العنوان كلمة رثاء عجلى
الكاتب أبو الحسن علي الحسني الندوي
تاريخ النشر الثلاثاء 20-نوفمبر-1979
مشاهدات 72
نشر في العدد 459
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 20-نوفمبر-1979
لا أعرف رجلًا أثر في الجيل الإسلامي الجديد مثل المودودي
دعوة المودودي قامت على أسس علمية أعمق وأمتن من أية دعوة سياسية أخرى
كتابات المودودي أعادت الثقة بصلاحية الإسلام للعصر الحديث
بمناسبة حادث وفاة المفكر الإسلامي الكبير الأستاذ السيد أبي الأعلى المودودي مؤسس الجماعة الإسلامية.
أدلى بها سماحة الأستاذ السيد أبي الحسن علي الحسني الندوى لمندوب المعهد العالي للدعوة والفكر الإسلامي، ندوة العلماء، لكنه أسترجع الأستاذ ودعا للفقيد، وترحم عليه، ثم قال:
إنني لا أعرف رجلًا أثر في الجيل الإسلامي الجديد فكريًا وعلميًا مثل تأثير الراحل العظيم، لا في العمق ولا في السعة، وقد كان السيد جمال الدين الأفغاني من أقوى الشخصيات الإسلامية التي نبغت في القرن الماضي وأكبرها نفوذًا في عقول الشباب المثقف، وسيطرة بل سحرًا عليها، وتأثيرًا في الفكر والاتجاهات والأساليب الأدبية، والكتابية والخطابية، حتى كان صانع جيل ومفتتح عهد، ولكن الحق يقال إن سيطرته العقلية والنفسية كانت محدودة في السخط على الأوضاع السياسية القائمة، والإستعمار الأجنبي، وفي إثارة الأُنفة والنخوة في الشعوب الإسلامية المحكومة في بلادها، والعمل للجامعة الإسلامية، لم ترافقها فكرة منسقة، ولا دعوة واعية إيجابية تقوم على الدراسات الإسلامية العميقة، والنقد والتحليل
العلميين للحضارة الغربية المادية وقيمها وموازينها، مع شدة حنق هذا النابغة الإسلامي وتلميذه العملاق الشيخ محمد عبده على الأمم الغربية. التي قادت الحملة والزحف على العالم الإسلامي، وفي مقدمتها وعلى رأسها الشعب الإنجليزي والحكومة البريطانية، وكانت دعوة سلبية أكثر منها إيجابية.
بخلاف الأستاذ السيد أبي الأعلى المودودي الذي قامت دعوته على أسس عملية أعمق وأمتن من أسس تقوم عليها دعوات سياسية، وردود فعل للاستعمار الأجنبي، وكانت كتاباته وبحوثه موجهة إلى معرفة طبيعة هذه الحضارة الغربية وفلسفتها للحياة، وتحليلها تحليلًا علميًا قلما يوجد له نظير في الزمن القريب، وقد عرض الإسلام، ونظام حياته، وأوضاع حضارته وحكمه، وصياغته للمجتمع والحياة، وقيادته للركب البشري، والسيرة الإنسانية في أسلوب علمي رصين وفي لغة عصرية تتفق مع نفسية الجيل المثقف ومستوى العصر العلمي، ويملأ الفراغ الذي كان يوجد في الأدب الإسلامي المعاصر من زمن طويل، ويقضي حاجة في نفس الشباب الطموح إلى مجد الإسلام والمسلمين، وقيام دوله ومجتمعاته الشريفة المعتزة بنفسها ودينها، ورسالتها ومقومات حياتها في الأقطار الإسلامية أولًا وفي العالم بالتالي.
ومما يجب أن يسجل في مآثره الخالدة أنه قد كان لكتاباته فضل كبير في إعادة الثقة إلى نفوس الشباب المثقف الذكي بصلاحية الإسلام لمسايرة العصر الحديث، بل لقيادته، وللتغلب على مشكلاته الطريفة المعقدة، ومعالجتها بل للمنع عن وقوعها، ومحاربة «مركب النقص» في نفوس هؤلاء الشباب فيما يتصل بالعقائد، والأخلاق ونظم الحياة الإسلامية، وقد بعثت كتاباته القوية ثم جهوده المتواصلة الرغبة القوية العارمة لقيام حكم إسلامي، ونظام إسلامی و مجتمع أفضل في كل بلد إسلامي، بل في كل بقعة من بقاع الأرض، وقد ساهمه في ذلك وواكبه عدد من رجالات العالم الإسلامي، ونتمنى أن يكون قد عرف بذكائه وتجاربه الواسعة أن الطريق إلى ذلك طويل شاق، ومحفوف بالمكاره، وأن الأرض في حاجة إلى تمهيد وتعبيد، والمجتمع المسلم في حاجة إلى إعداد داخلي، وشحنة إيمانية خلقية، ليكون قادرًا على حمل هذه الأمانة وهذا العبء الثقيل، ولعله لو امتدت حياته -وأراد الله- لربما كان وفق لتوجيه عنايته إلى هذه التربية والإعداد النفسي بطريق أقوى وأكثر وضوحًا وتأثيرًا.
قد كان لي شرف التعرف على شخصيته في الثلاثينات الأولى، من هذا القرن المسيحي، وقد استفدت من كتاباته كثيرًا، وأنا في ريعان الشباب، وجرت بيننا مراسلة، وكتبت في مجلته الغراء «ترجمان القرآن» وكانت تصدر حين ذاك من حیدر آباد، ثم حصل اللقاء الأول في لاهور في أغسطس سنة ١٩٣٩ م، ثم في لكهنئو حين أقام ضيفًا في ندوة العلماء عدة أيام في يناير ١٩٤١ م وقد جاء ليحضر لجنة التخطيط للدستور الإسلامي، تحت إشراف العصبة الإسلامية، وبدعوة من رئاستها في الولاية الشمالية، وحصل لى اتصال وثيق به - بصفتي مضيفًا ومرافقًا لهؤلاء الضيوف الأجلاء اللذين حضروا من أنحاء الهند، وفي مقدمتهم العلامة السيد سليمان الندوى ومولانا عبد الماجد الدربا بادي - ثم جاء مرة ثانية إلى الكهنئو في أكتوبر تلك السنة، لتنظيم الجماعة وتدعيمها، و حضرت عدة اجتماعات للجماعة الإسلامية التنفيذية في لاهور ودلهي، أولاها في فبراير ١٩٤٢م في لاهور وأخراها في أكتوبر ١٩٤٢ في دلهي، وأقمت ضيفًا عنده في «دار الإسلام» في بتهانكوت سنة ١٩٤٤ م، وحضرنا المؤتمر الإسلامي المنعقد في دمشق في أخر يونيه 1956م، الذي دعا إليه صديقنا الدكتور سعيد رمضان، وحضرنا عضوين زميلين جلسات المجلس الاستشاري للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ١٩٦٢م وعدة دورات لرابطة العالم الإسلامي في مكة المكرمة، وكان أخر لقاء في لاهور في الأسبوع الأخير من يوليه ۱۹۷۸ م في عودتي من كراتشي حيث حضرت المؤتمر الإسلامي الأسيوي الأول المنعقد في باكستان، وكان هذا اللقاء في جو من الإخاء والصفاء بعد فترة طويلة دامت عشر سنين تقريبا.
واتصلت الصلات الودية بيني وبينه -رغم صغري في السن وشهرته في العالم، وتقدمه في السن بعشر سنوات وأكثر- واستمرت المراسلات، وتبادل الرأي والفكر، حتى اختلفت طرقنا ومناهج فكرنا في سنة ١٩٤٤م اختلافا يرجع إلى طبيعة تجارب كل واحد منا، التجارب الشخصية، والأحداث التي مر بها، والبيئة التي عاشها والرجال الذين تأثر بهم، ويفعل التكوين العقلي الوراثي الذي يمتاز به كل واحد عن الآخر، وكان اختلافا في أسلوب الفهم والتفهيم لبعض الحقائق والمقاصد الدينية، والنظرة إلى التاريخ الإسلامي، وضرورة التربية والتزكية للأفراد، وهذا الاختلاف في منهج التفكير، والتنوع في الفهم والتفهيم هي المرونة العقلية، والخصيصة البشرية، التي فطر الله الناس عليها، والتي يرجع إليها الفضل في تقدم العقل البشري وتلقيح الأفكار، وتلقيح الأنظار، وسعة المكتبات العلمية، ويساعد على الانتقال من الصالح إلى الأصلح ومن النافع إلى الأنفع، ويشجع عليها الإسلام، ويؤيده موقف كبار علمائه وممثليه، بعضهم مع بعض، في عصوره الذهبية والقرون المشهود لها بالخير، وكان الفقيد رحمه الله من الذين فتحوا الطريق إلى الحرية في النقد والمناقشة العلمية للأراء، ومن السائرين على هذا الدرب، في كتاباته وبحوثه في تاريخ الإصلاح والتجديد، وفي القضايا الشرعية والفقهية.
وقد تجلت هذه الروح المرنة السامية في رسالته الأخيرة التي تلقيتها منه في يناير سنة ١٩٧٩م حين وصله كتابي المشهور الذي جاءت فيه ملاحظاتي عن كتاب «المصطلحات الأربعة في القرآن» وعن فكرته الأساسية التي تقوم عليه دعوته في فهم الدين وتفهيمه، والذي ظهر أولًا في أردو، ثم ظهرت ترجمته بالعربية باسم «التفسير السياسي للإسلام» وقد رحب في هذه الرسالة بهذه الملاحظات، وشكر المؤلف عليها. ودعاه إلى مراجعة سائر كتاباته ومؤلفاته وإبداء الملاحظات عنها.
وقال: إنني لا أستطيع أن أقول إني سأوافق عليها تمامًا ولكني سأدرسها وأتأمل فيها. وقال: إنني لا أعتبر نفسي فوق مستوى النقد وإختلاف وجهات النظر. ويجب أن يكون هذا شأن رواد الحق، ومنتجعي الخير، والعاملين لمجد الإسلام وحده، والطالبين لرضا الله وحده.
ومما لا شك فيه أن الله سبحانه وتعالى قد أكرم الفقيد بمواهب فكرية وعلمية وكتابية لا تتفق إلا للأفذاذ بعد الأفذاذ، وللنوابغ بعد النوابغ، في عصور مختلفة - وكل يؤخذ من قوله ويرد إلا النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم.
وكان من أهم مزايا الفقيد أنه عرف قيمة هذه المواهب وقدرها في العهد المبكر، ومنذ أمسك القلم، وسمع صدى صريره في الهند، وكان عهد القلق والاضطراب في المجتمع الإسلامي، وكان المسلمون -في شبه القارة الهندية- في بلبلة فكرية وكانوا يشعرون بطموح غامض إلى شيء أقرب إلى نفسيتهم، وخلفياتهم، وقلق لا يقدرون على تفسيره، فجاءت كتاباته تحاول ملأ هذا الفراغ، ولذلك استرعى انتباه كثير من الواعين والناشرين للقوة والعزة للإسلام، وملك عليهم إعجابهم، وكانوا نواة الجماعة الإسلامية في الهند، والعمود الفقري في باكستان، ثم مرت الجماعة بتطورات وأحداث هي موضوع المؤرخ للجماعة، ومؤلف سيرة القائد الراحل الأستاذ المودودي.
وقد وقف هذه المواهب والطاقات لهدف عينه ووهب له حياته، وعاش وفيًا له طول حياته، وقد شاهد تأثير كتاباته في الشباب المثقف في العالم الإسلامي، حتى لبى نداء ربه، وفارق الحياة، وجاء نبأ وفاته كصاعقة تنزل على العالم الإسلامي، رحم الله الفقيد، وأجزل مثوبته وغفر عن زلاته التي لا يخلو عنها بشر.
كنت في دلهي بالأمس حين فوجئت بنبأ وفاته مع زملائي وأصدقائي أعضاء الجماعة الإسلامية صباح يوم الأحد غرة ذي القعدة ۱۳۹۹ هـ «23 من سبتمبر ۱۹۷۹م» و ألقيت كلمة عزاء وتأبين في حفلة «مجلس مشاورة» للجماعات والقيادات الإسلامية في الهند، وشاء الله أن أكون بجوارهم، وكلنا مفجوع بالحادث يعزي بعضنا بعضًا، وبهذه الكلمات التي لا تفي بحق الراحل العظيم والنبأ الأليم، أعزي جميع المعنيين بالفكرة الإسلامية ومحبي الفقيد والمعجبين به وهم كثير ومنتشرون في أنحاء العالم الإسلامي وكان لله ما أخذ ولله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، ولا حول ولا قوة إلا بالله فلنصبر ولنحتسب.
2 من ذي القعدة ۱۳۹۹ هـ
24 من سبتمبر ١٩٧٩ م
أبو الحسن على الحسني الندوى
أمین ندوة العلماء العام لكهنئو الهند
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل