العنوان كوسوفا.. من واقع التجربة اللبنانية
الكاتب المستشار فيصل مولوي
تاريخ النشر الثلاثاء 25-مايو-1999
مشاهدات 65
نشر في العدد 1351
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 25-مايو-1999
ربما كان اللبنانيون بحكم ما عانوه أقدر الناس على تحليل الصراع الدائر بين الألبان والصرب في كوسوفا، وعلى معرفة خطورة إقحام القوى الخارجية في هذا الصراع، والتي تؤدي إلى استنزاف الجميع وإخضاعهم أخيرًا للهيمنة الأمريكية المتعطشة إلى حكم العالم كله.
لابد من الاعتراف أولًا بأن قرار ميلوسوفيتش بإلغاء الحكم الذاتي لإقليم كوسوفا كان خطأ جسيمًا، إن المحافظة على وحدة الدولة المركزية لا يمكن أن تقع بتجاوز الخلافات العرقية أو الدينية أو الثقافية، بل لابد من الاعتراف بهذه الاختلافات، وإعطائها حيزًا معقولًا دون التفريط بالعوامل المشتركة والمصالح الواحدة، إن هذا القرار الخاطئ كان من أهم الأسباب التي دفعت كوسوفا إلى المطالبة بالاستقلال الكامل، وأعطى الذريعة لأمريكا والحلف الأطلسي للتدخل.
ومن أسباب التدخل الأطلسي فشل اتفاق رامبوييه، وهذا الفشل يرجع في نظرنا إلى كوسوفا سببين:
الأول: أن الصرب لم يكونوا جادين في إعادة الحكم الذاتي إلى إقليم كوسوفا، ولذلك فقد تذرعوا برفض وجود قوات أطلسية هناك، وإذا كان هذا الرفض محقًا، فإن المنطق يقتضي ألا يدفع الصرب ألبان كوسوفا إلى الارتماء في أحضان القوات الأطلسية، لكن ماذا يفعل المسلمون إزاء عمليات التهجير المستمر والتهديد بحرب الإبادة، مما أدى حتى الآن إلى نزوح أكثر من ستمائة ألف من ألبان كوسوفا إلى الدول المجاورة حسب الإحصاءات الموثوقة، فضلًا عن إخراج أكثر من ثلاثمائة ألف من بيوتهم وبقائهم مهجرين داخل كوسوفا؟ لو كان ميلوسوفيتش جادًّا في إعادة الحكم الذاتي إلى كوسوفا فما الذي يمنعه من ذلك؟ ولو أن عمليات التهجير والإبادة لم تحصل هل كان الأطلسي يستطيع أن يقصف بهذه الوحشية؟ وهل يمكن أن ترضى شعوبه بذلك، وهي التي بدأت تتململ لأن القصف الجوي لم يحقق غايته المدعاة.
السبب الثاني: لفشل اتفاق رامبوييه في نظرنا هو الرغبة الأمريكية الجامحة في وجود عسكري أطلسي في كوسوفا بحجة حماية أهلها هذا الوجود يحقق لهم الهدف الحقيقي الأكبر وهو تمزيق يوغوسلافيا، وبالتالي حرمان روسيا من الحليف الوحيد الباقي لها، وعلى رغم أن هذا السبب الثاني موجود أصلًا في المخططات الأمريكية، لكنه لم يكن سهل التحقيق على الأرض لولا أسلوب ميلوسوفيتش في معالجة مشكلة.
ما خلاصة الوقائع الآن؟
أ-تهجير وطرد ومشروع إبادة المسلمي كوسوفا، وهو أمر لا توافق عليه الكنيسة الأرثوذكسية الصربية نفسها وهي أصدرت بيانًا سنة ١٩٩٢م، تعلن فيها أنها ضد الحرب والظلم والعنف، ومع المعذبين والمتألمين أيًّا كان دينهم أو انتماؤهم، وأن الحكم الحالي في يوغسلافيا لا يؤمن المساواة بين الناس، ولا يسمح بحوار ديمقراطي في المجتمع، وهو غير مستعد أن يقبل بالمصالحة الوطنية من أجل شفاء آثار الحرب لذلك تبتعد الكنيسة الصربية علنًا عن هكذا سلطة، بيان المجمع الصربي سنة ١٩٩٢م.
الأسقف الصربي أرتيميه يقول في 16/٩/۱۹۹٨م: لا يمكن التوصل إلى حل سلمي في كوسوفا، لأن نظام حكم السيد ميلوسوفيتش - غير الديمقراطي لا ينتهك حقوق ألبان كوسوفا فحسب، بل أيضًا حقوق الشعب الصربي، إن مشكلة كوسوفا ليست مشكلة جيوسياسية، إنها مشكلة الديمقراطية وحقوق الإنسان، ويؤكد ضرورة حلها بأسلوب سلمي ديمقراطي ويؤكد أنه ما من حل بالأسلحة.
كما أن البابا يوحنا بولس الثاني وجه رسالة إلى بطريرك موسكو إلكسي الثاني أثناء زيارته - الأخيرة لبلجراد في ۱۸ نيسان ۱۹۹۹م قال فيها: من واجب كل الذين يبشرون» بإنجيل السلام - أن يعلنوا بصوت واحد أن أي نوع من أنواع العنف والتطهير الإثني ونقل السكان القسري وتهميش الشعوب، ليست وسائل للتواصل إلى حلول متمدنة، وكان قد قال في تصريح آخر: ما من قضية سياسية تبرر الوحشية وذلك بمناسبة مجازر كوسوفا الأخيرة.
ب - هجوم أطلسي جوي منذ أكثر من شهر وهو مرشح للاستمرار أسابيع أخرى، وقد يتحول إلى اجتياح بري، كل ذلك جرى ويجري بمبادرة من حلف الناتو، وبدون إذن من الأمم المتحدة وهو وإن تغطى بقضية أخلاقية إنسانية لكنه يدخل أساسًا في مخططات أمريكا والحلف لإضعاف خصومهم والهيمنة على العالم.
هذا الهجوم أدى عمليًّا إلى زيادة مأساة المسلمين في كوسوفا، وظهر واضحًا أن الهدف ليس إنقاذ المسلمين من الجرائم الوحشية التي تنزل بهم، وإنما استخدامهم ورقة في الصراع ضد يوغوسلافيا وروسيا، وهو أدى أيضًا إلى تثبيت نظام ميلوسوفيتش، وإلى زيادة تعاطف الشعب معه، إذ بينما كانت أكثرية الشعب الصربي تقف ضد نظام ميلوسوفيتش الدكتاتوري، وضد طريقته في معالجة مشكلة كوسوفا، حتى خرج أكثر من مائة ألف متظاهر صربي سنة ١٩٩٧م ولمدة ٨٨ يومًا يطالبون بإسقاطه، نجد الشعب الصربي اليوم ومعه الكنيسة يقفون مع هذا النظام ضد غارات حلف الأطلسي، وهو موقف طبيعي جدًّا.
لقد أصبح الهدف المعلن اليوم رأس ميلوسوفيتش كما كان سابقًا «رأس صدام» وكلاهما هدف تريد أمريكا أن يستمر هدفًا، وألا يتحقق، لأنه وسيلتها إلى الابتزاز هنا، وإلى استمرار مأساة شعب كوسوفا هناك، وبالتالي إلى استمرار المبرر لتدخلها العسكري.
أين الخلاف؟ وكيف يمكن تسويته؟
أ-بعد معركة ٢٨ يونيو عام ۱۳۸۹م التي قتل فيها لازار قيصر الصرب على أيدي العثمانيين أصبح ۲۸ يونيو عيدًا وطنيًّا قوميًّا للصرب، وهو نفسه عيد القديس يوسف شفيع الصرب، وأصبحت كوسوفا مرتبطة عند الصرب بالمشاعر القومية والدينية، ظل العثمانيون في كوسوفا أكثر من خمسمائة سنة حتى الحرب العالمية الأولى، وتغير وجه كوسوفا في هذه المرحلة فدخل أكثر الألبان فيها الإسلام وأصبح الصرب فيها أقلية، ثم منح الحلفاء بعد نهاية الحرب إقليم كوسوفا إلى الصرب مكافأة لهم على مقاومتهم الألمان، واعترفت معاهدة فرساي رسميًّا بضم كوسوفا إلى صربيا، لكن التوتر استمر بين الألبان والصرب الذين ظلوا أقلية في كوسوفا حتى جاءت الحرب العالمية الثانية واستطاع تيتو بعدها توحيد يوغوسلافيا في ست جمهوريات فيدرالية، وظلت كوسوفا جزءًا من صربيا حتى سنة ١٩٧٤م حين أصبحت تحت ضغط الأكثرية الألبانية ٩٠% إقليمًا يتمتع بالحكم الذاتي، وبقي الأمر كذلك حتى سنة ١٩٨٩م حين ألغى ميلوسوفيتش الحكم الذاتي وحل الحكومة المحلية وبنى دولة بوليسية على أسس عرقية وإثنية على طريقة التمييز العنصري، وألغى تعليم اللغة الألبانية في المدارس، وأرسل قوات صربية للسيطرة على الإقليم، فرد الألبان بإعلان الاستقلال، وإقامة جمهورية موازية لدول يوغوسلافيا الأخرى، كذلك أعلنوا دستورًا جديدًا وأجروا انتخابات في الإقليم عام ١٩٩٢م.
هنا قرر ميلوسوفيتش اتِّباع سياسة الأرض المحروقة، وأراد اقتلاع الألبان من كوسوفا من جذورهم فقام بعمليات طرد بشعة، كانت سببًا لبدء التدخل الدولي.
ب - محور الخلاف أن الصرب يعتبرون كوسوفا المهد التاريخي للعقيدة الأرثوذكسية في صربيا، فيها ١٣٥٠ دير وكنيسة أرثوذكسية وأبرشية، وهناك استشهد الملك القديس أسطفان في دفاعه ضد الغزو التركي في القرن الرابع عشره.
ويقول الأسقف الصربي أرتيمييه إن كوسوفا بالنسبة إلى الشعب الصربي وإلى كنيستنا
الأرثوذكسية بمثابة أرض مقدسة هي مهد روحيتنا وحضارتنا وهويتنا، في هذه المنطقة بالذات بني أسلافنا نحو ۱۳۰۰ كنيسة ودير».
أما الألبان - وهم الأكثرية ٩٠% باعتراف الصرب - فيعتبرون أن لهم حقًا آخر، فهم شعب يختلف عن الشعب الصربي دينًا وقومية (الألبان آریون والصرب سلاف - الألبان مسلمون وفيهم أقلية من الكاثوليك والصرب أرثوذكس)، لذلك يطالب الألبان في كوسوفا بإقامة جمهورية مستقلة، ومنهم من يرضى بحكم ذاتي ضمن صربيا، ومنهم من يطمح إلى الانضمام لألبانيا، لكنهم جميعًا يشعرون أنهم شعب مختلف عن الشعب الصربي، ومن حقه أن يقرر مصيره بنفسه حسب مبادئ الأمم المتحدة.
ج - وإذا كان الألبان ينطلقون من واقع أنهم الأكثرية الساحقة لسكان كوسوفا، فإن هذا الواقع مستمر منذ دخل العثمانيون الإقليم في القرن الرابع عشر وحتى الآن، وهو لم يتغير بعد الحرب العالمية الأولى ولا الثانية أي حوالي ستمائة سنة.
أما الصرب فيعتمدون على التاريخ لإثبات حقهم في كوسوفا، مع أن هذا الحق التاريخي لم يبدأ إلا في القرن السادس بعد الميلاد، وقبل ذلك كان الألبان سكان هذا الإقليم منذ زمن قديم، واستمروا تحت حكم الصرب ثمانية قرون، ثم عادوا أكثرية حاكمة زمن العثمانيين أي أكثر من خمسة قرون، واستمروا أكثرية ساحقة حتى هذه الأيام، فالحق التاريخي قد يتساوى فيه الصرب والألبان، أما الحق الواقعي فينفرد فيه الألبان بلا جدال.
والعالم اليوم لا يأخذ بالحق التاريخي مطلقًا ولم يأخذ به إلا بالنسبة لليهود في فلسطين وهو ظالم في ذلك، والعرب لم يقبلوا به أولًا: لأنهم يملكون حقًا تاريخيًّا أكبر في فلسطين، وثانيًا: لأن الواقع أقوى من التاريخ، ولا يمكن تغيير الواقع إلا بعد ارتكاب جرائم الإبادة والتهجير كما حدث للشعب الفلسطيني، وكما يحدث لأهل كوسوفا.
د - إنه لا يمكن تسوية خلاف كهذا، إلا بإخضاع المصالح السياسية والقومية إلى
مقتضيات الأخلاق والعدالة، ولابد من منح شعب كوسوفا حق تقرير المصير احترامًا لحقوق الإنسان وحقوق الشعوب ومبادئ الأمم المتحدة وإذا تم ذلك بدون حروب وتهجير فربما يختار الكوسافار شعب كوسوفاء حكمًا ذاتيًّا ضمن صربيا، أما أن يتعرضوا لحرب إبادة ثم يطلب منهم أن يظلوا جزءًا من صربيًّا فهذا محال ومخالف لكل منطق، وهم معذورون إن طالبوا بالاستقلال أو بالانضمام إلى ألبانيا التي يشتركون معها في القومية والدين.
فتاوى تتطلب الاحترام
بقلم :محمد صلاح الدين
لأول مرة - فيما يبدو - يتلقى مجلس الشعب المصري رسالة من مفتي مصر الدكتور نصر فريد واصل، يعترض فيها على اعتبار بعض الأعمال نشاطات مشروعة يجوز تحصيل الضرائب من دخلها.
وطبقًا لما أوردته جريدة الشرق الأوسط (٢٢/ 4/ ١٩٩٩م) فإن المفتي أبلغ مجلس الشعب بأن الملاهي، وصالات الديسكو والمراهنة على سباق الخيل، وصيد الحمام والقوارب نشاطات محرمة شرعًا لا يجوز السماح بها أصلًا، فضلًا عن تحصيل الضرائب على دخولها.
وعلى الرغم من أن المفتي قد حذر في رسالته من مخالفة الشريعة الإسلامية في إصدار القوانين، حيث إنها مصدر التشريع طبقًا للدستور، كما أكد أن الملاهي كلها حرام ولابد من إلغائها هي وأماكن القمار، وحفلات الديسكو وأماكن المراهنات، فإن تيار اللهو الجارف لن يتوقف، كما أن أصواتًا كثيرة ترتفع بالقول باستحالة إلغاء نشاطات اللهو هذه، وأن عدم تحصيل الرسوم والضرائب عليها سيكون خسارة كبيرة، لأنها ستخصص لإقامة مشروعات المياه والصرف الصحي، ورصف الطرق في المناطق المحرومة إلى آخر هذه المعاذير.
ذلك مثل واحد من أمثلة كثيرة تملأ شتى المجتمعات العربية، وتوقع الناس في الحرج وتثقل ضمائرهم بالإثم، وتغرق الشباب من الجنسين بالموبقات وتفتح في وجوههم أبواب الفساد، وتغريهم بالرذيلة.
ومن قبل أصدرت هيئة الفتوى الكويتية بيانًا بتحريم وقوف المرأة بكامل زينتها التي تعري أجزاء من جسدها وتجسم مفاتنها لتغني أمام من هم أجانب عنها، ومع ذلك تتابعت مهرجانات اللهو في الكويت الشقيق وامتدت ليالي السهر على أصوات المغنيات الفاتنات المتمايلات، وليس يخفى على أحد أن دور الفتوى في معظم البلدان العربية جزء من الدولة، وأن المفتي يتم اختياره وتعيينه من قبل الحكومة، ومن ثم فهذه الفتاوى التي تطالب بالبعد عما حرم الله من تهتك وإشاعة للفساد لا صلة لها بما يتحدثون عنه من تطرف أو بما نندد به جميعًا من عنف وإرهاب.
إن من أوجب الواجبات لأي حكومة الالتزام بالشرع، وإزالة المنكرات ومحاربة الفساد، وفي طليعة مسؤولياتها ألا توقع الناس في الحرج بتقنين الموبقات والفواحش أو تثقل ضمائرهم بالإثم بفتح أبواب اللهو الحرام الذي يغري بالرذيلة، ويشيع الفساد في وقت الأمة أحوج ما تكون إلى الدأب والجد والعمل الصالح، وتطوير التعليم، ومسابقة الأمم المتقدمة في التقنية والإنتاج.