العنوان كسرة خبز
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الأحد 22-مارس-1992
مشاهدات 76
نشر في العدد 994
نشر في الصفحة 50
الأحد 22-مارس-1992
تحسستها في جيبي بعد أسبوع من المسير عبر جبال أفغانستان ووهادها وذلك في طريق عودتي من زيارة مواقع المجاهدين حول العاصمة «كابل»، وحينما أخرجتها من جيبي تذكرتها وتذكرت صاحبها.
مرّ عليّ حينما كنت مستلقيًا فوق قمة جبل «كوباك» العتيد الذي يطل على العاصمة كابل من جهة وادي بغمان؛ حيث كنت أنتظر القافلة التي أصحبها والتي كانت تمشي ببطء لوجود بعض الجرحى من المجاهدين فيها، وذلك في منتصف ليلة ليلاء مظلمة باردة من ليالي الشتاء في أفغانستان.
ألقى عليّ السلام ثم جلس إلى جواري؛ حيث كان يرافق مجموعة أخرى من المجاهدين هو الآخر، تأملته في الظلام فوجدته شابًا ربما لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره، كان يحمل سلاحه وبعض المتاع على ظهره.. التفت نحوي وقال: أراك مستلقيًا فهل أنت مُتعب؟
قلت له: قليلًا. قال: لا أرى معك أحدًا فهل تسير وحدك؟ قلت له: لا.. إني أرافق قافلة للمجاهدين غير أنها تحمل بعض الجرحى لذلك تصعد الجبل ببطء وقد نصحني أمير القافلة أن أسبقهم في الصعود طالما بي قدرة على أن أنتظرهم هنا عند القمة حتى يصلوا، قال: ألمس من لهجتك كأنما أنت أخ عربي؟ قلت له: نعم أنا عربي، فتهلل ثم ضمني وقبل رأسي، ثم قال: إن شاء الله لك الأجر والعافية، بعد ذلك أخرجها من جيبه وقال لي وهو يعطيني إياها: هذه كسرة من الخبز هي كل ما تبقى معي من رغيف أعطته أمي لي، لأستعين به على طول الطريق، ولم يكن في بيتنا غيره، وهي أغلى ما أملك الآن، لعلك تستعين بها على مشاق الطريق، فلا زال أمامك طريق طويل ربما لا تصادف فيه طعامًا، وإن صعُب عليك كسرها ومضغها لشدة جفافها، فهناك عيون كثيرة للماء سوف تصادفها في الطريق، فيمكنك أن تبللها حتى تلين، فتستطيع مضغها، وهذه حبة من حبات اللوز هي ما تبقى معي من ثلاث حبات كانت في جيبي.. صمت قليلًا، ثم قال: وددت لو كان معي ما هو أفضل من ذلك لأوثرك به على نفسي، ولكن أرجو أن تسامحني فهذا هو أغلى ما أملك الآن. نظرت إليه في الظلام بمشاعر تفيض بالشكر والود، لم أستطع أن أعبر عنها، ثم حاولت أن أتمنّع، لكنه ألحّ عليّ وهو يقول: هذه مكرمة من مجاهد فقير إليك، فأرجو أن تقبلها.. صحيح إنها لا تسمن ولا تغني وليس لها قيمة، إلا أن كسرات الخبز هي أغلى ما يملكه المجاهدون الفقراء، قلت له: لا والله.. إنها في هذه اللحظة عندي أكبر من أن تقدر بقيمة، وقد عشت مع المجاهدين ورأيت قيمة كسرة الخبز هذه عند الصابرين والمرابطين منهم، ولا أملك سوى الدعاء لك بأن يثقل الله بها ميزان حسناتك يوم القيامة.
قال لي وهم يهمّ بالقيام ليرافق قافلته: هل لازلت متعبًا؟ قلت له: لقد ذهب تعبي بعد رؤيتك وسماع حديثك، قال: إن أحببت أن أستأذن من أمير قافلتي لأصحبك حتى أخفف عنك مشاق الطريق، ثم ألحق بقافلتي بعد ذلك فعلت، فشكرته على مشاعره ثم نهضت فودعته، وظل نظري عالقًا به حتى غاب في ظلمة الليل، ثم وضعت كسرة الخبز في جيبي.. شاب أفغاني مجاهد لم أعرف اسمه ولا عنوانه؛ لكني عرفت منه بعض المعاني التي خلفها الجهاد في نفسه؛ مما يصعب على عالم جهيد أو متحدث لبق أن يبثها في نفسي.
بعد قليل وصلت القافلة التي كنت أرافقها، فقمت ثم ألقيت نظرتي الأخيرة على أضواء العاصمة كابل، ثم تحسست كسرة الخبز في جيبي.. ثم واصلت المسير.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل