العنوان كتاب (عناصر القوة في الإسلام)
الكاتب الشيخ سيد سابق
تاريخ النشر الثلاثاء 27-ديسمبر-1977
مشاهدات 80
نشر في العدد 380
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 27-ديسمبر-1977
عرض وتحليل: أحمد بن عبد العزيز أبو عامر – الرياض
المؤلف الشيخ - سيد سابق أحد العلماء المعدودين في هذا العصر وأحد الفقهاء الملتزمين بالوحيين مما يتمثل في كتابه القيم - فقه السنة- وله عدة دراسات إسلامية جيدة منها إسلامنا، العقائد، الدعوة إلى الإسلام، من الإسلام، وقد عمل أستاذًا في كليات الشريعة بمصر والكويت والسعودية وكتابه هذا عن مظاهر القوة وعناصرها في هذا الدين على حقيقتها وأنها سبقت جميع المبادئ التي اهتدت الإنسانية إلى بعضها فضلًا عن أنها أسمى منها وأكمل صحيح أن الإسلام لم يذكر المصطلحات الحديثة ولا ما يطنطن به المنهزمون، ولكن قيمة الشيء في حقيقته ومدى نفعه وأثره الطيب في الحياة، فالإسلام قوة في ذاته، ولكن المنتسبين له ضعفوا وانحرفوا فشوهوا جماله وحجبوا نوره وكانوا حجة لأعدائه وسلاحًا يشهر في وجه الدعاة فقد آن للمسلمين أن يتفهموا دينهم ويعوا ما فيه ويجسدوه بالعلم والعمل ليدخل الناس في دين الله أفواجًا. وقوة الإسلام ليست القوة المصطلح عليها عصريًا، بل تتمثل قوته في العقيدة والخلق والعلم والانتصار والتماسك الاجتماعي والجهاد وتحدث عن كل عنصر حديثًا ضافيًا فلنتصفح الكتاب.
- الفصل الأول – قوة العقيدة وتتلخص في الآتي:
أ- إن كل ما في الكون شاهد على وجود الله وعناصر الوجود ومواد الطبيعة تؤكد أن لها خالقًا مدبرًا ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (الجاثية:3-4)
ب- النفس الإنسانية مغروس فيها الشعور بوجود الله إذ هو شعور فطري عبر عنه العلماء بالغريزة الدينية ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ (الروم: 30)
ج- حقيقة الذات الإلهية لا تعرف ولا يدرك كنهها حيث لا تحيط بها أفكار، فإذا كان الإنسان ما يزال عاجزًا عن معرفة الكثير من حقائق الأشياء بين يديه، فإن عجزه عن معرفة ما وراء ذلك أظهر، وليس هناك سبيل إلى معرفة الله إلا عن طريق التفكير في خلقه كما جاء في الحديث «تنكروا في خلق الله ولا تتفكروا في الله فإنكم لن تقدروا قدره».
2 - وبمعرفة أسمائه الحسنى وصفاته العليا فهي الوسائل التي يطل منها القلب وتعطي الصورة الصحيحة عن الكمال الإلهي المطلق ثم بين المؤلف الآثار الطيبة للإيمان فيما يلي:
- تحرير النفس من سيطرة الغير وأن ليس للبشر مهما عظموا أن يسوقوا الإنسان إلى غير ما أراد الله.
- بعث روح الشجاعة والإقدام في النفوس والرغبة في الاستشهاد في سبيل الله.
- ويقتضي الإيمان بأن الله هو وحده الرازق ولا يعني هذا التواكل، تم يتخلص الإنسان من رذائل البخل والحرص والطمع.
- الطمأنينة في القلب مما انتهى إليه العلم أخيرًا، فلم ينفع الأمراض النفسية وسيلة أنجع من الإيمان والتطلع إلى رحمة الله.
3 - ثم تحدث عن الحق المتمثل في العقيدة الصحيحة والعلم النافع والعمل الصالح والخلق الصالـح وأن الإسلام الحق هو دعوة الأنبياء جميعًا ثم بين أن من سنن الله ألا يقوم الحق وحده وإنما ينهض بهمم الرجال المتمثلة في الثبات على الحق والاعتصام به والصدع في مواجهة الطغيان به و احتمال تبعاته مما يعمق جذوره ويمكن له، ثم ذكر المؤلف صورًا لرجال الحق من الأنبياء والمؤمنين وصمودهم في سبيل رسالاتهم، وعن قوة الحق: قال المؤلف بأن الإنسان جسد وروح بالجسد يحس ويتحرك وبالروح يدرك ويعلم ويفكر ويحب ويكره وبالروح تميز الإنسان عن غيره وصار عالمًا وحده وبها أسجد الله للإنسان ملائكته وسخر له ما في السموات والأرض وجعله الخليفة في الأرض، وبين آثار إغفال الجانب الروحي لدى الإنسان، قائلًا بأن الاندفاع وراء الشهوات صرف عن إصلاح النفوس وأخذها بالتربية والتقويم فبلغ الشأو في الرفاهية المادية وتخلف عن القيم الصالحة، وجاء القرآن يعالج هذا النقص وينبه على ضرورة التخلص منه ومما ذكره القرآن من هذه الآثار: اليأس، ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ﴾ (هود: 9) والظلم ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ (إبراهيم: 34) أو الجحود ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ (العاديات: 6)، والطغيان ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ﴾ (العلق: 6) أو الجدل ﴿وكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ (الكهف: 54).
ثم بين أن العلاج لا يتم إلا بتقويم الخلق: على أن أجل الغايات التي يريد الإسلام تحقيقها - أن يكون الإنسان ذا خلق كريم وسلوك نظيف يليق بكرامته وخلافته ويقصد الإسلام بهذا إيجاد العناصر القوية والأفراد الصالحين ليسهموا بقلوبهم وعقولهم في ترقية الحياة وليكونوا أهلًا لجوار الله ورضوانه.
فالمثل الأعلى للأفراد يتمثل في النزاهة والاستعلاء عن الشهوات والهوى والتمسك بالفضيلة، والمثل الأعلى للجماعات يتمثل في التعاون والمحبة والصدق والإخلاص وسلامة الصدور والتضحية والإيثار وتحقيق المثل الأعلى في جانبيه يثمر الحياة الطيبة والسيادة والتمكين في الأرض، وقد رسم الله المنهج الخلقــي للبشر وأوضح معالمه ودعا إليه وحبب فيه وهذا النهج موجود في كتاب الله كآية البر في سورة البقرة- ﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ (البقرة: 177) وفي سورة الإسراء ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (الإسراء:23) وفي الأنعام ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ (الأنعام:151) وفي غير ذلك من الآيات والأحاديث النبوية، ولا يتحقق هذا المنهج إلا بالتربية الإسلامية ومن وسائلها:
- تربية الضمير وتكتسب بالتعليم والمران منذ الحداثة وممارسة الفضائل النفسية وأداء الواجبات ولذا قال الرسول «مروا أولادكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليهـا لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع» وقوله «إن العلم بالتعلم والحلم بالتحلم».
- الرقابة العامة على السلوك بمطاردة الرذائل وتقويم العوج وتغيير المنكر «من رأى منكم منكراً فليغيره» الحديث.
- الأخذ بالحسم والضرب على أيدي العابثين بالعقوبات المقررة في الفقه الإسلامي.
- الاتعاظ والعبرة بمن سلف من الأمم الماضية للتذكير بسنن الله في الاجتماع البشري ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (يوسف: 111) ثم بين أن الغاية من التربية: هي تهذيب النفوس لتقوم بما أمر الله ثم بين مظاهر التربية في سلوك الأفراد وتصرفاتهم بانتقاء الألفاظ المهذبة والنظيفة واتباع أهدى السبل وأقوم المناهج وأولاها بالحق. وعلو الهمة وكبر النفس لتترك الدون وتقتحم الصعاب في اكتساب الفضائل وكذا قوة الإرادة.
والشجاعة الأدبية والتضحية، ثم تحدث عن عزة النفس التي يمثلها قوله تعالى ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (المنافقون: 8) مما يتمثل في ابتغاء الخير واتقاء الشر والتطلع إلى معالي الأمور والتجرد من الهوى والمظاهر الكاذبة ثم بين أن هذه العزة منزلة بين الكبر فهو ترفع واستعلاء بالباطل وبين الضعة فهي مهانة ومذلة، قائلًا: بأن عن الارتقاء الروحي، قائلًا: بأن من الارتقاء ما هو مادي يتمثل في الكشوف والاختراعات وهو وإن وفر للناس الرفاهية والرخاء فهو لا يوصل إلى الله ولا يصلح الناس ولا يجلب السلام، بل يخلق من إنسان حيوانًا راقيًا لا إنسانا فاضلًا.
أما الارتقاء الروحي فهو غاية من غايات الإسلام ويتمثل في الإيمان واليقين والمحبة والرحمة والتضحية والطمأنينة والعدل والسلام ليس معنى ذلك التنكر للتقدم المادي، فالإيمان يوجب أخذ الحيطة والعمل الجاد وإتقانه مع أن الله أمر بإعداد العدة للجهاد وقد أمر الرسول أمته بالحرص على كل ما ينفع ونهاهم عن العجز والكسل، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز.
3- قوة العلم: فقد دعا الإسلام إلى العلم في كثير من الآيات والأحاديث معروفة للجميع ثم بين من أسباب العلم:
أ- القراءة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَق﴾ (العلق: 1).
ب- النظر والتأمل في ملكوت الله: ﴿قُلِ انظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ (يونس: 101).
جـ- السير في الأرض: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ (الحج: 46).
ثم إن الإسلام وصف من لا يستفيد من سمعه وبصره بأنه ﴿كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ (الأعراف: ۱۷۹)، ثم بين العلوم المستمدة من الوحي كالتفسير والسنة والسيرة والتوحيد والتاريخ والنظم الإسلامية، وما وراء ذلك من علوم الكون، فهي مما يدعو إليه الإسلام ويحث عليه، لنعرف سنن الله في الكون وأسراره في الخلق، وحكمته في الوجود.
ولقد اتفق العلماء على أن تعلم العلوم والفنون التي تقوم بها الصناعات -ولا سيما العسكرية- واجب كفائي؛ إذا قام به البعض سقط عن الباقين. ثم ألقى نظرة على العلوم الشرعية وبين موضوع كل علم، واقترح لبعض هذه العلوم مقترحات قيمة في كيفية وضع مناهجها.
- وقفة: وقد ذكر من علوم الوحي التصوف، وأنه روح الإسلام وجوهره، وأرفق بذلك تقريرًا للرفع بمستوى الطرق الصوفية بمصر. وإني لأتعجب أن يلصق التصوف بالإسلام خصوصًا وأنه لم يذكر في كتاب ولا سنة ولا على لسان أحد الصحابة! وحين ألف العلماء المسلمون مدوناتهم الفقهية اتهموا بأنهم يهتمون بالظاهر ولا يهتمون بالباطن! وكيف يتصور ذلك مع أن النية معروفة لدى الجميع أن عليها مدار العمل، والتصوف فيما يقال عنه لم يأت بجديد، فهذا ما يدعو إليه الإسلام ذاته في أخلاقه وآدابه.
ومن هنا أقول: إن العمل على إشاعة التصوف كفن أو علم يتسمى به فئات معينة، لا يرضاه منطق الوحيين، كما سبق، وللاعتراضات الآتية:
۱- ما ينطوي عليه من الانحرافات العقدية من: الحلول، ووحدة الوجود، ولمصادره الأجنبية من نصرانية ويونانية وغيرها.
2- الانحرافات السلوكية من الرهبانية التي ما أنزل الله بها من سلطان.
3- الغلو في تقديس الأولياء، والابتداع في الأذكار.
ولمزيد الضوء على ضلالة التصوف انظر: إلى التصوف بين الحق والخلق، لفهر شقفة، وهذه هي الصوفية لعبد الرحمن الوكيل، والتصوف بدعة ضد الإسلام لجميل غازي، ودعاة وأدعياء لعبد الله السمان. فالتصوف وطرقه الكثيرة المتنازعة مما لا يشرف الإسلام ولا المسلمين.
4- قوة الاقتصاد: نجد أن الإسلام نظر إلى المال بأنه عصب الحياة وقوامها وضرورة من ضروراتها، ثم بين كيف دعا الإسلام لكسب المال وبين أن شرطي الكسب:
1- ألا يلهي عن حق الله والقيم الصالحة.
٢- أن يكون الكسب بطريق مشروع لا يضار فرد ولا جماعة.
ولذلك حرم الإسلام الربا، والاحتكار، والقمار، والاتجار بالمخدرات، والتطفيف في الكيل والموازين، والسرقة، وأكل أموال الناس بالباطل.
ثم تحدث عن الملكية في الإسلام، وقال بأنها الانتفاع بالعين المملوكة انتفاعًا شرعيًّا بإذن من الشارع، وبين أن أسباب الملكية الفردية تتمثل في: العقود، وإحياء الموات، والعمل، وعطايا الدولة للمواطنين لسد حاجاتهـم، والإرث.
ثم وضح أن الملكية الفردية تعتبر من الحوافز المنشطة فضلًا عن أنها فطرية، ومن العدل أن يملك العامل ثمرة كده، غير أنها مقيدة بحدود الشرع، حيث يحجر على المالك إذا أسرف أو تصرف بغير أمر شرعي. ويتقي الإسلام شرور الملكية الفردية وتكديس الثروة في أيدي القلة بجعلها وظيفة اجتماعية، فجعل فيها حقوقًا من جهة، وحولها إلى ملكيات صغيرة من جهة أخرى عن طريق الإرث والهبة والوصية.
وفي نفس الوقت قرب بين الطبقات وقلل الفوارق الاجتماعية التي ما تزال مثار اضطراب المجتمـع البشري.
وفي الأخير بين أن المال في حقيقة أمره ليس ملكًا خالصًا لمالكه؛ وإنما هو لله: ﴿وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ (النور: 33)، حيث استودعهم الله إياه، ﴿وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ﴾ (الحديد: 7)، فعلى المسلم أن يضعه في مواضعه.