; كنا علماء الدنيا! | مجلة المجتمع

العنوان كنا علماء الدنيا!

الكاتب أحد القراء

تاريخ النشر الثلاثاء 02-فبراير-1971

مشاهدات 87

نشر في العدد 46

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 02-فبراير-1971

لهدف جليل عظيم كان أول توجيه سماوي من الله جلاله إلى رسوله الذي اختاره محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- قوله سبحانه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق:1) ليدرك كل من ينتسب إلى هذا الإسلام العظيم أنه أولى الناس بالحرص على العلم والجد في طلبه، وللإسلام أن يفاخر بذلك ويباهي، فقد بعث رسوله صلوات الله وسلامه عليه معلمًا يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين.

 وقرر الإسلام أن طلب العلم فريضة على المسلمين، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، إذا أحب إنسانًا يدعو له كما دعا لابن عباس فقال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل واملأ قلبه حكمة وعلمًا» ولهذا جعل الإسلام للعلماء تلك المنزلة الكبيرة من التكريم ورفع الله سبحانه من قدرهم ﴿يَرْفَعِ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ (المجادلة:11) .

ولا يعرف التاريخ في حقبة من حقبه المختلفة أمة سارت سيرة المسلمين في طلب العلم والإخلاص في تحصيله والأمانة في تبليغه، وجعله عبادة يتعبد بها العلماء، ففي مساجد المسلمين كانت تقام الصلوات وتعقد حلقات العلم جنبًا إلى جنب. وكان المسلمون يفدون الأسير من المشركين بأن يعلم عشرة من المسلمين القراءة والكتابة. وكم سافر علماء المسلمين شهورًا يضربون ظهور المطي ليسأل الواحد منهم عن حديث شريف أو يبحث في قضية فقهية أو نحوية، فقد جمع الإمام البخاري صحيحه في ستة عشر عامًا، وكان لا يسمع عن شيخ من رواة الحديث إلا رحل إليه ليروي عنه.

ولقد كان أمراء المسلمين وولاتهم يكرمون العلماء وينزلونهم أشرف المنازل، حتى لقد أمسك عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بركاب الدابة ليركب زيد بن ثابت رضي الله عنه فقال زيد: لا تفعل يا ابن عم رسول الله. قال ابن عباس: هكذا أمرنا أن نفعل مع علمائنا.
إن تاريخ المسلمين تاريخ مشرق مجيد في ميدان العلم تدين له أرقى الحضارات العالم إلى يومنا هذا، فالمسلون هم أول من عرف قيمة الصفر في العدد. وعلم الجبر عرفته أوروبا عن طريق المسلمين، فواضع علم الجبر محمد بن موسى الخوارزمي ولم تستطع أوروبا تغير اسم هذا العلم فبقي باسم «الجبر» في لغتهم. وأول مرصد فلكي العالم كان في أشبيلية أيام دولة الإسلام في الأندلس، وهم أول من استعمل الساعة الدقاقة لمعرفة الوقت، وكان العالم المسلم يجمع بين التفسير والفقه والطب وغيرها، إذ إن جميع العلوم في نظرهم تخدم الواجب الملقى عليهم بحكم عقيدتهم.

 هذه المساحة قصيرة عن رصيدنا العظيم من التقدير الاعتقادي للعلم والعلماء، والتطبيق العملي لما أولاه أسلافنا للعلم من إخلاص وتفان وما حققوه من نجاح، وإن أمة هذا شأنها لا يصح أن يكون من بين أبنائها أميّ، وما أجدرنا ونحن في عصر توسعت فيه أسباب العلم أن نقبل عليه الإقبال اللائق ونمنحه الجهد الواجب، وعلينا أن نفتح آفاقًا واسعة لمزيد من الدرس والبحث العلمي إلى جانب العناية لمحو الأمية من مجتمعنا.

 وإن من أهم أبواب العلم المهمة بالنسبة لنا: تصحيح العقيدة: فإن مجتمعاتنا العربية المسلمة تجتاحها الآن موجة تغلغل أعداؤنا خلالها إلى فكر أجيالنا وأفقدونا الثقة في أنفسنا، وتملكوا من المغريات ما يسهل لهم جذب انتباه قليلي العلم والمعرفة منا ليفسدوا عليهم دينهم، ولا جدال في أن خير هذه الأمة فيما يأمر به دينها.

 ولقد أحسنت وزارة التربية صنعًا حين فصلت التفتيش الديني عن تفتيش اللغة العربية، ونرجو أن تضاعف الوزارة خطواتها الخيرة باختيار المدرسين المتخصصين في الشريعة لتدريس الدين وضرورة أن يكون هؤلاء المدرسون قدوة حسنة أمام تلاميذهم في تطبيق الإسلام تطبيقًا عمليًا في كل ما يأمر به، وأن تزيد الوزارة حصص الدين الأسبوعية، وأن تحرص على أن يقوم الأساتذة وتلامذتهم بتأدية الصلاة جماعة في مسجد المدرسة حتى ينطبع ناشئتنا بالأخلاق الإسلامية وتزاد معرفتهم بدينهم الإسلامي.

معلم

الرابط المختصر :