العنوان كوسوفا.. مأساة القرن
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 13-أبريل-1999
مشاهدات 74
نشر في العدد 1345
نشر في الصفحة 9
الثلاثاء 13-أبريل-1999
يأبى القرن الحالي أن يمضي دون أن يترك مزيدًا من الجراحات في الجسد الإسلامي المثخن بالجراح، ولعل الكارثة الإنسانية التي يصنعها الصرب في كوسوفا تمثل واحدة من أبشع الضربات في جسد الأمة. فبينما تواصل طائرات حلف الأطلسي قصف المواقع اليوغسلافية، كانت الآلة العسكرية الوحشية الصربية تمارس عمليات التطهير العرقي ضد المسلمين قتلاً وأسرًا وتشريدًا، وألقت ما يقرب من المليون مسلم على الحدود، حيث انطلق الأطفال والشيوخ والعجائز والنساء يهيمون على وجوههم في الغابات والوديان هربًا من الموت، ومات منهم في رحلة الهروب من مات، وسقط منهم من الإعياء من سقط، وعندما وصلوا إلى مناطق الحدود مع الدول المجاورة، عاشوا عندها مأساة أخرى وهي مأساة الانتظار للسماح لهم بالدخول، والذي طال أيامًا تحت وابل الأمطار ودون طعام أو شراب أو غطاء أو مأوى. لكن الحدود ظلت مغلقة أمامهم، وخاصة الحدود المقدونية، حيث رفضت السلطات المقدونية استقبال ٦٠ ألف لاجئ، وأغلقت حدودها تمامًا مع كوسوفا. ولم يجد المهاجرون ملاذًا إلا في ألبانيا الفقيرة التي تعاني من أزمة اقتصادية طاحنة.
وهناك في الداخل يعيش مليون شخص آخر محاصرين تحت سطوة القوات الصربية لا يعلمون أي مصير ينتظرهم. فالحملات الصربية على أشدها برغم ما زعمته صربيا من وقف لإطلاق النار من جانب واحد. فالقوات الصربية تحرق البيوت، وتهتك الأعراض، وتقيم معسكرات الاعتقال الجماعي في أماكن مجهولة للرجال والفتيات، والإعدامات العلنية للآباء والأمهات أمام أعين الأبناء لا تتوقف.
في ظل هذه الأحوال المأساوية وبينما كان المسلمون ينتظرون يدًا إسلامية حانية تشد عليهم وتؤازرهم في محنتهم، إذ بجحافل المنصرين تتلقفهم على الحدود في رحلة الضياع والشتات. فقد تسابقت الكنائس الغربية على اختلافها في إرسال بعثاتها بين اللاجئين تقدم لهم رغيف الخبز وزجاجة الماء بيد، والإنجيل بيد أخرى، وذلك في غيبة محزنة للعالم الإسلامي إلا القليل القليل مما تبرعت به بعض الحكومات والهيئات الإغاثية الإسلامية، التي يتضاءل ما تقدمه أمام ضخامة ما تقدمه الهيئات الكنسية الغربية، فضلاً عن المنظمات الأخرى كشهود يهوه وغيرهم.
وهكذا، فإن أهل كوسوفا صاروا يعيشون محنتين: محنة التطهير العرقي والطرد من الوطن، ومحنة محاولة التذويب والإخراج من الدين، الأمر الذي يتطلب من كل مسلم فضلاً عن الحكومات الإسلامية التحرك السريع لنصرة إخوانهم في العقيدة، وعدم الاكتفاء بإرسال المواد الإغاثية العاجلة، بل إرسال الدعاة ليشدوا من عضد هؤلاء اللاجئين في محنتهم، ويدعوهم إلى الثبات على دينهم وعقيدتهم التي حوربوا من أجلها.
لقد أحسنت بعض الدول العربية والإسلامية مثل الكويت والمملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي وغيرهم من الدول في المسارعة بإرسال إغاثة عاجلة للمنكوبين في كوسوفا، ولكن يبقى أن الجهد المبذول- وهو مشكور- ليس على مستوى المحنة، ومن هنا فإن العالم الإسلامي كله مطالب بالتحرك السريع وفق المحاور التالية:
المحور الدبلوماسي: بقطع العلاقات مع حكومة صربيا، وطرد سفرائها من بلادنا كأقل تعبير عن الغضب والاستنكار لما يرتكبونه بحق إخواننا. وإن إقدام الدول الإسلامية على هذه الخطوة يضعها ولا شك في موقع الاحترام من قبل العالم، ويجعل أي طرف يفكر كثيرًا قبل الإقدام على أية خطوة تمس المسلمين. وفي الوقت نفسه، فإن تقاعس الدول الإسلامية عن تلك الخطوة سيزيد من طمع الأعداء ويشجعهم على تكرار اعتداءاتهم.
المحور العسكري: بالإسهام في حماية اللاجئين وحماية الموجودين داخل كوسوفا، وحسنًا فعلت مجموعة الاتصال الإسلامية في لقائها الأخير حين أعلنت عن استعدادها لإرسال قوات لحفظ السلام، بل إن على العالم الإسلامي أن يعلن أن ذلك ليس مجرد عرض قابل للمناقشة، بل هو واجب تمليه أخوة الدين والعقيدة.
المحور الإعلامي: بقيام وسائل الإعلام بحملات مكثفة للتعريف بالقضية وبمنطقة البلقان وأهلها، التي أثبتت محنة البوسنة وكوسوفا أن كثيرًا من المسلمين لا يعرفون عنها شيئًا، وأن تقوم مراكز الدراسات والأبحاث الخاصة بهذه المنطقة بتكثيف نشاطها لتقديم المزيد من المعلومات.
المحور الإغاثي: ولا يكتفي بإغاثة الأبدان وترك الأرواح للكنيسة لكي تفسد على المسلمين عقيدتهم، بل يجب أن يتحرك الدعاة في «رحلة إلى الله»، ويتم تشجيع الشباب أن يقضي جزءًا من وقته بين المهاجرين من إخواننا في كوسوفا.. والطرق مفتوحة وميسرة.
المحور الشعبي: وهذا واجب الجمعيات الأهلية وجمعيات النفع العام والمنظمات والنقابات والبرلمانات من أجل التأثير على صناع القرار حتى لا تتحول قضية كوسوفا إلى قضية لاجئين.
المحور التاريخي: فقد درج الصرب على تزييف الواقع والتاريخ والهوية، وقاموا بسحب الهويات الخاصة بالألبان، وكما ذكرت مفوضية الأمم المتحدة للاجئين فإن هناك ضرورة لتسجيل أسماء المهاجرين، ويمكن أيضًا المساعدة في هذا الجانب، حتى لا يضيع على الألبان حقهم في العودة.
إن أهل كوسوفا مهددون بعد أن فقدوا وطنهم بفقد عقيدتهم، وقد صاروا اليوم أمانة في عنق المسلمين جميعًا وسوف يسألهم الله سبحانه وتعالى عنهم يوم القيامة.
وقد علمتنا دروس التاريخ أن عدونا لا يكاد ينتهي من موقعة ضد شعب مسلم، حتى ينتقل إلى شعب آخر، الأمر الذي يحتم أن يتكاتف المسلمون ويعتصموا بحبل ربهم و يتضافروا يهرعوا لنجدة بعضهم بعضًا قبل ان يأخذهم الطوفان ﴿ ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيۡرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗاۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ﴾(الحج : 40).