; كيد بالليل ومكر بالنهار للوأد المرقوب | مجلة المجتمع

العنوان كيد بالليل ومكر بالنهار للوأد المرقوب

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر السبت 23-مارس-2002

مشاهدات 65

نشر في العدد 1493

نشر في الصفحة 41

السبت 23-مارس-2002

  • أصبحت الأمة كالمجاهد الذي لا يوجد موضع في جسده إلا به طعنة رمح أو ضربة سيف.

  • لجأت الأمم الأخرى للكيد للأمة الإسلامية؛ لأن التنافس العادل سيزيحهم عن قيادة البشرية بسبب المناهج القاصرة في مواجهة شريعة الله الكاملة.

لم تشهد أمة من الأمم ولادة ظافرة كتلك التي شهدتها الأمة الإسلامية، منذ أن اختلى الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم في غار حراء يتأمل في الليالي المقمرة حال البشرية وما وصلت إليه من زيغ وضلال وانحراف عن منهج الله، إذ استعبدتها الشهوات وأسلمت نفسها إما لعبادة الحجارة أو النار، أو تخبطت في دياجير ما بقي من الأديان السماوية المحرفة، ومن أجل هذه الولادة تحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أذى كفار قريش، ونالوا منه ومن أصحابه ما يناله أصحاب الدعوات التجديدية والتغييرية التي تبحث عن واقع افضل لكل البشرية، فسال دمه الطاهر صلى الله عليه وسلم، ورماه الأطفال بالحجارة في الطائف، وأوكلوا من يتبعه ويصفه بالجنون والسحر، وتكالبوا وتأمروا على قتله في فراشه، ثم لحقوا به إلى مدينته المنورة، أملًا في إجهاض ولادة جديدة للأمة والبشرية ﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (الأنفال:30)

وكم اجتمعت قوى الكفر مع اليهودية للنيل من الدولة الإسلامية الوليدة، حتى وصلت الأمور في لحظة من لحظاتها، أن بلغت القلوب الحناجر وظن المسلمون الظنون، ودفع المهاجرون والأنصار من أنفسهم ودمائهم وأموالهم وذراريهم الكثير من التضحيات ليحافظوا على هذه الأمة الوليدة الصغيرة في صحراء الجزيرة التي كانت في تلك الأزمان مليئة بالأصنام وعبادة الأوثان وقطع الطريق، والعرافة والكهانة والربا والقمار والزني وكل رذيلة.

وقدرت إرادة الله لهذه الدعوة أن تستمر وتشب، فاستطاعت في أقل من مائة عام أن تنتشر في أنحاء المعمورة حتى تخطت أسوار الصين و جنوب فرنسا ودخلت أدغال إفريقيا وثلوج أوروبا وأسيا، وحققت في أقل من قرن واحد ما عجزت عنه أمم أخرى في قرون، وقدمت للبشرية مواساة رائعة للروح والمادة وللدين والدنيا، فأثمرت نماذج بشرية وأسلوب حياة، ظل مثالًا نادرًا على المدينة الفاضلة التي تكلم عنها الفلاسفة، تجعل اليهودي يسلم عندما يرى عدل المسلمين حتى وإن كان خصمه زوج ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ورسول كسرى يتعجب عندما يرى ابن الخطاب ينام تحت شجرة بلا حرس ولا أبواب ولا حجاب، وإذا المال الذي يتقاتل عليه الناس يفيض في زمن الخليفة عمر بن عبدالعزيز عندما ينادي عامله على أموال الزكاة فلا يتقدم أحد لأخذها، وهذا ما لم تقدمه حضارة أخرى.

 هذه الأمة التي كتب الله لها أن تكون شاهدة على الأمم الأخرى، وأن تحمل رسالة الإنسانية الأخيرة الكاملة الشاملة بكل القيم والمبادئ الرفيعة كان لا بد أن تتربص بها الأمم الأخرى، لأن التنافس العادل كان سيقصي تلك الأمم لما تحمله من بذور فنائها بسبب مناهجها القاصرة، واعتداءاتها المتكررة على حق الله في التشريع وتعبيد البشرية له سبحانه، وانحرافها عن الفطرة والطريق السليم، ومن أجل تحقيق هذه الغاية كان لا بد من بناء تحالفات تصل في بعض الأحيان إلى حد التناقض من أجل هدف واحد هو القضاء على الأمة الإسلامية وقتلها ومنع رسالتها من الوصول صافية نقية إلى البشرية المعذبة بالمناهج الأرضية القاصرة.

أيها التاريخ قل... واشهد

بأي ذنب قتلت؟! 

وقد حدثنا التاريخ عن تحالفات حاقدة وعبر عصور مختلفة أرادت التخلص من الأمة الإسلامية كيانًا وحضارة، فكان التحالف الأول ما بين كفار قريش ويهود المدينة يدعمهم المنافقون الذين كانوا جزءًا أساسيًا من التحالف ضد الإسلام مهما كانت أطرافه، ثم بدأت تحالفات أخرى من النصرانية والتتار والمجوس واليهودية واللادينية وحركة الزندقة والإلحاد والنفاق، واستمر الصراع يشتعل أحيانًا ويخبو أحيانًا أخرى، وينتقل من بقعة إسلامية إلى منطقة جغرافية أخرى، وتسربل هذا الصراع بعدة أوجه ونظريات، فأشعلوا نار الفتنة في عهد الخليفة الراشدي عثمان بن عفان ثم ابتلوا المسلمين بمحنة خلق القرآن، ثم جاء التتار والصليبيون وأخذت هذه المعارك زمنًا تاريخيًا امتد قرونًا وشمل أقاليم جغرافية مثل الشام والأندلس وفارس والهند والسند وغيرها، وكانت الأدوار على اختلافها، تهدف إلى غاية واحدة: وأد الأمة الإسلامية.

وقد استخدمت أسلحة كثيرة لتحقيق هذا الهدف، الدنيء شملت الدرع والسيف والرمح والسهم والمنجنيق والفرسان، ثم المدفعية والقلاع والحصون ثم الرشاشات والطائرات والدبابات والسفن ثم الغواصات والبوارج البحرية والقنابل النووية والجرثومية والكيماوية، ومثلما استخدمت في السابق الطعن والهمز والشعر والعقيدة والرسالة والتزوير والغش والتحريف استخدمت في هذا العصر القنوات الإذاعية والفضائية والإنترنت وسطوة الإعلام وكل تقدم تقني. 

ولا يمكن أن تنسى الأمة الإسلامية مفاصل أساسية في تاريخها كاد فيها المؤرخون يعلنون نجاح أعدائها في قتلها ووأدها، فهناك معارك الردة والفتنة، وخلق القرآن، والحملات الصليبية على القدس، والجنون المغولي والتتري على شرق العالم الإسلامي، ثم الضربات المتوالية لدولة الخلافة حتى أصابها المرض وسقطت بالضربة القاضية ليحقق الاستعمار انتصارًا ساحقًا قسمت فيه الأقاليم الإسلامية كما تقسم الأشلاءوالغنائم.

وأد على الطريقة العولمية:

وقد شهد القرن العشرون أحداثًا جسامًا، ما زالت الأمة الإسلامية تدفع ثمنها حتى الآن وإن كانت ولا تزال أبية على القتل والوأد بفضل الله ثم الحركات الإصلاحية الفردية والجماعية التي نشأت هنا وهناك.

ويمكننا بكل وضوح أن ندرك أن أخطر حدث كان في النصف الأول من القرن الماضي هو سقوط الخلافة الإسلامية، وما تبع ذلك من استفراد المستعمر بالأقاليم الإسلامية واستعمارها ونهب خيراتها على المستوى المادي، والقيام بسياسات التغريب والتخريب وتذويب الهوية وتأسيس أجيال تنوب عن المستعمر في فكره وسلوكه، وكان هذا على المستوى النفسي والروحي. 

ثم جاء النصف الثاني من القرن الماضي، فكان أخطر أحداثه تنكيل العالم الإسلامي وتجزئته، وتقسيمه إلى وحدات منفصلة، فجعلنا المستعمر تغرق في هذه التفاصيل الدقيقة، وغيبنا عن النظر إلى الصورة الكاملة للعالم الإسلامي وأحواله وأحوال أهله، وزرعها فينا إقليمية وقومية حتى استطاع تفكيك اللحمة التي كانت تربط شعوبنا ببعضها البعض وإن لم يستطع القضاءعليها قضاء نهائيًا.

من التكامل إلى التجزيء:

ولو تركنا ما حدث للأقليات المسلمة التي كانت تعيش على أطراف دولة الخلافة حيث نالها من الأذى والتذويب ما نالها ودفع المسلمون في البوسنة وألبانيا وكوسوفا والشيشان والصين ما دفعه قبلهم مسلمو الأندلس، نقول لو تركنا هذه المآسي التي دفعت ثمن سقوط الخلافة لوجدنا أن المستعمر وضع يديه على أخطر منطقتين في العالم الإسلامي ولعب لعبته الاستعمارية المفضلة «فرق تسد» كانت المنطقة الأولى هي بلاد الشام، ولا يخفى على أحد ما لهذه المنطقة الجغرافية من أهمية تاريخية ودينية واقتصادية وسياسية، فسلخها أول ما سلخها من الخلافة الإسلامية، وقد أصبحت تعرف بإقليم بلاد الشام، فلم يكتف بذلك فقسمها إلى أربع دول: سورية ولبنان والأردن وفلسطين، ولم يقنع بهذا التقسيم نظرًا لما تتمتع به هذه المنطقة من تكامل بشري واضح فقسمها إلى استعمار فرنسي لسورية ولبنان واستعمار بريطاني للأردن وفلسطين، ثم جاء بخطوته الأخيرة فأقام كيانًا في وسط تلك الدول وجاء بقطعان اليهود من روسيا وأوكرانيا وبولندا وألمانيا وأسس لهم دولة أسماها إسرائيل، ما زالت شوكة في خاصرة الأمة الإسلامية تمتص دماءها وتستنزف جهودها وتستهلك قواتها، وتشغلها عن التنمية والتقدم والعودة إلى التكامل والوحدة.

أما المنطقة الثانية التي اختارها الاستعمار فكانت شبه القارة الهندية التي تمتد على مساحة تزيد على أربعة ملايين كيلو متر مربع، وهي بذلك تعادل مساحة أوروبا عدا الجمهوريات الروسية، فبعد الاستعمار البرتغالي الذي بدأ في القرن الخامس عشر الميلادي، عندما اكتشف فاسكودي جاما رأس الرجاء الصالح، جاء الاستعمار الإنجليزي عن طريق شركة الهند الشرقية التي باشرت نشاطها التجاري في الهند عام ١٠٢٠هـ / ١٦٠٠م، وظلت الشركة تتوسع بحجة حماية مصالحها التجارية حتى أصبحت القوة السياسية والعسكرية الأولى في الهند بعد ١٢٩سنة من دخولها إلى الهند، ففي سنة ١٧٢٩ أرغمت الشركة آخر أمراء ميسور على التنازل عن نصف أراضيه لإنجلترا، وهكذا دخل الإنجليز دلهي، وعملوا على محو الطابع الإسلامي من دلهي ومدن الهند، وشهروا بالعداء ضد كل ما هو إسلامي، حتى أنهم حاولوا غزو أفغانستان لكنهم فشلوا، ثم تنازلت شركة الهند الشرقية عن أملاكها للحكومة البريطانية، التي جعلت من الهند إحدى مستعمراتها، وتنازل أخر سلاطين المغول من المسلمين «بهادر شاه الثاني»، عن عرشه في عام ١٣٧٤هـ / ١٨٥٨م، واستمر الاستعمار البريطاني في الهند حتى شعر بقرب زواله فقام بنفس اللعبة التي لعبها في بلاد الشام وفي نفس الوقت الذي تم فيه تقسيم فلسطين إلى دولتين: واحدة لليهود وأخرى للعرب حسب قرار التقسيم الشهير، تم في سنة ١٩٤٧ إصدار قرار تقسيم آخر لدولتين واحدة للمسلمين في باكستان وأخرى سلم فيها الحكم لغير المسلمين في الهند، ثم توالت الانقسامات فظهرت دولة البنغال سنة ۱۹۷۱م، كما إن قضية كشمير لا تزال معلقة منذ عام ١٩٤٧م وحتى الآن.

قصة الإسلام في الهند:

ولأن الأمة الإسلامية كانت في أوقات صعود منحناها الحضاري للأعلى حريصة على القيام بمهمة الشهادة على الأمم الأخرى، فقد اهتمت مبكرًا بنشر الإسلام في السند والهند منذ أيام الخليفة الراشدي الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كما كانت هناك بعوث استكشافية لأحوال الهند والسند في عهد الخليفتين عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما، وفي عهد الخليفة الأموي معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، نجح المسلمون في فتح أجزاء من غربي البنجاب، حيث استطاع القائد محمد بن القاسم أن يرفع راية الإسلام عالية على جميع بلاد السند في العصر الأموي، ودخل معظم أهلها الإسلام، كما كسب الإسلام في عهد الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور أفواجًا جديدة من شعوب جديدة من شعوب الهند عندما دخل إقليم کشمير تحت راية الإسلام.

وتعد الدولة الغزنوية من أكبر الدول التي وسعت رقعة الإسلام في الهند خلال القرنين الرابع والخامس الهجريين (العاشر والحادي عشر الميلاديين) ثم خلف الغوريون الغزنويين في الحكم (570-602هـ / 1174-1201م) ثم جاء من بعدهم الخلجيون الذين استكملوا فتح الهند من البنغال شرقًا إلى البنجاب غربًا، ومن جبال الهملايا شمالًا إلى تلال الوندهاي جنوبًا، فأقروا السلام، وألزموا الناس بالشرع الإسلامي، وعنوا بالمساجد والعلماء، وشمل سلطانهم شبه الجزيرة الهندية كلها، وجاء من بعدهم ال «تغلق»، الذين نظموا الإدارة وأنشأوا نظامًا للبريد، وردوا المغول عن الهند بعد أن عاثوا الفساد فيها، وخصوصًا في إقليم السند، ويذكر التاريخ أن ابن بطوطة الرحالة الشهير تولى مسئولية القضاء لمدة ثماني سنواتإبان حكم آل تغلق في دلهي. 

كما شهدت الهند رجالًا عظامًا وقادة فتح من الطراز الرفيع أمثال الحارث بن مرة العبدي الذي وجهه الخليفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى السند، بعد أن كان الخليفة عثمان بن عفان رضي الله عنه، قد وجه حكيم بن جبلة لنفس الغرض، وهناك أيضًا عمر بن عبدالعزيز البهاري ومحمد بن القاسم الثقفي فاتح السند وواليها، وجلال الدين أكبر الذي وصلت دولة الإسلام في عهده إلى غاية الاتساع والنظام والحضارة والرخاء والتقدم، وهناك شهاب الدين الغوري حيث يبدأ تاريخ الهند الإسلامية بعهد الغوريين، وهناك فیروز تغلق الذي أنشأ ديوان الخيرات لتزويج الفتيات الفقيرات وأنشأ المستشفيات، وأنفق على روابط المجاهدين على حدود بلاد الإسلام، وأقام المساجد والأربطة، وألغي عادة «الساتي» التي كانت تفرض حرق الأرملة حية مع جثة زوجهاالمتوفى، وهناك محمود الغزنوي وغيره من القادة الفاتحين الذين مروا على الهند.

وقد أضاف الإسلام الكثير الكثير لحضارة الهند مما لا يمكن إنكاره، وفي مذكرات «بابر» التركي معلقًا على الوضع في الهند قبل وصول الإسلام يقول: «لم يكن هناك في الهند وجود للخيل، ولم يكن يسمع عن العنب والبطيخ فالثلج مفقود، والماء البارد قليل، والحمام لم يعرف، والشموع لا وجود لها وكذلك الفوانيس، كان الظلام يغطي كل شيء ظلام حقيقي.. وقد كان من عادة السيدات الهنديات أن يحرقن أنفسهن بالنار حدادًا على وفاة أزواجهن، فحاول الحكامالمسلمون إبطال هذه العادة....

ولقد وصلت حضارة الإسلام من التمكن والعز ما ترويه هذه الواقعة: عندما أرسل ملك إنجلترا جيمس الأول، أحد سفرائه لمقابلة الإمبراطور المسلم «جانهجير» لخطب وده وإقامة علاقات دبلوماسية معه، بقى السفير الإنجليزي عامين يحاول فيها مقابلة الإمبراطور المسلم فلم يتم له شرف المقابلة حتى توسل إلى الوزير الأول في البلاط لكي يعطيه رسالة يحملها إلى ملك إنجلترا ليتأكد من حضور سفيره إلى الهند على الأقل، فقال له رئيس الوزراء: إنه لا يليق بملك عظيم أن يكتب رسالة إلى حاكم جزيرة صغيرة.... يسكنهاصيادون بائسون...!

لعبة الاستعمار:

وبعد أن حكم المسلمون الهند سبعة قرون كاملة، جاء الاستعمار البريطاني ليعيد الهندوس إلى التحكم في رقاب المسلمين والاقتصاص منهم، وبعد أن حكم الإسلام الهند، جاء دور الهندوسية لتحكم وهي عبارة عن مجموعة من العقائد والعادات والتقاليد التي تشكلت عبر مسيرة طويلة من القرن الخامس عشر قبل الميلاد إلى وقتنا الحاضر حيث تطورت الهندوسية على أيدي الكهنة البراهمة، ثم تطورت في القرن الثالث قبل الميلاد عن طريق قوانين منو شاستر والهندوسية كتبها مثل «الفيرا» و«قوانين منو» وغيرها، ويلتقي الهندوس على تقديس البقرة ولها تماثيل في المعابد والمنازل والميادين، ولها حق الانتقال إلى أي مكان، ولا يجوز للهندوسي أن يمسها بأذى أو يذبحها، وإذا ماتت دفنت بطقوس معينة، كما يعتقد الهندوس بأن آلهتهم قد حلت في إنسان اسمه كرشنا ولهم نظام طبقي يقسم الناس إلى أربعة طبقات: طبقة البراهمة وهي الطبقة التي تقدم النذور للآلهة وتعاطي الصدقات، وعندهم ابن البرهمي الذي يحفظ الكتاب المقدس هو رجل مغفور له ولو أباد العوالم الثلاثة بذنوبه وأعماله، ولا يجوز للملك أن يجبي الضرائب منهم، ولا يصح لبرهمي في بلاده أن يموت جوعًا، ولا أن يقتله الحاكم حتى لو كان مستحقًا للقتل بل يحلق رأسه فقط.

أما الطبقة الثانية فهي طبقة الكاشتر أو الشنري وهي طبقة رجال الحرب، ثم طبقة الويش وهم التجار والزراع ثم الطبقة الرابعة المحتقرة، وهي طبقة الشودر، أو المنبوذين وهي طبقة لها قصة عجيبة.

أین حقوق الإنسان عن هؤلاء؟

قد لا يوجد في العالم المعاصر طبقة ينالها من الاحتقار والأذى ما ينال طبقة المنبوذين في الهند وهي الطبقة التي تقع في أسفل السلم بالنسبة للطبقات الهندوسية الأربعة، فهي طبقة حسب معتقداتهم أحط من البهائم وأذل من الكلاب، وليس لهم أن يقتنوا مالًا أو يدخروا كنزًا، وإذا مد أحد المنبوذين إلى برهمي يدًا أو عصا قطعت يده، وإذا هم أحد من المنبوذين أن يجالس برهميًا فعلى الحاكم أن يكويه وينفيه من البلاد، وإذا ادعى منبوذ أنه يعلم برهميًا سقوه زيتًا مغليًا، كما أن كفارة قتل الكلب والقطة والضفدع والوزغ والغراب والبومة ورجل من الطبقة المنبوذة سواء.

وقد كتبت رئيسة الوزراء الهندية السابقة أنديرا غاندي في كتابها «حقيقتي» عن هؤلاء المنبوذين فوصفت ماذا كان يفعله الطبيب الهندوسي إذا ذهب للكشف على أحد المنبوذين: كان الطبيب يضع بينه وبين المنبوذ حجرًا، فإذا أراد أن يسأل المنبوذ عن سبب علته وجه السؤال إلى الحجر وطائفة المنبوذين في الهند بالملايين وتقترب من مئة مليون أو أكثر ولذلك وجدوا في الإسلام العز والمساواة فاعتنقوه، وقد انتبه الهندوس لذلك، فكان الأمر يصل في بعض الأحيان إلى حرق قرى بأكملها لمجرد أن أهلها قد أعلنوا إسلامهم، في الوقت الذي يطالبون فيه بالبقاء عبيدًا أرقاء حسب المعتقد الهندوسي الذي يلاحظ هبوط المستوى الاقتصادي لأتباعه بسبب الطبقات التي لا تعمل، والنظام الطبقي الذييعطل مبدأ تكافؤ الفرص.

و کشمير مأساة أخرى:

وما زالت كشمير منذ عام ١٩٤٧م حتى الآن تحت الاحتلال الهندي الذي قام بممارسة العنف والاضطهاد لمنع الشعب المسلم من المطالبة بحق تقرير المصير وفقًا لتقرير الأمم المتحدة الصادر في يناير ١٩٤٩م، وقد تصاعدت الوحشية الهندوسية لذروتها مع عام ۱۹۹۰م حين أصدر البرلمان الهندوسي قرارًا يسمح لقوات الاحتلال في الولاية والتي يزيد عددها على ۷۰۰ ألف عسكري – وهي أعلى نسبة لوجود عسكري في أي منطقة في العالم بعملية استئصال المسلمين وقتلهم عشوائيًا، وألزج بهم في السجون والمعتقلات ومراكز التفتيش والتعذيب وذبح أطفالهم وحرق شبابهم أحياء وهتك أعراضهم ونهب أموالهم، وإحراق بيوتهم ومنازلهم ومزارعهم، وقد قدم الشعب الكشميري تضحيات ضخمة في سبيل قضيته حيث بلغ عدد الشهداء أكثر من سبعين ألفًا، والجرحى أكثر من ثمانين ألفًا، والمعتقلين أكثر من سبعين ألفًا، إلى جانب عشرات الآلاف من المنازل والمتاجر والمساجد والمدارس المدمرة والمحروقة، والآلاف من النساء اللاتي تعرضن للاغتصاب على أيدي الجنود الهندوس، كما أن هناك نصف مليون عائلة فقدت عائلها.

مسجد بابري يشهد:

في عام ١٩٩٢م قام هندوسي متطرف يدعى إل كي أدفاني، ومعه مجموعة من الهندوس المتطرفين بالعدوان على مسجد بابري وهدمه، مما أثار فتنة طائفية في الهند راح ضحيتها أكثر من ۲۰۰۰شخص، وبعد هذه الحادثة بعشر سنوات يعود الهندوس لإكمال اللعبة حيث باتوا مصرين على بناء ما أسموه «معبد للإله رام»، في منطقة أيوريا، وهو نفس المكان الذي كان مقامًا عليه مسجد بابري التاريخي، الذي هدمه الهندوس دون خوف من قانون أو رادع، مما جعل المسلمين يثورون للعدوان على مقدساتهم، حيث عاد الهندوس المتطرفون ويتوجيه من المجلس الهندوسي العالمي «فيشوا هندو باریشاد» إلى محاولة بناء المعبد الذي حدد له تاريخ ١٥ مارس الحالي مما جعل أعمال العنف تعود مجددًا إلى الواجهة حيث راح ضحيتها حتى الآن أكثر من ۸۰۰ شخص معظمهم من المسلمين.

إسرائيل والهند: محور جديد للشر:

إن التطاول الحاصل في المواقف اليهودية الهندوسية يدعو للتأمل والتساؤل عن محور الشر الجديد الذي يسعى هو الآخر في محاولة وأد الأمة الإسلامية وقتلها، بل إن الصهاينة كثيرًا ما يؤكدون في زياراتهم للهند على مواجهة الخطر الأصولي المشترك سواء عبر منظمة حماس أو حركة المقاومة الكشميرية، كما تدعو إسرائيل الهند إلى تنسيق كامل ومشترك لتبادل المعلومات والخبرات في هذا الجانب ولذا فليس من المستغرب أن تشهد التقارب بين حزبي فاجبائي الهندوسي المتطرف وحزب شارون الصهيوني المتعصب، واستعدادهما للتحالف معًا ضد العالم الإسلامي، حتى إن شيمون بيريز وزير الخارجية الصهيوني يصرح بأن الهند وإسرائيل تنظران إلى القضايا والأوضاع الراهنة بعين واحدة، كما أن البوابة الهندية خير وسيلة لإسرائيل للدخول إلى الدول الخليجية والاستثمار فيها حيث تكثر العمالة الهندوسية في أسواق الخليج.

الرابط المختصر :