; كتاب جديد يتحدث عنه الغرب رأسمالية ضد رأسمالية: المؤلف: ميشال ألبار | مجلة المجتمع

العنوان كتاب جديد يتحدث عنه الغرب رأسمالية ضد رأسمالية: المؤلف: ميشال ألبار

الكاتب محمد الغمقي

تاريخ النشر الأحد 15-مارس-1992

مشاهدات 66

نشر في العدد 993

نشر في الصفحة 25

الأحد 15-مارس-1992

 

الوجه الآخر للرأسمالية


في زمن «سقوط الأيديولوجيات» وفي الوقت الذي تدخل فيه البشرية عالم الروحانيات والعودة إلى الأصول، يطلع علينا الكاتب الفرنسي ميشال ألبار بطرح ملف للنظر، يتمثل في وجود صراع بين نوعين من الرأسمالية كما يوحي بذلك عنوان كتابه الجديد. وألبار من كبار المتخصصين في القضايا الاقتصادية ذات الأبعاد الدولية، ويترأس «التأمينات العامة بفرنسا»، وله كتب ودراسات عديدة منها «البيان الجذري» و**«البقرات العجاف»** و**«الرهان الفرنسي»**.


انتصار تاريخي


ومنذ الفقرة الأولى من مقدمة كتابه يحسم المؤلف في مسألة انتصار الرأسمالية فيقول: اليوم ولأول مرة في التاريخ تنتصر الرأسمالية بالفعل في كل مجال، فهذه مسألة منتهية، لعلها أكبر قضية في هذا القرن، فقيام تاتشر في بريطانيا، وريغان في أمريكا بثورة محافظة في المجال الاقتصادي ضد تدخل الدولة من ناحية، وسقوط الشيوعية وانفتاح البلدان الاشتراكية الأوروبية بالخصوص على الاقتصاد الغربي من ناحية ثانية، وانتصار القوة المقرونة بالقانون في حرب الخليج من ناحية ثالثة، تمثل الجبهات الثلاث لانتصار الرأسمالية التاريخي حسب رأي المؤلف.

وهذا الانتصار الثلاثي له انعكاسات كبيرة، خاصة على مستوى الجغرافيا الاقتصادية في العالم، على الأقل في بعدين أساسيين: تلبية حاجيات الغرب من النفط دون عراقيل، وتلاشي المضمون نفسه لمصطلح العالم الثالث بعد انتهاء الحرب الباردة.

بيد أن المؤلف ينبه إلى مسألة هامة في رأيه، تتمثل في عدم الانبهار بمظاهر وحدة الكتلة الغربية؛ فالرأسمالية متعددة ومعقدة كالحياة، وهي ليست أيديولوجية، وإنما تطبيق. وفي نفس الوقت تتجه هذه التعددية إلى استقطاب ثنائي بين نموذجين أساسيين للرأسمالية: النموذج الأمريكي-الجديد، والنموذج الريناني أو الجرماني-الياباني. وتتزعم أمريكا النموذج الأول القائم على النجاح الفردي والإثراء المالي قصير المدى، وتصحب ذلك تغطية ودعاية إعلامية ضخمة، وقد خصص المؤلف 4 فصول لهذا النموذج، تحدث في أولها عن عودة أمريكا بعد انتخابات ريغان وثورته المحافظة التي هدفت إلى مسح آثار الإهانة التي لحقت بالشعب الأمريكي من فيتنام إلى أمريكا الوسطى مرورًا بالشرق الأوسط «إيران-لبنان». وقد رفع ريغان تحديًا أمريكيًا في وجه السوفييت عن طريق «حرب النجوم» أو مبادرة الدفاع الاستراتيجي. وأرجع المؤلف أسس القوة الأمريكية إلى تراكم رأس المال والموارد الطبيعية لأمريكا «طاقة-معادن»، والأدمغة في المجال التكنولوجي والامتياز المالي «الدولار العملة القياسية»، والهيمنة الثقافية «اللغة والجامعات ووسائل الإعلام»، ولكن هذه القوة تخفي الوجه الآخر للانحدار الأمريكي في كل مجال.


الانحدار الأمريكي


ويجدر الوقوف هنا عند ما سماه المؤلف بـ «التراجع الأمريكي»، وقدم في هذا الإطار عدة أمثلة حية من الواقع الأمريكي. فالعاصمتان الكبيرتان واشنطن ونيويورك على حافة الإفلاس، «اضطر رئيس بلدية نيويورك إلى إغلاق مراكز معالجة متعاطي المخدرات البالغ عددهم 500 ألف من 7 ملايين ساكن»، كما أن الإجرام خاصة لدى السود قد ارتفع بشكل غريب «5 قتلى كل يوم في نيويورك- رقم قياسي 483 عام 1990» للمرة الثالثة في واشنطن عام 1989 إلى ألف عملية قتل في كامل البلاد، واليوم يوجد أكثر من مليون أمريكي في السجن، و3 ملايين تحت الرقابة القضائية، في ظرف 10 سنوات تضاعف عدد المساجين في أمريكا. بالإضافة إلى ملف الإجرام يعيش الأمريكيون هاجس الإفلاس تحت ضغط دفع فوائد القروض، بشكل جعل المحامين المختصين في هذه المسائل جد مشغولين، كما أن ظاهرة تعاطي المخدرات انتشرت انتشارًا واسعًا «23 مليونًا حسب إحصائية عام 1988، وطالب من بين كل طالبين في المدارس»، وفي دراسة قدمها الجهاز الدولي لمراقبة المخدرات التابع للأمم المتحدة تقدر التكلفة الاجتماعية والاقتصادية للإدمان على المخدرات في أمريكا بـ 60 مليار دولار، أي مضاعف ست مرات بالمقارنة لعام 1984. والأمثلة عديدة. والنتيجة كما يقول المؤلف هناك مرض عام، فالمدرسة مريضة، والصحة مريضة، والديمقراطية مريضة، بحيث تعتبر نسبة مشاركة الأمريكيين في الانتخابات أضعف نسبة في الديمقراطيات الغربية، بل هناك حوالي 15% من السكان مفترض أنهم في وضعية قانونية ولكنها غير محصاة، ورغم انتشار المعاهد والمراكز الدراسية فإن أمريكا تشهد أكبر نسبة من الأمية في الدول الغربية. وتمثل وفاة الأطفال 10%، كما أن نسبة الحمل لدى المراهقات «15-19 سنة» تقدر بـ 10%، وفي عام 1987 لا يتمتع 12 مليون طفل بضمانات صحية «زيادة 14% منذ عام 1981»، وهذا ما يفسره التفكك العائلي.


النموذج الألماني-الياباني


مقابل هذا النموذج المبهر في ظاهره، والمريض في داخله وواقعه، يُمجد المؤلف النموذج الثاني المطبق في ألمانيا وسويسرا وأوروبا الشمالية وإلى حد ما في اليابان. ويقوم هذا النموذج على النجاح الجماعي والتفكير على المدى الطويل. وأوضح المؤلف كيف انعكس ميزان القوى وتحول مهزومو الأمس «ألمانيا واليابان» إلى قوة اقتصادية، وكيف أن عملتيهما «المارك والين» بدأتا تنخران مواقع الدولار. وبالإضافة إلى القوة الاقتصادية هناك «قوة اجتماعية» تتمثل في الضمانات الاجتماعية ضد الأمراض والبطالة والاختلالات العائلية، والحد من التفاوت الاجتماعي عن طريق مساعدات للمعوزين، والانفتاح أو تمكين كل مواطن من تسلق مختلف المراتب الاجتماعية والاقتصادية، مع اعتراف المؤلف بأنها قوة نسبية؛ لأن هذا النموذج يعيش هو الآخر تراجعًا بسبب التأثر بالنموذج الأول الأمريكي. وتبدو مظاهر تراجع نموذج «ريغان» في تنامي ظاهرة الإثراء الفاحش وتجارة العقارات والأسهم، كما هو الحال في اليابان، وتراجع الشعور الجماعي، وتنامي النزعة الفردية، وتراجع الشعور المدني، بحيث بات العمال يستغلون كرم النظام الاجتماعي.


التضليل الإعلامي الأمريكي


وتساءل المؤلف عن أسباب تفوق النموذج الأول على الثاني رغم نجاعة هذا الأخير، والأسباب تعود في نظره إلى الصورة الخلابة التي تحتلها الرأسمالية الأمريكية في أذهان الناس على غرار شجاعة أبطال أفلام هوليوود، بالإضافة إلى الآلة الإعلامية الأمريكية وما تتركه من آثار نفسية حتى في الدول التي تطبق نموذج «ريغان»، ودور «الشركات المتعددة الجنسيات» الأمريكية «كوكاكولا، ماكدونالد». وهكذا يبدو أن الصراع بين النموذجين قد انطلق بشكل خفي حسب ميشال ألبار، ولكنه سيكون محددًا لمصير الأجيال القادمة. أما فرنسا التي خصص لها الفصل الأخير «فرنسا في مفترق أوروبا»؛ فهي في حاجة إلى نموذج «رينان»؛ لأنها تعيش اليوم حالة غامضة بين حضور الدولة المركزية ومحاولة الاندماج في البوتقة الأوروبية عبر اتباع ألمانيا في التصرف المالي، وإنجلترا في بقية المجالات، كما أن الرأسمالية الفرنسية تراوحت حسب الكاتب بين السلطوية والديماغوجية، وبين دولة ذات توجه ليبرالي «نسبة إلى Clibert»، ويد عاملة ذات توجه ماركسي مُهين. ويخلص المؤلف إلى أن الرأسمالية تعيش اليوم عهدها أو قرنها الثالث بعد عهد 1791 «الرأسمالية ضد الدولة» وعهد 1891 الرأسمالية المؤطرة من طرف الدولة. أما العهد الحالي 1991 فهو عهد الرأسمالية مكان الدولة أو هيمنة فكرة أولوية السوق على الدولة، وما ينجر عن ذلك من انحدار اجتماعي، وبالتالي فإن الكاتب يحذر من هذا الانحراف بسبب تبني النمط الأمريكي، والذي أسماه بـ «الأمركة التدريجية لأوروبا» ونتائجه الوخيمة، كما أثبتته دراسة صادرة آخر عام 1990 عن مركز البحث والتوثيق حول الاستهلاك بفرنسا، والتي جاء فيها أن سلوك الفرنسيين ونمط تفكيرهم وعيشهم قد أدخلت عليها التغييرات التالية: نظرة غير تأثيمية للمال على عكس النظرة التقليدية الكاثوليكية، هيمنة النزعة الفردية و**«التشدد»** الاجتماعي في ميدان العمل خاصة، وظاهرة توحد السلوك بين العاصمة وبقية المدن تحت التأثير الإعلامي. ويختم المؤلف كتابه بوضع مواطني السوق الأوروبية المشتركة أمام احتمالين أو تحديين، فإما الوحدة السياسية الأوروبية والنمط الأوروبي الاقتصادي والاجتماعي، وإما الانحدار الاقتصادي وتسرب جماهير العالمين الثالثين من الشرق ومن الجنوب للالتحاق بالعالم الثالث الجديد في ضواحي المدن على الطريقة الأمريكية.


الأنانية-المركزية


وبالرغم من عملية النقد الذاتي وشجاعة المؤلف في تشخيص الواقع المريض للغرب الرأسمالي، إلا أنه تجد الملاحظة بأن الكاتب بقي رهين النزعة الأنانية-المركزية الأوروبية، التي تكاد تحصر العالم في أوروبا وفي العالم الغربي، وهذا ما جعله يتشبث بالنمط الألماني-الياباني رغم ما فيه من نقائص، في حين يهتز العالم من حول الغرب بالتحولات والأطروحات الجديدة التي يحتاج إليها للخروج من أزمته ومن الدوران حول ذاته ونفسه. ومع ذلك يبقى هذا الكتاب وثيقة حية جد مفيدة لفهم النمط الغربي من الداخل، وبالتالي فإنه يحتاج إلى مزيد من التعمق والدراسة.

 

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل