العنوان كردستان.. مأساة الشعب الكردي.. مأساة لا تنتهي!
الكاتب د. علي محيي الدين القرة داغي
تاريخ النشر الأحد 29-مارس-1992
مشاهدات 71
نشر في العدد 995
نشر في الصفحة 31
الأحد 29-مارس-1992
اللاجئون الأكراد: وضع صعب ومعقد.
· إن أسوأ مأساة شهدها الأكراد في العصر الحديث هي ما حدثت لهم في
كردستان على يد النظام البعثي الحاكم.
لقد ابتُلي شعبنا الكردي منذ أن حل الاستعمار البغيض في بلادنا-
بمصائب تهز الجبال- وويلات تقشعر لها الجلود والأبدان، وحروب يشيب لها الولدان،
ومآسٍ يتزلزل لها الجَنان، ثم أكمل النظام البعثي في العراق هذه المهمة، فقام
بتشريد الأكراد وتهجيرهم وهدم قراهم في العراق تحت لافتة «الأنفال».
فكان الشعب الوحيد في العالم الذي مُزِّق هذا التمزق الخطير، بحيث
يكون أقلية في خمس دول، وفي ظل أنظمة قومية ودول ذات إستراتيجيات مختلفة بعيدة عن
راية الإسلام، ومُبعِدة عن أنفسها الرابطة الإسلامية ومُهمِلة جمع شعوبها على
شعارات الجامعة الإسلامية وحبل الله المتين، فذاق الشعب الكردي الأمرين من هذه
السياسات القومية حتى بلغت ضراوتها في بعض الدول- كتركيا- إلى عدم الاعتراف
بالوجود الكردي أي بوجود حوالي 15 مليون كردي، وعدم الاعتراف بوجود لغة اسمها
اللغة الكردية، بل إلى حظر التحدث بها، وتجريمه حتى يُعاقَب من يتكلم بها في
الأماكن العامة بعقوبات بدنية ومالية إلى أن قام الرئيس الحالي «أوزال» بإلغاء ذلك
والاعتراف بالثقافة الكردية.
مأساة الأنفال
لكن الحق يقال: إن أسوأ مأساة شهدها الأكراد في العصر الحديث هي ما
حدثت لهم في كردستان العراق في ظل النظام البعثي الحاكم، وذلك لأن الهجمة الشرسة
استهدفت تمامًا الوجود الكردي، وتشريد الشعب الكردي وتهجيرهم عن قراهم، وجمعهم في أماكن
يسهل السيطرة عليهم فيها تمامًا، بل جعلهم في سجن محاصر من قبل الجيش والمرتزقة،
حتى إن الأكراد كلهم قد جُمعوا في حوالي 5 آلاف كيلو متر، بينما هم كانوا يعيشون
في أكثر من 85 ألف كيلو متر في العراق.
وقد حدث من التشريد والتهجير ما لم يشهده التاريخ- حسب علمنا- وذلك
لأن النظام العراقي بدأ بالتهجير وإحلال غير الأكراد محلهم منذ بداية السبعينيات،
ولكن المرحلة النهائية بدأت في أواخر 1987م وبداية 1988م، عندما لاح له الانتصار
في الحرب الإيرانية العراقية، وازدادت قوته العسكرية بدعم من الشرق والغرب وبعض
الدول العربية.
والأغرب من ذلك أن النظام العراقي- وهو بعثي علماني- كان يدمر القرى
الكردية ويقتل أبناء الشعب الكردي، بل ونساءهم تحت لافتة «الأنفال» وشعارات يُكتب
عليها الآيات القرآنية، ويجمع هؤلاء المظلومين في تجمعات يطلق عليها أسماء الخلفاء
الراشدين وبعض كبار الصحابة- رضي الله عنهم أجمعين- كما كان يقوم بمؤتمرات يجمع
لها من ينتسب إلى العلم أو بعض الحركات الإسلامية، فيصرح هؤلاء بتصريحات في صالح
النظام، بل كانوا يلقون الخطب الرنانة والكلمات الحماسية في مدح صدام حسين وقوته
وسلاحه وخدماته من أجل العربية والإسلام!!
كل ذلك حتى يبعد هذا النظام الشعب الكردي عن الإسلام، بل يجعله يكرهه
ويكره إخوانه في العقيدة والمصير.
القضاء على القرى الكردية
لم تكن المأساة مالية وبدنية فحسب، بل كانت فتنة كبرى لدين الشعب
الكردي، حتى إن أكبر خوف كان على تأثير هذا الجانب الخبيث في نفوس الشعب الكردي
المسلم، ولكن الله سلم حيث لم يكن أثره كبيرًا إذ إن الشعب الكردي أدرك بفطرته
السليمة أن هذا النظام لا يمثل الإسلام.
وكان القضاء على القرى الكردية وتدميرها بقيادة جزار الأكراد علي حسن
مجيد وأعوانه، حتى اعترف أخيرًا حينما قيل له: إنك قد قتلت من الأكراد ضمن حملة
الأنفال حوالي مائتي ألف كردي!! أجاب أن هذا عدد مبالغ فيه، وكل ما قتل منهم حوالي
مائة ألف.
وقد كانت الهجمة في غاية من الشراسة والعنف حيث وزعت قوات «الأنفال»
على ثلاثة محاور، تبدأ كل قوة بتمشيط المنطقة.
وهدم القرى واحدة تلو الأخرى بيتاً بيتاً، غرفةً غرفةً، ولم يسلم منها
حتى المساجد والمكتبات والمدارس، وجعلت هذه القرى والمدن قاعاً صفصفًا، ونسفت
الآبار والقنوات، وفُجرت الينابيع، وصُبت بالخرسانة المسلحة- في بعض المناطق-
وأخذت الأموال المتبقية غنائم للجيش والمرتزقة، وقبض على الذين ظلوا في بيوتهم
وأكثرهم من الشيوخ والنساء والأطفال، أو من الذين لم يتصوروا أن يقبض عليهم لأنهم
ليس لهم صلة بأي حزب ولا ثورة كردية.
وأكثر التقارير تشير إلى أن عدد هؤلاء في حدود مائتي ألف كردي، لا
يعرف عن مصيرهم شيء منذ عام 1988، وأغلب الظن أنهم بعد التعذيب الجسدي أُبيدوا عن
طريق إجراء التجارب الذرية والكيماوية عليهم بدل الحيوانات، وقد عثرت الحركات
الكردية أثناء الانتفاضة على شريط مسجل بصوت وصورة علي حسن مجيد، يذكر فيها كثيرًا
من الفضائح لأعوانه البعثيين عند اجتماعه بهم: ويقول- ما معناه- إنه ليس أمامه إلا
إبادة هؤلاء.. والحقيقة أن القلم عاجز عن التعبير عن مأساة «الأنفال»، ولذلك بدأت
مجلتنا هذه بنشر روايات شهود العيان منذ العدد الثاني.
انتفاضة الأكراد
وعندما انتفض الشعب الكردي بعد هزيمة النظام العراقي في الكويت،
وتحررت كردستان من ظلم صدام وأعوانه، حيكت مؤامرة أخرى ضد هذا الشعب اشترك فيها
الكثيرون من الداخل والخارج لتبدأ سلسلة أخرى من المآسي المتكررة لهذا الشعب
المنكوب، حيث بدأ أهل المدن والمجمعات بهجرة شاملة خوفًا من بطش الظالم وقواته
وطائراته ودباباته وغاراته الكيماوية، فبدأ حوالي مليوني كردي برحلة شاقة وفي ظروف
جوية صعبة ليموت منهم الآلاف.
وكان التحرك في هذه الانتفاضة عفويًا لم يكن للأحزاب دور في إثارته،
وهو تحرك المظلومين الذين فقدوا ديارهم وأموالهم في «الأنفال» وغيرها: لذلك كان
واسع الانتشار، كما كانت الهجرة محكومة بالخوف الذي أحدثه النظام العراقي في قلوب
الأكراد من خلال استعمال الغازات الكيماوية في «حلبجة» وقره باغ، وأطراف
«الدهوك».. وغيرها.. الأمر الذي جعلهم يفرون نحو الجبال الوعرة والوديان السحيقة
تحيطهم الثلوج وتعصف بأجسادهم الواهنة عاتيات الرياح، حفاة شبه عراة متعبين جياعًا
لا حول لهم ولا قوة وهم يتصارخون: يا الله، يا الله، يا الله.
ذلك هو جزء من هذه المآسي التي شاهدنا بعضها دون أن تحرك المسلمين
التحرك المطلوب أو أن تثيرهم نحو نجدتهم، وإنما تُركوا إما للمؤسسات الصليبية أو
للمجاعة والبرد والثلوج.
وإن كان بعض الغيورين على دينهم من أهل الخليج، قد قاموا بجمع
التبرعات، وشاركوا بقدر استطاعتهم في إغاثة إخوانهم الأكراد- فجزاهم الله خيرًا-
لكن المأساة كانت أكبر حجمًا وأعمق جرحًا.
مفاوضات الأكراد
ثم رتب سيناريو آخر لتبدأ المفاوضات بين الحركات الكردية القومية
وصدام حسين فجأة، وليقوم رئيس وفد المفاوضات بتقبيل الطاغية ومعانقته، والدماء
الكردية الزكية لا تزال تسيل، وصراخات الأطفال والشيوخ والنساء لا تزال تملأ
السماء وآهات المجروحين والمنكوبين والأرامل والثكالى لا تزال تُسمَع من كل مكان
فيستفيد النظام من هذه المفاوضات دون أن يستفيد الشعب الكردي منها إلى اليوم.
ومنذ عدة أشهر بدأ سيناريو جديد حيث سحبت الحكومة العراقية جميع
أجهزتها الإدارية والأمنية وغيرها من المحافظات الثلاث وهي السليمانية، وأربيل،
والدهوك، وجمعت قواتها في كركوك والمناطق التي يوجد فيها بترول.
وكان هدف النظام العراقي في ذلك هو أن تسود المنطقة الكردية الفوضى
والاضطراب، وتدخل في فتن وحروب داخلية بين فصائل الميليشيات المسلحة الكردية، فيَقتل
الكردي أخاه الكردي- كما حدث في السابق- لكن الله تعالى رحيم بالمنطقة، حيث فشلت
خطة «النظام الظالم»، واستوعب الشعب الكردي بمختلف فصائله هذه اللعبة الخبيثة
الماكرة، وتحملوا المسؤولية بجدارة، فلم يستجب الموظفون الإداريون وأساتذة الجامعة
لنداء الحكومة بترك المنطقة إلا قلة نادرة شاذة- ولم تؤثر فيهم الإغراءات الحكومية
بل رضوا أن يعملوا بدون رواتب، وتحمست الأحزاب السياسية ودفعت بقواتها لحماية
الأمن، واستطاعت أن توفر الأمن والأمان للمنطقة بحزم، حتى قامت بإعدام بعض
المفسدين في الأرض شنقًا وفي ميادين بعض المحافظات ليكون ذلك عبرة.
ولما أدرك الطاغية فشل خطته وعدم جدوى حساباته الدقيقة، عاد فقرر
الهجوم العسكري- في أكتوبر الماضي- على كردستان من جبهتين: فوجه دباباته وآلياته
التي لم يستعملها ضد أمريكا نحو كردستان، وبدأ القصف بمختلف الأسلحة خفيفها
وثقيلها، غير أن المسلمين الأكراد قد تصدوا لها وأوقعوا خسائر في صفوف الجيش المنهارة
معنوياته مما أدى إلى وقف العمليات العسكرية.
وقد استتب الأمن الآن في كردستان حتى أن مسعود البرزاني قد طرح فكرة
الانتخابات التشريعية لاختيار أعضاء المجلس الوطني في كردستان، وانتخاب رئيس لها،
حتى يكون قادرًا على اتخاذ القرار المناسب حول مصير المفاوضات ونحوها، إذ إن حق
«الفيتو» لكل حزب داخل الجبهة الكردية قد شل حركتها.
وبفضل الله تعالى نجت كردستان من كارثة الاقتتال الداخلي، وإن كانت قد
تأذت كثيرًا- ولا تزال- من الحصار الاقتصادي الخطير الذي فرضه نظام بغداد عليها،
حيث يمنع منعًا باتًا إدخال أية سلعة إلى كردستان.
لقد أثر هذا الحصار تأثيرًا شديدًا في قلة السلع والطاقة وندرتها، بل
وعدمها في بعض الأماكن، فساد الغلاء الفاحش كردستان، ولا سيما وقد انقطعت الرواتب
الحكومية، ولا توجد موارد، لأن القرى المنتجة كلها- تقريبًا- قد دمرت والبيوت قد
هدمت، فأصبح مئات الآلاف في مخيمات أو في بيوت تفتقد كل مقومات الحياة.
فهل من مجيب قد مد يده إلى إغاثة هذا الشعب المظلوم؟ وهل نستشعر خطورة
الموقف ومسؤولية جميع المسلمين عمن يموتون من الأطفال والنساء والشيوخ بسبب البرد
وقلة الغذاء وندرة الدواء؟
فالنجدة.. النجدة.. أيها الإخوة المؤمنون في كل مكان، فإخوانكم
الأكراد بحاجة إلى معوناتكم ومساعداتكم المادية والمعنوية، بحاجة إلى إرسال
الأموال إليهم ليسدوا بها حاجاتهم وضرورياتهم.
كما أنهم بحاجة إلى المؤسسات التعليمية والصحية والخيرية والإنسانية،
لأن أغلبها قد هدمت، وإلى فتح مدارس لأطفالهم، وتعليمهم وتحفيظهم القرآن الكريم،
وإلى كفالة أيتامهم وأراملهم، إلى نجدة إسلامية شاملة لإنقاذهم من براثن المجاعة
والبرد والفتن، ومن تأثير المؤسسات الصليبية التي دخلت المنطقة تحت الغطاء
الإنساني والله المستعان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل