العنوان كلمة الأسرة: لا قيود بل حماية
الكاتب بدرية العزاز
تاريخ النشر الثلاثاء 07-مارس-1978
مشاهدات 112
نشر في العدد 389
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 07-مارس-1978
شعارنا
﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾. (النحل: 97)
كلمة الأسرة
لا قيود بل حماية
في ملحق القبس بتاريخ 27 - 2 - 1978م، كان هناك موضوعان قد تجمعهما فكرة واحدة، وهي أن سفر الطالبة إلا ومعها أخوها أو والدها.
العكس فإن تلك الرحلات إنما تعطي الفتاة كيانًا آخر، أساسه الثقة ووضوح مفهوم الحياة، وبنيانه الأخذ والعطاء في شتى أشكاله، فالموضوع الأول كان بعنوان «قيود على الطالبات في رحلات الربيع»، ومن خلال هذا الموضوع يدرك القارئ مدى تذمر الطالبات، وتضجرهن بالشرط الجديد الذي جاءت به الجامعة -على قدر اعتقادهن- وهو ألا تسافر الطالبة إلا ومعها أخوها أو والدها.
وهنا أقول لأخواتي الطالبات إن الجامعة لم تأت بشيء جديد، ولم تضع قيد أمن عندها وإنما هي -جزاها الله خيرًا- قد أحيت سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فهو أول من وضع هذا الشرط الذي تسمينه قيدًا، لو أن واحدة منكن فكرت بهذا الشرط جيدًا، لعلمت أن هذا الشرط يخدم مصلحتها، ويقدم منفعتها على سائر الأمور، كما وأن أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لم يكن من عند نفسه، وإنما هو من لدن خبير عليم كما قال تعالى: ﴿﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ﴾ (النجم: 3 - 4)، فالله -عز وجل- أعلم بما ينفع عباده من عباده أنفسهم، أمن المعقول أن يضع الله -تبارك وتعالى- قيودًا على أحب مخلوقاته إليه؟ وهو القائل: ﴿وَٱبۡتَغِ فِيمَآ ءَاتَىٰكَ ٱللَّهُ ٱلدَّارَ ٱلۡأٓخِرَةَۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ ٱلدُّنۡيَاۖ وَأَحۡسِن كَمَآ أَحۡسَنَ ٱللَّهُ إِلَيۡكَ﴾ (القصص: 77)، فالله منح الإنسان حقه في الدنيا والآخرة ولم ينقص منه شيئًا، ولكن الإنسان إدراكه قاصر وفكره محدود، لا يعي ولا يدرك إلا بالمنظورات والمسموعات، وما تجاوز ذلك فهو عنده مبني على الظن واللبس، فالإنسان تحكمه كينونته المكانية ومحدوديته الزمانية.
فالرسول حين منع المرأة من السفر منفردة، إنما قصد حمايتها وصيانتها، ذلك لأن المرأة ما إن تكون منفردة، حتى تكون مطمع الطامعين وفريسة للمحتالين، ولكن المرأة لطيبتها قد تصدق ما يقال بإن ذاك الشخص أو هذا إنما سعى لحمايتها ورعايتها، ولكن كفاها تأكيد من الله -عز وجل- ومن نبيه الكريم، بأن سفر المرأة من غير محرم غير جائز، وإن كان إلى الحج.
كما جاء في الحديث: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر، تسافر مسيرة يوم وليلة إلا مع محرم عليها». رواه مسلم
وعن ابن عباس -رضي الله عنه- قال: سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: «لا يخلون رجل بامرأة إلا ومعها محرم، ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم، فقام رجل فقال: يا رسول الله، إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا، قال انطلق حج مع امرأتك» رواه مسلم.
والأحاديث في هذا الموضوع كثيرة ومتعددة، منها ما رواه مسلم ومنها ما رواه البخاري وغيرهما، ولكن المجال لا يتسع لها.
والموضوع الثاني بعنوان: «بناتنا في الخارج بخير ولا خوف عليهن»، تقول صاحبة الموضوع وهي نجاة الموسى: إن المسافرة لتلقى تعليمها في الخارج، إنما تجني الكثير من مميزات الشخصية التي تفتقر إليها المقيمة، والتي لم تفارق بلدها إلا مع أهلها، مثل الشعور بالمسئولية، والتخلي عن الخجل والانطواء والتقوقع والغموض، لك أقول يا أخت نجاة: إن عائشة -رضي الله عنها- لم تسافر منفردة، ومع ذلك نجد فيها من صفات المرأة الفذة ما لا يسهل حصره، حتى قال فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «خذوا دينكم من هذه الحميراء»، فالسبب ليس السفر كما ذهبت يا أخت نجاة، وكما تعتقد البعض، وإنما مما يساعد الشخصية على النضوج، هو إعمال الفكر في الأمور الحياتية والتنقيب عنها، يساند ذلك كثرة الاطلاع والنهل من أمهات الكتب، على رأسها كتاب الله وسنة نبيه.
فلطفًا بأنفسكن يا أخواتي، فنحن لا زلنا إن شاء الله بخير، ما دمنا على صراط الله ونهج رسوله الكريم، اللهم اهدنا سبيل الرشاد.
أم عدي
دراسات في قضايا المرأة
القضية الرابعة
قضايا عمل المرأة..
رابعًا.. حجة المنادين بوجوب اشتغال المرأة والرد عليها
يقول المتحمسون لاشتغال المرأة خارج بيتها، إن اشتغالها يزيد في الثروة القومية للبلاد، وإن البلاد تخسر كثيرًا بقصر عمل المرأة على أعمال البيت، عدا ما فيه من تعويد على الكسل وقتل الوقت بما لا يفيد، وردًّا على هذه الحجة، نستعرض معًا هذه الحقائق:
1– أن اشتغال المرأة يؤثر على الحياة الاقتصادية تأثيرًا سيئًا
باعتبار أن اشتغالها فيه مزاحمة للرجل في ميدان نشاطه الطبيعي، مما يؤدي إلى نشر البطالة في صفوف الرجال، وهذا ما حدث في كثير من الدول العربية، منذ أخذت المرأة طريقها إلى وظائف الدولة، فقد أصبح عدد كثير من حملة شهادات الثانوية والعليا عاطلين عن العمل، يملؤون المقاهي ويقرعون أبواب الحكومة طلبًا للعمل، بينما تحتل أمكنتهم فتيات لا يحملن غالبًا مثل مؤهلاتهم وكفاءاتهم.
2– إذا ثبت أن اشتغال المرأة يؤدي إلى بطالة الرجل
كان من المحتمل أن يكون هذا الرجل الذي زاحمته زوجها أو أباها أو أخاها، فأي ربح اقتصادي للأسرة، إذا كان اشتغال المرأة يؤدي إلى بطالة عميدها والمكلف بالإنفاق عليها؟
3– أن مصالح الشعوب لا تقاس دائمًا بالمقياس المادي البحت
فلو فرضنا أن اشتغال المرأة يزيد من الثروة القومية، إلا أنه من المؤكد أن الأمة تخسر
بذلك خسارة معنوية واجتماعية لا تقدر، تلك هي خسارتها بانسجام الأسرة وتماسكها، إن العرب خسروا كثيرًا باشتعال المرأة، حيث انهار صرح الأسرة وفسدت أخلاق الأولاد، فأي الخسارتين أبلغ ضررًا في الأمة؟ الخسارة المادية، أم الخسارة الاجتماعية؟ إن الذين يلحون على ضرورة اشتغال المرأة خارج بيتها، لتكسب البلاد نتيجة عمل المرأة، لا يبالون بما تخسر البلاد من تفكك الأسرة، وفقدان الرقابة والرعاية على تربية أبنائها وبناتها، ومثل هؤلاء يتبنون فلسفة مادية بحتة، وهذا ما تفعله الشيوعية تمامًا، ولكن المجتمع لا تتم سعادته إذا نظر إلى القيم الأخلاقية والروحية والعائلية، نظرة ثانوية أو نظرة ازدراء، ومجتمعنا مجتمع متدين تسير سلوكه المبادئ الأخلاقية التي جاءت بها العقيدة الإسلامية، فلا يمكن أبدًا أن ينظر إلى الأسرة بالمنظار الذي تنظر به الشيوعية والحضارة الغربية المادية إليها.
4– على أن هذه النظرة المادية لا تنطبق على واقع حياتنا وحياة المجتمعات، حتى في الشيوعية نفسها، فهناك في كل مجتمع فئات معطلة عن الإنتاج المادي، فالجيوش والموظفون لا يزيدون من ثروة البلاد المادية، وقد رضيت كل الأمم بتفرغ الجيش لحماية البلاد، دون أن تلزمه بالعمل والكسب، فهل يقال إن هذا تعطيل للثروة البشرية، يؤدي إلى انخفاض الثروة القومية في البلاد؟ أم أن هؤلاء المنادين باشتغال المرأة خارج بيتها، يوافقون على حرمان الأمة من جهود أفراد الجيش الاقتصادية، في سبيل مصلحة أغلى وأثمن من المنفعة الاقتصادية؟ وإذا كان كذلك، فهل يكون التفرغ لشؤون الأسرة أقل فائدة للأمة من تفرغ الجيش لحماية البلاد؟ أم يريدون أن ترهق المرأة بالعملين معًا؟
إن حياة الناس ليس كلها تحسب بحساب الربح والخسارة المادية، فالكرم والشهامة، والتضحية والوفاء وبذل العون للآخرين، كل ذلك خسران مادي، ولكنه ربح عظيم لا يتخلى عنه الناس الشرفاء الذين يعتزون بكرامتهم وإنسانيتهم.. وليست صيانة الأسرة ورعاية الطفولة وتربية الأولاد، أقل شأنًا في نظر الإنسان الراقي المعتز بإنسانيته، من تلك القيم الأخلاقية التي تقاس بالمقياس المادي البحت، كذلك الدفاع عن الوطن إنما هو في الحقيقة خسران مادي، ولكن الشعب لا يقبل أن تهدر كرامته في سبيل المحافظة على ثروته القومية، وهو لا يمكن أن يعزف عن مقاومة المغيرين بحجة أن في ذلك خسارة مادية وإضرار بالإنتاج القومي، والثروة العامة في البلاد.
5– ثم أي معنى لقول من يقول: إن وجود المرأة في البيت يعودها الكسل، ولذلك تسمن نساؤنا أكثر من الغربيات، إن مثل هؤلاء لا يعرفون متاعب البيت وأعماله.. وكيف تشكو المرأة من عنائه، فما يمسي المساء إلا وهي منهوكة القوى، تروح عن نفسها بالاجتماع إلى جاراتها وصديقاتها إذا أمكن، أما ما يزعمون من سمن المرأة الشرقية، فهذا أمر لا يستحق المناقشة، ذلك أن السمن والنحافة تابعان إلى نظام التغذية، ومما لا ينكر أن نظامنا في الطعام يؤدي إلى السمنة في الرجل والمرأة على السواء، بل الملاحظ أن السمنة عند الرجال في بلادنا هو أكثر منه عند الرجال في الغرب، يؤكد هذا أن الأعراب المقيمين في الصحراء قل أن يوجد فيهم السمين، إذًا فالقضية تابعة لنظام التغذية ونوع الغذاء، لا إلى الراحة والتعب.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل