ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ هَدَى ٱللَّهُۖ فَبِهُدَىٰهُمُ ٱقۡتَدِهۡۗ﴾ (الأنعام: ٩٠)، فتتمثل فيه ﷺ صفاتهم الذين استحسنها رب العزة فيهم:
- استقامة نوح على دعوته.
- عزم إبراهيم ورحمته.
- إخلاص موسى وصلابته.
- زهد عيسى ورقته.
- تسليم إسماعيل لأمر ربه ومشيئته.
- تأويب داود وطاعته
- شكر سليمان وحكمته
- إحسان يوسف وعفته
- صبر أيوب على محنته
وإذا كان الرسل جميعاً قد أمروا بالتوحيد وأوحي إليهم ﴿أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 25)، فالرسول ﷺ هو خير من طبق وهو خير من نفذ، وهو خير من ربى أمته على ذلك، ولم يترك باباً من أبواب الشرك الظاهر أو الخفي إلا ونهاهم عنه وحذرهم منه.
ولما كان المقام لا يتسع لضرب الكثير من الأمثلة التفصيلية في هذا المضمار فسنكتفي بسرد بعض نماذج شكره وحمده ﷺ لربه تطبيقاً لما جاء في القرآن الكريم.
فالقرآن يقول: ﴿بَلِ ٱللَّهَ فَٱعۡبُدۡ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ﴾ (الزمر: 66).
والرسول ﷺ يستهل يومه عند صحوه بقوله: «الحمد لله الذي أحيانا بعد إذ أماتنا لا إله إلا هو وإليه النشور». ويبدأ نهاره بقوله: أصبحنا وأصبح الملك لله والحمد لله لا شريك له لا إله إلا هو وإليه النشور وبقوله: اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر، وفي المساء يقول مثل ذلك.
والقرآن يقول: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ﴾ (البقرة: ۱۷۲).
والرسول ﷺ يقول بعد طعامه: «الحمد لله الذي أطعمني هذا ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة».
والقرآن يقول: ﴿لِيَأۡكُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦ وَمَا عَمِلَتۡهُ أَيۡدِيهِمۡۚ أَفَلَا يَشۡكُرُونَ﴾، (يس: 35).
والرسول ﷺ بعد فراغه من الطعام أيضاً يقول: «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين».
والقرآن يقول: ﴿وَكُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْۚ﴾ (الأعراف: 31).
والرسول ﷺ يقرر حقيقة واقعة: «نحن قوم لا نأكل حتى نجوع، وإذا أكلنا لا نشبع»، ويوصي أصحابه بقوله: «في الماء سرف ولو على نهر جار».
والقرآن يقول: ﴿لَوۡ نَشَآءُ جَعَلۡنَٰهُ أُجَاجٗا فَلَوۡلَا تَشۡكُرُونَۚ﴾ (الواقعة:70).
والرسول ﷺ بعد فراغه من شربه يقول: «الحمد لله الذي جعله عذبًا فراتًا برحمته، ولو يشاء لجعله ملحًا أجاجًا بذنوبنا».
والقرآن يقول: ﴿فَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ ٱلسَّٰجِدِينَ﴾ (الحجر: 98)، ويقول: ﴿وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِ رَبِّكَ قَبۡلَ طُلُوعِ ٱلشَّمۡسِ وَقَبۡلَ غُرُوبِهَاۖ وَمِنۡ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحۡ وَأَطۡرَافَ ٱلنَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرۡضَىٰ﴾، (طه: 130).
والرسول ﷺ لا يكف لسانه عن ذكر الله قبل طلوع الشمس وبعد طلوعها، وقبل غروب الشمس وبعد غروبها، مع الأذان وبعد الأذان وقبل الصلاة وفي الصلاة وبعد الصلاة، وفي كل مناسبة وعارضة وحدث أثناء الليل والنهار، أي أن يومه كله والشطر الأكبر من ليله تسبيح وتحميد وتكبير وتهليل واستغفار ودعاء.
أما عن الصلاة فإذا كان القرآن يقول: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمُزَّمِّلُ (1) قُمِ ٱللَّيۡلَ إِلَّا قَلِيلٗا (2) نِّصۡفَهُۥٓ أَوِ ٱنقُصۡ مِنۡهُ قَلِيلًا (3) أَوۡ زِدۡ عَلَيۡهِ وَرَتِّلِ ٱلۡقُرۡءَانَ تَرۡتِيلًا﴾ (المزمل).
فالرسول ﷺ يحيى ليله ويقف مناجياً ربه حتى تتورم قدماه، متمثلاً ما أثر عنه: «أفلا أكون عبداً شكوراً».
بل إن القرآن نفسه يقرر هذه الحقيقة الرائعة التي تعدت الرسول الكريم ﷺ إلى بعض صحبه رضي الله عنهم: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعۡلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدۡنَىٰ مِن ثُلُثَيِ ٱلَّيۡلِ وَنِصۡفَهُۥ وَثُلُثَهُۥ وَطَآئِفَةٞ مِّنَ ٱلَّذِينَ مَعَكَۚ﴾ (المزمل: 20)، ويقرر ذلك في موضع آخر: ﴿وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡعَزِيزِ ٱلرَّحِيمِ (217) ٱلَّذِي يَرَىٰكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي ٱلسَّٰجِدِينَ (219)﴾، (الشعراء).
هذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم قدوتنا وأسوتنا، نهاره عمل ودعوة وجهاد، وقضاء وبيان وتوجيه وذكر وعبادة وليله تهجد ودعاء ونجوى لخالقه سبحانه، مع قدرة من الهجوع تمر الليالي والسنون، وهذا دأبه لا يتغير ولا يتحول.
هو رسولنا.. الذي تتزل عليه القرآن.
وهو خير من فهم القرآن
وخير من بين القرآن
وخير من علم القرآن
وخير من علم بالقرآن
وخير من عمل بالقرآن
وخير من تمثل بالقرآن
وخير من تمثل فيه القرآن
فماذا يقول عنه القرآن؟
﴿إِنَّ ٱللَّهَ وَمَلَٰٓئِكَتَهُۥ يُصَلُّونَ عَلَى ٱلنَّبِيِّۚ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيۡهِ وَسَلِّمُواْ تَسۡلِيمًا﴾، (الأحزاب: 56).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل