; التزلف لكسب المسلمين | مجلة المجتمع

العنوان التزلف لكسب المسلمين

الكاتب عبدالرازق ديار بكرلي

تاريخ النشر الثلاثاء 08-أغسطس-1989

مشاهدات 65

نشر في العدد 927

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 08-أغسطس-1989

     حقائق في وثائق: كلورادو أخطر مؤتمر ضد المسلمين

  • المنصرون يبحثون عن الطرق الرقيقة لممارسة مهامهم في تنصير المسلمين.
  • رجال الكنائس يدرسون كراهية المسلمين للكنيسة بسبب عدائها للإسلام.
  •  منصر كبير يدعو إلى سلوك الشفافية في التعامل مع الآخرين.

لقد أعيت المنصرين الحبل، فمرة يقفون وراء أولئك الذين يهجمون على العالم الإسلامي بمدافعهم ورشاشاتهم في حرب صليبية دامية، ومرة يقفون إلى جانب القوى الاستعمارية ضد مصالح العالم الإسلامي، ومرة يهاجمون الإسلام في عقيدة وقرآنه وأحاديثه وتاريخه وشخصياته، ومرة يسلكون سبيل تقديم الخدمات الطبية والإنسانية ومرة ومرة، ولكنهم بعد كل مرة يشعرون بأنهم يرتطمون بصخرة الإسلام العظيمة وأنهم يتحطمون ويتيهون.

لقد أقلقهم صمود الإسلام وصمود المسلمين أمام جهود التنصير الهائلة إذ إنهم لم يجنوا إلا أقل النتائج التي تقل كثيرًا عن الطموحات والأهداف، وإن هذا القلق وهذه الحيرة تتمثل فيما يلي:

1- ديفيد. أ. فريزر في موضوعه «تطبيق مقياس مقياس إينكل في عملية تنصير المسلمين» يقول في مطلع بحثه في الصحفة 238 ما يلي:

«إن المسألة الأساسية التي تواجه عملية تنصير المسلمين هي كيف يستطيع المنصرون برقة ووضوح إقناع المسلمين بوجوب الإيمان بيسوع كرب والإخلاص له».

2- والنص الأقوى والأشد صراحة في التعبير عن هذه الحيرة والقلق يبدو في قول تشارلي. ه. كرافت في موضوعه «كنائس ملائمة للمتنصرين الجدد في المجتمع الإسلامي» حيث يقول في الصفحة 170 ما يلي:

«لقد قاوم المسلمون بصورة عامة بالطبع هذا الإكراه الثقافي وخاصة في المسائل اللاهوتية، وبهذا تركونا بدون استراتيجية تنصيرية».

إنهم أمام هذا العجز وهذا الاضطراب قد ابتدعوا الوسيلة الجديدة التي يأملون أن تكون طريقة مثمرة ذات مردود فعال، ولكن من يدري لعلهم بعد العمل المتواصل لعشرات من السنوات في هذه الطريقة سيصلون في نهاية المطاف لاهثين وإذا بهم قد سقطوا في دائرة الارتطام على صخرة الإسلام، وإذا بهم يقولون بأن هذا الطريق غير نافع، ولا بد لنا من وسائل جديدة بديلة عسى أن توصلنا إلى حل هذا اللغز، وربما سينتقدون أنفسهم كثيرًا لأنهم سلكوا هذا السبيل لأنه سبيل خطر عليهم قد يكون وسيلة لغزو النصرانية ذاتها بدلًا من أن يكون وسيلة لأن تغزو النصرانية به الإسلام، ذلك لأن الإنسان عندما يكون مستعدًا لأن يتخلى عن جزء يسير من مبادئه شكلًا أو مضمونًا فلسوف يرى نفسه في آخر الطريق قد تخلى عن أشياء كثيرة تباعًا، وسوف يحتاج إلى الكثير من أجل أن يرمم ما أوهته يداه وإن آخر مبتكراتهم في هذا الصدد هو انتهاج سبيل جديد تظهر قدرًا عظيمًا من عجزهم وحيرتهم ذلك أنهم ابتدعوا وسيلة «التزلف» بعد أن أعيتهم كل الحيل والوسائل السابقة في تاريخ التنصير وفيما يلي عرض لهذه الوسيلة أشكالًا وأصنافًا.

تتلخص هذه الوسيلة التي أطلقنا عليها هذا الاسم بأن المنصرين قد أصبح لديهم استعداد لأن يلووا عنق النصرانية حتى تقترب من الإسلام ولتكون بعد ذلك مصيدة للمسلمين من أجل تنصيرهم. إنهم مستعدون لبناء مسجد عيسوي، وصلاة نصرانية في قالب إسلامي، وتقبل أشخاص أنصاف نصارى أطلقوا عليهم اسم «مسلمون- عيسويون»، كل ذلك حتى تبدو النصرانية أكثر جاذبية، وأكثر تقبلًا، وأقل رفضًا من قبل المسلمين الذين ألفوا الدين بطريقة معينة وأسلوب معين، أنهم يحالون أن يسبغوا على المبادئ والشعائر والقيم النصرانية شكلًا إسلاميًا على أمل أن يسهل ذلك عملية انتقال المسلم إلى النصرانية دون ردود فعل قوية، إنهم يقومون بدور الرجل الذي يشعر بأن الطفل المريض الذي أمامه يرفض تناول دواء معين لمرارته وكزازته فيعمد إلى وضع هذا الدواء ضمن عبوة من السكريات والحلويات التي يحبها هذا الطفل حتى يرغب في تناولها ثم بعد ذلك يفعل هذا الدواء فعله في نفسه. ومن خلال النماذج التي سنعرضها ستتبين طريقتهم هذه ونعرف مداخلهم الجديدة.

أولًا: أنهم يحاولون إيجاد جذور دينية لهذا التزلف مستلهمين شخصية «الرسول بولس» الذي تشكل في أشكال وتقولب في قوالب مختلفة من أجل أن يصل إلى غير النصارى من أجل تنصيرهم.

فإن بشير عبد المسيح في موضوعه «استمالة المسلم عن طريق تجسيد شمائل المسيح وسلوكه» قد تساءل في الصفحة 117 حيث يقول

«فقد وصل جد الرسول بولس المسيح في شكل يهودي كي يصل إلى اليهود، وجسده في شلك وثني كي يصل إلى الوثنيين، فهل لدينا الجرأة على سلوك مسلك يسوع والرسول وأن ندعو إلى مسيح متجسد بشكل إسلامي كي نصل إلى المسلمين؟ هل نجد في قلوبنا مقاومة ورفضًا لهذه القضية..؟ 

ثانيًا: ليس الرسول بولس هو الذي انتهج هذا السبيل من تلقاء نفسه، بل أنه اقتدى في ذلك بالمسيح ذاته، وهذا ما ظهر في النص السابق، وكذلك فإن النص التالي يوضح بأن اليوم «كما يزعمون» قد تجسد في شكل عبري نصراني حتى يصل إلى قلوب اليهود العبريين من أجل تنصيرهم، فإن تشارلي. ه. كرافت في موضوعه «كنائس ملائمة للمتنصرين الجدد في المجتمع الإسلامي» في الصفحة 171- 172 يقول:-

«هل يمكن على الأقل أن يطور بعض الأمريكيين- الأوربيين المقدرة على التعامل مع المسلمين كما فعل المسيح والرسول بولس بهدف التمكن من التأثير عليهم من داخل أطرهم الثقافية؟ هل يمكن للمرء أن يكون مسلمًا- نصرانيًا كما كان المسيح والرسول بولس والكثير من أتباعهم عبريين- نصارى».

ثالثًا: أول خطوات هذا الطريق تتمثل في هذه المفاتيح التي دعا إليها آرثر. ف. كلاسر وهو يقدم توصيات للمنصرين في موضوعه «تقرير المؤتمر» إذ يقول في الصفحة 56

«لقد تم تكرارًا وأثناء اللقاءات تحديد وتأكيد مفاتيح مهمة وعديدة للتنصير الفعال وهي:

- أهمية الشفافية أمام الآخرين.

- مركزية المحبة في مجمل تعاملنا مع الآخرين.

- تكريس الاحترام والصدق نحو الذات ونحو مطالب الإنجيل الصارمة.

- حتمية انسكاب دموع الشفقة من أجل الآخرين.

- الصلاة والصوم.

- الحاجة إلى الشجاعة والصبر والمثابرة.

- المقدرة على استيعاب السخرية والمعاناة.

- أهمية الإيمان المتواصل وتمجيد ربنا رب المستحيل»؟

ويلاحظ هنا انسكاب الدموع والشفافية ومركزية المحبة كل ذلك عليهم القيام به من أجل الالتفاف على المسلمين في محاولة لكسبهم ولو عن طريق هذا المظهر الضعيف الذي يخفي وراءه رغبة في اقتناص المسلمين.

رابعًا: وكذلك فإن آرثر. ف. كلاسر ذاته يقول في الصفحة 72 من موضوعه آنف الذكر:

«نحن نأمل أيضًا في عفو أصدقائنا وجيراننا المسلمين وأن لا يتخذوا موقفًا بسبب قصورنا بل أن يمنحونا صداقتهم ومحبتهم».

إنهم هكذا في ملمس مخملي، وفي نعومة الحرير، يدلفون إلى قلوب المسلمين طالبين الصداقة والمحبة والعفو، ممن؟ من جيرانهم، من أصدقائهم، من المسلمين، من الذين أذاقوهم مر القسوة قسوة المرارة.. الآن بعد أن عجزت كل وسائلهم، وبعد أن فلت كل أسلحتهم، جاءوا بثوب جديد ناعم اسمه المحبة الجيران، الأصدقاء... الآن والآن فقط أصبحنا جيرانهم وأصدقاءهم، وأصبحنا نحن الذين نعطيهم العفو والفرصة والمحبة... إن هذه المفاتيح التي دعا إليها كلاسر والتي تدور حول النعومة واللطف والشفافية إنما هي وسائل اقتناص جديدة وعجيبة.

خامسًا: ثمة أسلوب آخر يدعو إليه بشير عبد المسيح في موضوعه: «استمالة المسلم عن طريق تجسيد شمائل المسيح وسلوكه» وذلك في الصفحة 117 حيث يقول:

«إن الرسول بولس يدعونا لأن نفكر مثل هذا التفكير، فما المدى الذي نحن على استعداد للذهاب إليه كي نجسد المسيح في بيئة إسلامية، هل يمكننا أن نكون قد اتبعنا النموذج الذي أعطانا المسيح إياه في التجسيد إذ ما قمنا بلبس العمائم والجلاليب وذهبنا إلى أماكن عبادتهم حتى لو نظر إلينا الناس خطأ كمسلمين».

- إنهم يدعون إلى لبس العمائم والتشبه الظاهري بالمسلمين حتى تزول جميع الفواصل الظاهرية التي تفرق بينهم وبين المسلمين بحيث يتقبلهم المسلم نفسيًا ويشعر بأنهم قريبون منه، بل أنهم مثله.

- إنهم يدعون إلى الذهاب إلى المساجد وأماكن العبادة الإسلامية، كي يشاركوا المسلمين هذه العبادة مشاركة ظاهرية، وهو أسلوب لإذابة الفوارق النفسية أيضًا، وتكون هذه الأشياء خطوة أولية للتقارب تعقبها خطوات الاقتناص والإقناع بالنصرانية بعد ذلك.

سادسًا: إن هذا التزلف قد جنح بهم أيضًا في هذا السبيل إلى الدعوة إلى أداء الشعائر النصرانية في صورة إسلامية، الشكل والقالب إسلامي ولكن الحقيقة والجوهر نصراني على أن ذلك وسيلة من وسائل الاقتراب من المسلمين في سبيل اقتناصهم وجذبهم إلى حظيرة النصرانية، فإن بشير عبد المسيح في موضوعة «استمالة المسلم عن طريق تجسيد شمائل المسيح وسلوكه» في الصفحة 119 يقول:

«إن المتحولين عن الإسلام الذين يقولون: إن أعمق تجربة لعبادة يسوع المسيح هي في سجودهم ورؤوسهم على الأرض لهم مطلق الحرية في أن يتعبدوا بمثل هذه الطريقة ويبنوا أماكن عبادتهم على هذا الأساس، ويسوع يحررهم من العبادة وفق الأنماط والأشكال الغربية، فهل سمحنا لهم بذلك».

سابعًا: إن بشير عبد المسيح ذاته يعمد في الصفحة 120 إلى التوسع في هذه المظاهر التعبدية والدعوة إلى تأديتها وفق الأنماط والأشكال الإسلامية فيقول:

«إن أركان الإسلام الخمسة تتوافق جوهريا مع الكتاب المقدس في معظم أشكاله وإن كانت تختلف أحيانا في المضمون»:

كالتشهد، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، فهذه الأشياء ذاتها موجوده في النصرانية الأصلية، إذ فيها تشهد وصلاة وزكاة وصيام وحج ولا خلاف بينهما في ذلك من ناحية الشكل كما يقول وهو يدعو إلى الإتيان بها تقربًا من المسلمين ولكن بمضمون نصراني إذ يبين بعد ذلك في الصفحة 121 فيقول: «والشيء المهم هو أن تصحح غايته ووجهة نظره وأن يتطلع إلى المسيح كمخلص وحياة له وثواب أمام الرب» أي أنهم يقبلون لهذه الأمور التعبدية أن تؤدى في ثوب إسلامي ولكن في حقيقة ومضمون نصراني.

ثامنًا: إن قمة هذا التزلف نراه في دعوتهم إلى أن يكون هناك «مسلم- عيسوي» وأن يكون هناك «مسجد- عيسوي».

إن دونالد. ر. ريكاردر في موضوعه «تطوير وسائل جديدة لتساعد في تنصير المسلمين» في الصفحة 645 يقول:

«نحن نقترح أن يطلق على المسلمين الذين يعتنقون النصرانية «مسلمون- عيسويون وهذا له معنيان:

أولًا: أنهم استسلموا لعيسى:

ثانيًا: أنهم ما زالوا جزءًا من ثقافتهم ووطنهم».

ثم يقول بعد ذلك في الصفحة 646: «لماذا لا نطلق على المكان الذي يلتقي فيه المسلمون العيسويون «مسجد عيسوي» فربما قبل المسلمون في النهاية المسجد العيسوي كفرع طبيعي ضمن الثقافة الإسلامية».

ثم يتحدث المحاضر عن الطقوس الدينية في هذا المسجد العيسوي إذ يقول في الصفحة 647:

«إذن نقترح بأن تترك الأحذية عند الباب في المسجد العيسوي وليس هناك خسارة في ذلك وأن تكون أوضاع متعددة للصلاة عامة «والكتاب المقدس يسمح بالركوع ورفع الأيدي» وأن لا تكون هناك مقاعد، وأن تستعمل حصائر للصلاة إذا رغب المصلون بذلك، ولكن المصلين لن يولوا وجوهم نحو الشرق، ولن يكون هنالك أي إشعار أو دعوة للجهاد على حيطان المسجد العيسوي «ولو أن المسلمين العيسويين قد يقررون مستقبلًا كتابة شيء عن المسيح على تلك الحيطان».

هذه هي إذن صورة المسجد العيسوي، وصورة المسلم العيسوي أي المسلم النصراني كما يتخيلها بشير عبد المسيح والتي يدعو إليها ولكن ما الذي يقوله عن أيام الأسبوع؟ إنه يبين رأيه في ذلك إذ يقول في الصفحة 648:

«نحن نقترح على ضوء ما يقوله العهد الجديد بخصوص مراعاة الأيام أن يتم توزيع تقويم على المسلمين العيسويين يوضح لهم أن يوم الجمعة هو اليوم الأول في الأسبوع بالنسبة إليهم».

وما الذي يقوله عن شهر رمضان، شهر صيام المسلمين؟ أنه يبين في الصفحة 648 وجهة نظره حول هذا الشهر الكريم من أجل تنصيره أيضًا بقوله

«يجب أن نجعل من رمضان شهر الصيام- شهرًا مليئًا بالعمل والنشاط والحيوية بخلاف ما كان عليه الحال في الماضي من قضاء ليالي الشهر في ممارسات لا دينية».

إنه يرسم ويهندس الأشياء ويتخيلها وكأن الناس أمامه مجرد أحجار على رقعة الشطرنج ويحولهم كما يريد، وكل ذلك انطلاقًا من فكرة إذابة الفارق الثقافي الحياتي الديني بين المسلمين والنصارى حتى يصبح الشخص النصراني، والمعتقد النصراني، والعبادة النصرانية قريبة إلى استيعاب المسلم، وحتى تبدو له هذه الأشياء وكأنها مماثلة لثقافته وموروثه الديني، وحتى تكون هذه الأشياء مرحلة انتقالية بين الإسلام من ناحية والنصرانية من ناحية، فهي الجسر الذي يعبر عليه المسلم، مسلم، ثم مسلم عيسوي، ثم عيسوي وكلمة عيسوي هنا تعني نصراني، ولكنها كلمة مقبولة للمسلم الذي يحب عيسى لكونه واحدًا من الأنبياء الذين يقدرهم المسلمون ويجلونهم حسب المفهوم الإسلامي لا المفهوم الوثني المشرك النصراني.

تاسعًا: إن أفكار بشير عبد المسيح قد أثارت عديدًا من التساؤلات والتعقيبات، وقد جاء في الصفحة 652- 653 من رده على تعقيباتهم قوله:

«الحقيقة أن مصطلحات مسلم عيسوي ومسجد عيسوي ستكون بالتأكيد مهينة للمتنصرين الوطنيين في أنحاء العالم الإسلامي، لكن بدلًا من أن نعلن عن يأسنا فأمامنا إمكانية لمناقشة هذه الأفكار الجديدة مع هؤلاء المتنصرين وبطريقة أخوية، فبدلًا من افتراض عنادهم وتصلبهم في هذا المجال لدينا فرصة لأن نشاركهم التفاؤل في أفكار جيل جديد، لماذا نستبق الأمور ونحكم بأنهم لن يتجاوبوا بالإيمان والفرح كما يفعل كثير منا».

إن لديه أملًا، بل ربما في هذا الأسلوب حقلًا تجريبيًا جديدًا، لنجرب، ولنر، قد تصيب هذه الأفكار، وقد تؤتي ثمارها، هذا ما يراه بشير عبد المسيح الذي يحاول إقناع المؤتمرين به.

ولكن...إن الذي نراه بأن الأسلوب جملة من النقاط التي تستحق الوقوف عندها وتسجيلها:

1- إن هذا الأسلوب يعبر تعبيرًا صريحًا عن الإفلاس في الوسائل، فإنهم بعد أن استنفدوا كل وسائل التنصيرية الترغيبية والترهيبية على حد سواء، ولم تنفع كلها في التحويل العام للمسلمين إلى النصرانية قد اعتراهم اليأس وبدأوا يفتشون عن وسائل تعبر عن هذا الإفلاس الواضح.

2- إن هذا الأسلوب- إذا قدر له أن يستخدم قد يكون وسيلة لجذب النصارى إلى الإسلام بدلًا من جذب المسلمين إلى النصرانية، لأن صاحب العقيدة الأقوى هو الذي يستطيع جذب الأضعف، وما الحروب الصليبية عنا ببعيدة، فإن النصارى قد حققوا نصرًا عسكريًا لكنهم وبنفس القدر قد حققوا هزيمة عقيدية وحضارية ونفسية، إذ إن بعض عادات وتقاليد المسلمين ومفاهيمهم وألبستهم وشعاراتهم وطرائق معاشهم قد انتقلت إلى النصارى، فصاروا نصارى في ثوب إسلامي من العادات والأشكال وقد حدث الأمر نفسه مع التتار والمغول الذين انتصروا عسكريًا على المسلمين الضعفاء المفككين لكنهم هزموا أمام الحق الأقوى الذي وجدوه في الإسلام، فقد أسلموا وتغيرت سلوكياتهم وهيئاتهم وشخصياتهم لتتوافق وتتشابه مع شخصية المسلمين وعادوا إلى بلادهم ليحكم أحفادهم بالإسلام قرونًا مديدة.

3- إن الانحراف يبدأ صغيرًا لكنه بعد ذلك يكبر ويكبر حتى لا يستطيع أمرؤ التحكم فيه أو السيطرة عليه، إنهم يريدون اليوم أن ينحرفوا بالمفاهيم النصرانية تجاه الإسلام، ولو بزاوية بسيطة بهدف جذب المسلمين إلى حظيرة النصرانية، وغدًا يقبلون بزيادة هذا التقارب، وبعدها قد يصبح الأمر قبولًا للإسلام ذاته عندما يستشعرون حلاوة صيام رمضان وجمال تلاوة القرآن وفرحة التوجه إلى الله الواحد الأحد تلك الفكرة أو تلك الأفكار التي سينقلها لهم المسلمون من خلال هذا المسجد العيسوي أو الإسلام العيسوي الذي يدعون إليه.

4- إن المسلم لن يقبل على نفسه هذا التلفيق المضحك فإن أراد الإسلام فليأخذه من مسجد المسلمين، أما هذه «الاستشكالات» و«التعقيدات» بين الإسلام- والإسلام العيسوي- والنصرانية، وبين الظاهر الإسلامي والباطن النصراني، بين معرفته بدينه كما أخذه عن آبائه وبين هذه التناقضات كل ذلك سيجعله أمام خيارين إما أن يبقى في دينه وإما أن يتخلى عن فكرة الدين إطلاقًا، أما هذه الوضعية الدينية المشوشة فلا يمكنه هضمها ولا استيعابها.

5- إن الرفض الذي يبديه المسلمون تجاه النصرانية ليس في هذه الأشكال. أي لن تكون هذه الأشكال وسيلة لجذبه إلى النصرانية وذلك لأن القضية عميقة الجذور في نفسه وذلك من خلال اتجاهين:

أ- المعتقد الإسلامي الواضح حول الألوهية الواحدة وحول الدين الحنيف الذي عرفه أو ورثه عن آبائه وأهله ومجتمعه.

ب- الكراهية للكنيسة بسبب ماضيها المعادي للإسلام، وبسبب مواقفها التاريخية من المسلمين، وبسبب الأفكار التي تستعصى على الفهم كالتثليث، ثلاثة في واحد، وواحد في ثلاثة، تلك الأقانيم التي لم يستطع أن يهضمها النصراني ذاته إلى اليوم فيما بالك بالمسلم الموحد.

6- إذا افترضنا بأن ثمة نجاحًا يمكن أن يتحقق من خلال هذا التلفيق الساذج فإن هذا النجاح لن يتحقق إلا لدى الأشخاص المسلمين الهامشيين فقط وهؤلاء مرفوضون في الأصل، ليسوا مرفوضين من قبل المسلمين، بل من قبل المنصرين وذلك لأسباب أخرى كثيرة بيناها في موضع آخر من هذا البحث «1».

عاشرًا: إن هذه الإذابة للفوارق الثقافية والتزلف للمسلمين وقبول مرحلة وسط بين الإسلام والنصرانية، ليست فكرة واحدة من المؤتمرين هو بشير عبد المسيح الذي اقتبسنا عددًا من آرائه في الفقرات الآنفة بل أن بول هايبرت يدلي بنفس الآراء كذلك، ففي الصفحة 81 يقول عن المسلم المتنصر في الباكستان ما يلي:

«هل يمكنه أن يستخدم لغة الأوردو للتعبير عن إيمانه، أو أن يستعمل الطبول وأساليب الغناء في ترانيمه النصرانية؟ هل يستطيع الاجتماع مع أقرانه النصارى في الجامع؟ هل يجب عليه أن يطلق زوجته الثانية والثالثة ويحولهن إلى عاهرات؟».

ثم يقول في الصفحة 82:

«ربما يستطيع الباكستاني المتنصر حديثًا أن يستخدم عددًا من صيغ ثقافته دون أن يتزعزع إيمانه، فهو يستطيع النوم في سريره القديم، وأن يأكل الأطعمة المعتادة، وأن يصلي وهو جالس على الأرض».

إن النصرانية من خلال إحساسها بضعفها عن إمكانية الانتصار العقلي الخاضع للبراهين والمنطق أخذت تبحث عن وسائل بديلة ذات جذب خادع، وهو جذب مؤقت بالتأكيد، وجذب ضعيف بالتأكيد، لأن الذي ينجذب بهذه الطريقة سيصحو في يوم من الأيام إذا لم يجد ما يشبع روحه وفكره. هذا من ناحية.

ومن ناحية أخرى فإن النصرانية لتورطها في هذا الاتجاه المائع قد خسرت الكثير، لأنها قبلت أن تحتوي النصراني الغربي على الرغم من كل آفاته وانحرافاته وسقوطه، وقبلت منه فقط أن يحضر في يوم الأحد للقداس الكنسي، أن يحافظ ولو على رباط واه مع الكنيسة مهما كان منحرفًا عن المبادئ النصرانية الأصيلة، لكن ذلك أفقدها الكثير وجعل نظرة النصراني إليها خالية من الاحترام والتوقير وأصبح الزاني وشارب الخمر واللص والمنحرف سلوكيًا والشاذ جنسيًا مقبولين في الكنيسة ما دام لديهم استعداد لأن يحضروا إلى الكنيسة في بعض الأيام من السنة، وما داموا يحتفلون بعيد الميلاد، وما دام لديهم استعداد لأن يجثو كل واحد منهم على ركبتيه أمام القسيس معترفًا بذنوبه العجيبة ليغفرها له  ويريح ضميره منها، وما دام يدفع الضرائب بشكل منتظم للكنيسة، إن كل واحد من هؤلاء سيحس من داخله بسخرية عجيبة من هذا الدين الذي لا يتجاوز القشرة الظاهرة، لقد أصبحت الكنيسة أضعف من أن تستيطع احتواء مشاعر النصراني الذي أخذ يبحث عن إشباع تطلعاته الروحية في أي معتقد آخر.

إن النصرانية عندما ترضى بأنصاف الحلول هذه لن يكون ذلك سببًا في انتصارها ربما تنتصر مؤقتًا لأسباب كثيرة مادية ونفسية، وربما انتصرت مؤقتًا في بعض ديار المسلمين التائبة كجنوب شرقي آسيا وإندونيسيا وبعض مناطق إفريقيا، وذلك لما فيه المسلمون من ضعف وتفكك حالي، ولكنه انتصار ظاهري مؤقت، ذلك لافتقاد النصرانية لأي حق عقلي منطقي مقبول ولا جذب روحي صادق مشبع.

حادي عشر: إن هذا الإحساس بالتزلف لكسب المسلمين قد شعر به المؤتمرين مما جعل فريزر في دره على بعض التعقيبات الواردة على موضوعه «تطبيق مقياس إينكل في عملية تنصير المسلمين» في الصفحة 258-259 يقول:

«لم يكن البعض مرتاحًا لأنهم شعروا بأني أؤيد جعل العقيدة النصرانية أكثر جاذبية، إني أقر بهذا فأنا لا أعتقد أن الناس يمكن أن يتجاوبوا مع الدعوة إذ بدا المسيح لهم أجنبيًا عنهم أو لا علاقة له باحتياجاتهم الحقيقة أو أنه يناشد الناس بأن يخونوا أقاربهم أو ينبذوا ثقافتهم، إن المسيح ليس كذلك إننا نحن الذين جعلناه يبدو هكذا بواسطة العديد من أساليبنا».

نعم إنهم أساءوا إلى المسيح في كثير من تصرفاتهم مع المسلمين عبر القرون ولكن المسيح عيسى عليه السلام ليس أجنبيًا عن المسلمين كما يتصورون، وإن المسيح عليه السلام لا يحتاج إلى شهادة تزكية منهم، وليس في حاجة لأن يقدموه إلى المسلمين في أسلوب أكثر جاذبية حتى يصبح مقبولًا.

إن المسيح لدى المسلمين نبي، بشر، محبوب، مذكور في القرآن بكل ما يليق به من التقدير، هو وأمه الصديقة، إن المسيح لدى المسلمين قريب إلى قلوبهم، قريب إليهم على طريقتهم الصافية الناصعة على حسب المفهوم البريء من الشرك والتأليه والوثنية، الخالص من الخرافات والتعقيد،.. ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ (المائدة: 116).

إنهم يفترضون مشكلة ما، ويبذلون جهودًا عظيمة لإزالة هذه المشكلة، علمًا بأن المشكلة من أساسها ليس لها وجود على الإطلاق إلا في عقولهم وذواتهم وتصوراتهم المنحرفة.

وإننا نطلب إليهم أن يوفروا هذه الجهود المضنية في هذا السبيل وندعوهم لأن يصححوا نظرتهم إلى المسيح عندها سيلتقون بالمسلمين تلقائيًا.

إن المسيح في حس المسلمين إنما هو:

1- ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآيَاتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (المائدة: 75).

2- ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾ (النساء: 171).

3- ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ (النساء: 172).

وعليه فإن للمنصرين اتجاهًا جديدًا هو التزلف من أجل كسب المسلمين إلا أن ينتبهوا لهذه الوسائل ويعدوا لها ما يكافئها من الحلول التي تجعلها عليهم بدلًا من أن تكون لهم، ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (الأنفال: 30)، ﴿وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ (الأنعام: 123).

 

الرابط المختصر :