; كمبوديا تدخل إلى القرن الجديد بدون محاكمة «لجزاريها» من الخمير الحمر! | مجلة المجتمع

العنوان كمبوديا تدخل إلى القرن الجديد بدون محاكمة «لجزاريها» من الخمير الحمر!

الكاتب صهيب جاسم

تاريخ النشر الثلاثاء 17-أغسطس-1999

مشاهدات 53

نشر في العدد 1363

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 17-أغسطس-1999

قتلوا ۱٫۷ مليون منهم نصف مليون مسلم

لماذا صمتت الولايات المتحدة وعجزت الأمم المتحدة وتهاونت الحكومة في فتح الملف؟

 بانضمام كمبوديا إلى رابطة دول جنوب شرق آسیا «أسيان» كتبت النهاية الرسمية لبقايا الحرب الباردة في المنطقة، لكن شعبها لم يحتفل بذلك كما فعل رئيس وزرائها هون سن فبلده متأخر عن الركب ليس في انضمامه للرابطة فحسب، ولكن حتى في الوضع الاقتصادي والاجتماعي وما زال الكثير من العوائق يقف أمام محاكمة من قتلوا 1.7 مليون كمبودي خلال الحكم الشيوعي الدموي.

 وهكذا ينتهي القرن العشرون ليضاف اسم الخمير الحمر إلى قائمة سفاحي القرن الذين لم يواجهوا محاكمة عادلة كغيرهم من مجرمي الحرب في عدد من بلدان الجنوب مقارنة بملاحقة اليهود لمجرمي الحرب النازيين مع كل الجدل المثار حول حقيقة مذابحهم.

 لقد كان من انعكاسات منابع المسلمين الأخيرة في البلقان وتدخل الناتو بمهاجمته يوغسلافيا بغض النظر عن الأهداف الحقيقية، أن تزايدت الدعاوى إلى تدخل دولي في محاكمة الخمير الحمر الذين اشتهروا بقتلهم ما بين ١,٧ إلى مليوني كمبودي «نصف مليون منهم مسلمون»، وذلك إبان حكمهم الذي دام أربع سنوات فقط (٧٥-٧٩م) أذاقوا شعبهم المر بأشكاله، فمات البعض جوعًا أو مرضًا أو قتل فداء للثورة الشيوعية.

ويتساءل الكثير من أقارب ضحايا الخمير الحمر عن سر سكوت الولايات المتحدة بعد انتهاء الحرب الباردة عن ذلك ويفضل البعض منهم أن يحاكم مجرمو الحرب الكمبوديون خارج بلادهم الضمان الحياد.

الجرائم ثابتة

ليس من الصعب إثبات جرائم الخمير الحمر ابتداء من أكوام الجماجم التي نشرت صورها منذ سنوات في الصحف والمجلات والقنوات التلفازية إلى الرعب الذي يملأ صدور من عايشوا حياة حقول القتل لكن يبدو أن الحكومة تسعى إلى إغلاق تلك الصفحة السوداء على الرغم من يده محاكمة بعض قيادات الشيوعين، وأحد المؤشرات الدالة على ذلك عدم ذكر ذلك في الكتب المدرسية ويتخوف ناقدو هذه السياسة من أن ذلك يعني نسيان تلك الحقبة التي انتهت بغزو فيتنامي وبداية حكم شيوعي آخر.

 مدير عام وزارة التعليم سوموي تشيانج يبرر هذا الوضع بضرورة تفادي دفع الأطفال الكمبوديين إلى الشار من عوائل الخمير الحمر لو كبروا وبدلًا من ذلك تربية جيل بعيد عن ذكريات العنف ولذلك فإن الطالب الباحث في تلك الفترة سيجد بعض الكتب القليلة القديمة في أرفف المكتبات.

ولهذا بعد سياسي، فرئيس المركز الكمبودي للتوثيق بوك تشهائج المهتم بمتابعة أدلة ووثائق جرائم الشيوعيين يقول: إن الساسة متحكمون في الكتب الداخلة إلى أسواق ومكتبات بنوم بنه، ويدعو يوك إلى ضرورة صياغة ذلك التاريخ وبأسلوب لا يدعو إلى النار حتى لا ينسى التاريخ وخاصة أن عصابات الخمير الحمر بدأت تتفكك منذ أواخر عام ۱۹۹۷م، وبدت حاضرة في اهتمامات الشعب والحكومة بشكل واضح، والكثير من ضحاياهم يريد أن يرى بعينيه قبل موته تنفيذ العقاب بقاتلي أقربائه ولماذا كان ذلك العدد الهائل من القتلى؟

 لكن أساتذة المدارس لا يدرسون تلاميذهم شيئًا عن ذلك ويتفاجأ أو يصدم البعض منهم عندما يعثر على كتاب في المكتبة العامة يتحدث عن إرهاب بول بوت الذي مات العام الماضي، وخاصة أن نصف سكان كمبوديا البالغ عددهم ١٢ مليون نسمة قد ولد بعد نهاية حكمهم عام ١٩٧٩م.

دور الأمم المتحدة

يبدو دور الأمم المتحدة ضعيفًا مع عدم وجود دعم دولي بشكل فعال لممثليها، وهون من يتقلب في تصريحاته من أن لآخر حول قبوله أو رفضه قضاة ومحامين أجانب يعملون مع القضاة الكمبوديين، لكنه رفض مقترحات الأمم المتحدة التي تدعو إلى محاكمة بإشرافها لـ ٣٠ من قيادات

الخمير الحمر في بلد آسيوي محايد.

 أما المشكلة الحقيقية التي تواجه كمبوديا فهي فساد المحاكم، فعلى الرغم من كثرة المعونات الغربية للتعليم والصحة فالقضاء مازال يعاني من آثار الحكم الشيوعي والحرب الأهلية، ولا تملك المحاكم أي مؤهلات تنفيذ القضاء بشكل عادل ويتحكم في القضاة من قبل الدولة مباشرة.

 أما فيتنام التي أسقطت حكم الخمير الحمر فقد اعتبرت الأمر شأنًا داخليًا مع أنها حكمت بالإعدام غيابيًا على بول بوت ولينج سارلي قبل إسقاط حكمهما فمات الأول، وأرسل الثاني رسالة استرحام إلى السفارة الفيتنامية في بنوم بنه، لكن مسؤولي السفارة رفضوا قبولها، ومع أن بول بوت

شيوعي، لكنه كان ماويًا على عكس التيار الشيوعي الآخر الذي نشر أفكاره بدعم من فيتنام في الستينيات في مواجهة الولايات المتحدة.

 الشعب الكمبودي من جانبه لا يريد الثأر بشكل عام خوفًا من أن تبدأ حرب أهلية أخرى، لكنهم يريدون تحقيق العدالة ومع ذلك فالكثير منهم مازال خائفًا من أن المحاكمات ستعيد فتح الجراح القديمة، وتفتيت الوحدة الوطنية الهشة.

 ومثال على ذلك وزير التجارة الذي قتل من عائلته ٨٤ شخصًا على يد الخمير الحمر، لكنه يفضل الاستقرار والوفاق الوطني على أن ينشغل البلد الفقير بأسره بمحاكمة قاتلي أبنائه.

 وهذا الجانب هو ما تفضله الدول الداعية المحاكمة دولية أو حتى محلية، ولو علم قادة الخمير الحمر بأنهم سيحاكمون ما سلموا أنفسهم ولأستمر الوجود الخميري لسنوات قادمة، إذ إن العفو العام عنهم كان السبب الرئيس وراء تفكيك الغول الذي ظل قابعًا في الغابات مدة ٢٠ عامًا. 

والجدير بالذكر أن الصين هددت باستخدام الفيتو ضد أي قرار يدعو لمحاكمة دولية ولعل ذلك حتى لا يفتح ملف إسهامها في حرب كمبوديا آنذاك وأما الدول العربية ففعليًا لم تشترط على كمبوديا أي شرط عندما منحوا إياها معونات في بداية العام الجاري في ٢٧/٢ الماضي مما يجعل هون سن في وضع غير حرج وله أن يرفض أي محاكمة دولية تخرج من الحدود التي يريدوها وحتى لا تجر الحاكم رؤوسًا كبيرة بما فيها هو.

 نقطة الضعف الأخرى في كمبوديا في عدم وجود جيش محايد بضبط الأمن وينفذ القانون ويفرض العدالة، فعلى الرغم من أن عدد أفراده ١٥٠ ألفًا وهو عدد كبير مقارنة بالدول المجاورة فإن الكثيرين منهم ينقصهم التدريب، وتؤكل حقوقه ورواتبه من قبل الضباط ومن المتوقع أن ينخفض عددهم خلال ٥ سنوات إلى النصف خاصة أن نصف الميزانية تصرف على الأمن والشرطة والعسكر و ١٠٪ على التعليم والصحة ومقابل ذلك يعيش ٤٥٪ من الشعب تحت خط الفقر بينما تنهب مجموعة قليلة من رجال الدولة وسماسرة الحرب السابقين ثروات البلاد، وبالرغم من برامج العون الدولي فإن تحسن الوضع المعيشي مازال بطيئًا والبلد غارقة بتجارات التهريب بما فيها المخدرات والأخشاب وبتفشي العديد من الأمراض بما في ذلك الإيدز بين الشباب وأفراد الجيش الذي اعتبر أشر خطرًا عليهم من الخمير الحمر ويعيش حتى الآن ٨٥٪ من السكان في القرى والأرياف.

المعقل الأخير

لعل من الغريب أن يبقى للخمير الحمر معقل بعيش فيه ٣٦ ألفًا منهم على بعد ١٨٠ ميلًا من العاصمة ويلبسون في الجيش النظامي ويقودهم هناك من على عنه من قادة الخمير الحمر مثل خير سابقات ونون تشيا ولينج ساري، ويعوق القضاء عليهم اتفاق بينهم وبين هون من وكذلك تنصيب العديد منهم مناصب في الجيش ويعدون بالعشرات ممن اتهموا بقتل مئات الألوف.

 وتسمى مدينة الخمير الحمر هذه «بيلين» وقد فتحت حاليًا للتجار والزائرين ولكنها ما زالت معقلًا لهم وتحولت الحياة فيها إلى الرأسمالية بدلًا من الشيوعية، وتحكم بشكل مستقل عن بنوم بنه إذ إنها الا تدفع ولن تدفع أي ضرائب للحكومة حتى عام ٢٠٠٢م، ولا تستلم في المقابل أي معونة منها، وتعتبر مركزًا تجاريًا بين تايلند وكمبوديا، ويرأس حكم المدينة لينج ساري وينوب عنه ابنه، ويعتقد أن جنود الخمير الحمر هناك لن يسلموا مدينتهم وقد تشتعل حرب جديدة لو حاولت الحكومة أن تنفذ ذلك بالقوة، لكن وضعها الاقتصادي تدهور ولم بعد كما كان من قبل فالطريق لم يعبد إليها والوصول إليها صعب لكنه ليس بخطير، فهي تؤدي وظيفة القرية الآمنة من محاكمة وملاحقات الحكومة القادة الخمير الحمر.

 أما إذاعة الخمير الحمر التي بقيت تبث سنوات طويلة فقد استبدلت إذاعة موسيقية بها، لكن المدينة تبدو الأكثر تخلفًا في كمبوديا وتمثل نموذجًا لبقايا الحكم الشيوعي على الرغم من بعدها أربع ساعات فقط عن بانشكوك.

ويبقى العامل الرئيس وراء بقاء الخمير فيها هو وجود أحجار كريمة فيها تساعد قادة حكومة القتل الجماعي على العيش سنوات عدة حتى يموتوا وقد لا يكون الجدال حول محاكمتهم قد انتهي إذ إن معظم هؤلاء يزيد عمرهم على الـ ٧٠ عامًا، وأحد هؤلاء كي بارك الذي يتهم بقتل ١٠٠ ألف مسلم في إقليم كامبونج تشام ما بين عامي ۷۷ و ۷۸.

ومع ضعف احتمالات تجمع الخمير مرة أخرى في المدينة ممن عاد لحياته الطبيعية في المناطق الأخرى أو انضم للجيش فيبقي أن محاكمة بعضهم قد تدفع أعدادًا منهم للجوء إلى بيلين وإعادة تجميع صفوفهم إذا أحسوا بأن المحاكمات ستقولهم.

الخوف من كمبوديا لا يقتصر على وجود الخمير الحمر في الجيش فحسب ولكن في ظهور عصابة جديدة تسمى «مقاتلي كمبوديا الأحرار» في الشهور الماضية، وهذا يعني أن الاستقرار الكامل في كمبوديا مازال بعيدًا عن التحقق.

 وتستفيد هذه العصابة من سهولة الحصول على السلاح في كمبوديا والفقر والفوضى التي تعيشها البلاد، وقد اختفى أفرادها منذ تشكيل حكومة الائتلاف وعودة الاتفاق بين هون سن والأمير، لكنهم عادوا الآن من جديد ويمكن أن تغذي هذه المنظمة من وقف ضد هون من آنذاك ممن دعم الأمير راناردز من الجيش الملكي.

هل ستنفع أسيان كمبوديا؟

البعض ينظر إلى انضمام كمبوديا إلى رابطة دول أسیان باعتبارها العضو العاشر والأخير في المنطقة إلى أنه لن يجلب على المدى القريب أي فوائد للدول الأخرى، فالتوقيت جاء متأخرًا في وقت تنشغل كل دولة بأزماتها السياسية والاقتصادية، بل إن انضمامها لم يكن إلا تنفيذًا لقرار الرابطة في وقت سابق، ولذلك لم يجلب أي اهتمام إعلامي واسع ومع أن ذلك بدا تحقيقًا لعلم مؤسس الرابطة بضمها الدول العشر مجتمعة في المنطقة بعد ٣٣ عامًا من تأسيسها، فإنها سياسيًا تبدو متفرقة والحديث عن حقوق الإنسان والاضطرابات والتحول الديمقراطي على أشده، فالعلاقات بين الدول متأزمة وإندونيسيا الأخت الكبيرة في الرابطة منشغلة بمصائبها، وهذا قد يعني تشكل لوبي سياسي «يساري» جديد داخل الرابطة يضم فيتنام ولاوس وكمبوديا مما يهدد وحدة دول المنطقة في القرارات المصيرية.

 وإذا أضفنا بورما «ما ينمار» وتخلفها عن الركب بكل المجالات وانخفاض نمو الدول المتقدمة في التجمع فما الذي ينتظر كمبوديا ودول آسيان من ناحية مستقبل تعاونهم الاقتصادي والسياسي وهل هذا يعني فشل الرابطة في تحقيق أهدافها أو تعرقل ذلك كغيرها من التجمعات الإقليمية في العالم النامي التي تحولت إلى منصات للخطب والتصريحات هذا على الرغم من أنها تحتضن مليون نسمة من السكان ويقدر حجم الناتج المحلي للدول مجتمعة بـ ٦٨٥ مليار دولار وتصل قيمة تجارة الدول إلى ٧٢٠ مليار دولار.

 وكما أثرت عملية انضمام ما ينمار إلى الرابطة على علاقة دولها السياسية بأوروبا فإن كمبوديا ومع وجود ملف حقوق الإنسان مفتوحًا ضدها ستؤثر بالمنوال نفسه سلبًا على هذه العلاقة، ولكن مقابل ذلك فإن كمبوديا ستستفيد بدعم مكانتها في المجتمع الدولي خاصة بعد الانقلاب الدموي في عام ۱۹۹۷م، كما أنها ستستفيد من معونات وبرامج الرابطة إذا تحسن الوضع الاقتصادي في دولها بعد سنوات عدة.

 ولكن في الوقت الحالي لا تستفيد كمبوديا اقتصاديًا ولا إنسانيًا وهذا رأي كاوكيم هورن رئيس مجموعة معهد بحوث السلام والتعاون في بنوم بنه، وكذلك رئيس المعارضة سام رابنسي فالفائدة لا تحسب بالمال ولكن مجرد الاعتراف والشرعية للدولة في كمبوديا من قبل العالم. 

الحصيلة النهائية هي دخول هذا البلد إلى القرن الجديد وهو مازال في وضع اقتصادي وسياسي وديني متدن ضحية الأطماع السياسية على مدى ٣٠ عامًا.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

523

الثلاثاء 24-مارس-1970

حول العالم

نشر في العدد 8

582

الثلاثاء 05-مايو-1970

حول العالم - العدد 8