العنوان كوسوفا الأمس أم اليوم أو الغد؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 13-أبريل-1999
مشاهدات 85
نشر في العدد 1345
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 13-أبريل-1999
هل صارت كل أيام المسلمين كوسوفا، وصار كل شعب من شعوب أمتنا ينتظر أن يكون كوسوفا يومًا من الأيام، على يد الصرب، أو اليهود، أو الكروات، أو الأمريكان، أو غيرهم؟! أيها الأطفال الأغرار النائمون في أحضان آبائكم اليوم، والقاطنون في دياركم، واللاعبون في أوطانكم، أيها الآباء الناعمون الحانون على أسركم وأولادكم ونسائكم، أيها الشيوخ الهاجعون في مرابعكم ومساكنكم والملاحظون من أهليكم وذويكم، ستأتيكم كوسوفا، هي في الطريق، وما تلاحظونه اليوم وما ترونه الآن، وما تسمعونه اللحظة من أهوال يوم القيامة في كوسوفا الحاضر، إنما هو بروفة لأهوال المستقبل، أو إن شئت فقل: بيان عملي لما سيكون عليه الحال في الغد.
وأظن أنه ما رأى التاريخ أمة من الأمم يفعل بها هذا إلا المسلمين، هل رأى الزمان الماضي فضلاً عن الحاضر أمة تساق سوق الأغنام، وتدفع دفع المواشي إلى العراء والضياع، تأكلها الثلوج ويصرعها الصقيع ويفترسها الجوع والظمأ؟ وهل رأيت شعبًا من الشعوب يقذف كالقمامة إلى المجهول، ويذبح كالضحية على القربان، وينهب ويستباح كالأيتام على موائد اللحم إلا أمة الإسلام؟
تنظر إلى الطفل يصارع الموت بين يدي أمه الهالكة، ويتمدد على صدرها الخامد فترى موتًا يعانق الموت، وروحًا تخرج بروح، وترى آخر يتلوى من الجوع في أحضان والد أكلت بطنه الأحشاء وهضمت الأمعاء وشربت الدماء، فأصبح شجرة يابسة تحتضن ثمرة جافة، وترى الشيخ الذي اجتمع عليه وهن السنين، وهموم النوائب ونار الظلم وفواجع التشريد، وألم الجوع وقسوة الطبيعة فناء كلكله وهو خافت، وخارت قواه وهو خائر، فأسلم نفسه وهو في سكرات المآسي، وخرجت روحه وهو في لهيب الأهوال، لتضمه الأرض بعد أن لفظته الحياة، ويفتح القبر له ذراعيه بعد أن طارده البنادق والقنابل وأخرجته الوحوش والذئاب.
وترى الفتاة في ريعان الصبا فقدت كل شيء: الأهل والعرض وحتى الجسد والأمل، كسفت شمسها وغاص بهاؤها، وهتك عرضها.
وتعرى جسدها وذبل عودها، وأصبحت شبح إنسانة، وذكرى فتاة، وخيال شابة، تأكل الثرى وتتجرع الصاب والعلقم بذلة ومسكنة، هل هذا يجري –والله- في زمن المسلمين فيه ثلث العالم، ولكنهم لا سمع ولا بصر ولا عزم ولا أفئدة، وفي زمن الحضارة والديمقراطية وحقوق الإنسان والأمم المتحدة ومجلس الأمن والمنظمات الدولية وفي القرن الحادي والعشرين؟
وفي زمن يتمسح الظالم الباغي بالدين المسيحي، والعدالة والسلام، والعالمية، والتعايش السلمي.
خلطوا صليبك بالخناجر والمدى
كل أداة للأذى وحمام
أو ما تراهم ذبحوا جيرانهم
بين البيوت كأنهم أنعام
كم مرضع في حجر نعمته غداً
وله على حد السيوف فطامُ
وصبيةٍ هتكت خميلة طُهرها
وتناثرت عن نوره الأكامُ
وأخٍ ثمانين استبيح وقاره
لم يغنِ عنه الضعف والأعوامُ
ومهاجرين تنكرت أوطانهم
ضلوا السبيل من الذهول وهاموا
السيف إن ركبوا الفرار سبيلهم
والنطع إن طلبوا القرار مقامُ
يتلفتون مودِّعين ديارهم
واللحظ ماء والديار ضرام
يجب أن تبحث الشعوب المسلمة عن وسيلة تمنع قتل الملايين والطرد للشعوب والامتهان للأمة، يجب أن توقظها هذه الحوادث الجسام،
وأن تؤرقها هذه الكوارث اللئام التي تحرك الجماد وتحيي الموات، يجب أن تبحث عن آمال وضياء لهذه الأمة رهينة المحبسين: محبس الجهل بالإسلام، ومحبس وهن السلطان.
إن هذه الأمة تحتاج إلى صيحة رسالة ونفثة هداية، وعزمة صديقين أبرار، وكان لابد حسب سنن التاريخ أن تذوق الأمة هذه الويلات، لأننا نعيش في عصر الذئاب المسلحة، والبوارج المدججة، والأعداء المتربصين، والوحوش الطامعين، فكان يجب أن ترجع الأمة مسلمة، وأن يكون شعار كل فرد فيها «كن مسلمًا».
يجب أن تفتح الأمة أعينها وتنظر إلى أحوالها وتدرس إمكاناتها، وترجع إلى أخلاقها
صور العمى شتى وأقبحها إذا نظرت بغير عيونهن الهامُ
ولقد يُقام من السيوف وليس من عثرات أخلاق الشعوب قيامُ
يجب أن ترجع الأمة كرامتها وعزتها وتشعر بكيانها، ويحس الفرد فيها بذاته وكيانه حتى يتحمس للدفاع عن قيمه، ويصمد ليزود وينافح عن كرامته، لقد أُجريت لهذه الشعوب تجارب على يد أبنائها تشبه تجارب كوسوفا، وحُكمت بالحديد والنار، وقتل من قتل، وشُرد من شُرد حتى فقد الناس إحساسهم بالأوطان، ووهن اعتزازهم بها، وخوفهم عليها، وقلنا مرارًا إن هذا قد قتل الشعوب بأيدي بنيها قبل أن يتجهز أعداؤها لقتلها، ويستعدوا لذبحها، ولكن أني للأهواء أن تسمع وللشهوات أن تقنع، وللنفاق أن يقلع، وللظالم الباغي أن يرعوي وهو لحمة الأمر وسداه.
تمشي المناكر بين أيدي خيله
أني مشى والبغي والإجرامُ
ويحثه باسم الكتاب أخسة
نشطوا لما هو في الكتاب حرامُ
ويسيطرون على الممالك سخِّرت
لهم الشعوب كأنها أنعامُ
من كل جزار يروم الصدر في
نادي الملوك وجده غنامُ.
واليوم هل يسكت كل غيور على هذا الهوان؟ أم أنه سيجد وسيلة ولو واحدة يستطيع بها أن يساعد هؤلاء المنكوبين الذين انقطعت بهم السبل، ولا يدرون من الذي باعهم؟ ومن الذي يتاجر بهم؟، ومن الذي يتربصهم؟ ولكن المعروف جيدًا أنهم هم الذين سيدفعون الثمن عن المنتصر والتاجر والجزار، وسيموتون أحياء إن عاشوا، ولا عزاء لهم. ولكن الغريب الذي يقتضي وقفة، أن نسمع عن زعماء مسلمين يؤيدون الصرب، وعن آخرين يكتفون بصمت القبور، وآخرين يمنعون من يريد أن يتطوع للدفاع عن هؤلاء المسلمين المنكوبين.
فإننا نقول لهؤلاء وأولئك: هل أنتم بمنجاة من كوسوفا التي في الطريق؟؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل