العنوان كيف انتصرت المقاومة وخسر العدو المعركة؟!
الكاتب طلعت أحمد مسلم
تاريخ النشر السبت 26-أغسطس-2006
مشاهدات 165
نشر في العدد 1716
نشر في الصفحة 18
السبت 26-أغسطس-2006
نجحت المقاومة في الصمود بسبب اعتمادها تصورًا صحيحًا لطبيعة القتال بأسلحة تتناسب مع تصاعد المعركة جوًا وبحرًا وبرًا
لولا التفاف الشعب اللبناني حول المقاومة وتحمله القتل والتهجير وهدم منازله لما انتصرت المقاومة
تتواصل المناقشات حول تداعيات الحرب في لبنان ونتائجها، تدور الآن المناقشات حول من انتصر، ومن خسر في الصراع الذي دار على مدى ٣٣ يوما بين لبنان والكيان الصهيوني. أولمرت ووزير دفاعه بيريتس يقولان: إننا انتصرنا، بينما تقول المقاومة اللبنانية على لسان قائدها السيد حسن نصر الله: إن المقاومة قد حققت نصر إستراتيجيا. كذلك هناك قيادات صهيونية تعترف بأن الكيان الصهيوني قد تعرض لهزيمة قاسية. ولا بد لحسم هذا الشأن أن نضع معايير النصر والهزيمة، ثم نقيس الأمر وفقاً لهذه المعايير، على أن تكون المعايير من النوع الذي يمكن أن يجد تأييدا دوليا، إن لم يكن عليه إجماع دولي!
الأساس أن الحرب هي صراع إرادات، وبالتالي فإن الغالب فيها هو من يفرض إرادته على خصمه، أو على الأقل من يمنع خصمه من فرض إرادته. وليس هناك حديث عن خسائر سواء كانت عسكرية أو مدنية إلا بالقدر الذي يمكن أن يؤثر على إرادة أحد أطراف الصراع. هكذا فإن القول بأن المقاومة انتصرت يمكن أن يكون صحيحًا إذا كانت المقاومة قد فرضت إرادتها على الجانب الصهيوني، أو أنها على الأقل منعته من فرض إرادته، وهو ما عبر عنه زعيم المقاومة بأنه صمود!
صمود المقاومة
هكذا انتصرت المقاومة حينما لم تقبل ببقاء قوات أجنبية على أرض لبنان، وإن كان قد وصل ببعض قواته إلى بعض أراضيها. وهي حققت انتصاراً بأنها ظلت تقاتل قواته حتى آخر لحظة قبل توقف الأعمال الحربية وفقاً لقرار مجلس الأمن، وهي انتصرت حينما اضطر العدو إلى قبول تغييرات جوهرية على مشروع قرار مجلس الأمن الذي كان مطروحًا. وانتصرت حينما تأكد راعي العدو في البيت الأبيض أنه لا يستطيع أن يعتمد عليها في حل الصراعات في المنطقة، وأن العدو الصهيوني لا يستطيع أن يهزم المقاومة مهما مددوا له المهلة.
وأخيرًا فقد انتصرت المقاومة حينما أكدت أن الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة لم يعد وطنًا آمنًا لليهود، بل إنه أكثر الأماكن في العالم خطرًا عليهم.
انتصار الصهاينة الزائف
وكما حاول العدو عبر حربه النفسية وآلياته الإعلامية تصوير انتصاراته على أرض المعركة وإخفاء خسائره، استمر في النهج نفسه الزائف: إذ يرى العدو أنه انتصر أو يبرر قوله هذا بأن قرار مجلس الأمن رقم (۱۷۰۱) صدر لصالحه.
وكان من الممكن أن تفهم هذا المنطق لو أنه كان قادرًا على الاستمرار في المناورة والمماطلة في الانسحاب من لبنان، بل والاستمرار في احتلال أراض جديدة على نحو ما فعل مرارًا وتكرارًا منذ نشأته، لكن العدو الصهيوني قد بدأ بالانسحاب من لبنان بمجرد بدء إيقاف الأعمال الحربية وفقًا لما جاء بالقرار المذكور. كذلك فقد اعترف مسؤولوه وحلفاؤهم في واشنطن باستحالة نزع سلاح حزب الله بالقوة، الأكثر من ذلك أنه رغم أن القرار المذكور قد نص في الفقرة التمهيدية الثالثة على «الإفراج غير المشروط عن الجنديين «الإسرائيليين» المخطوفين إلا أن رئيس الوزراء الصهيوني قد وعد أُسر هؤلاء الأسرى بأن يفعل كل ما في وسعه لإعادتهم، وأنه سيجري مفاوضات مع حزب الله لتحقيق ذلك!
ما سبق يعني أن العدو رغم أنه حصل على قرار في مصلحته، إلا أنه كان من الضعف لدرجة أنه لم يستطع أن يتمسك بتطبيقه كاملًا، ولا أن يتابع ممارساته السابقة. على الجانب الآخر، فإن المقاومة رغم تكبد لبنان لخسائر كبيرة في البنية التحتية والاحتياجات استطاعت أن تتماسك وتصمد وأن تؤكد قدرتها على الاستمرار. هكذا فإن النتيجة النهائية أن المقاومة قد انتصرت أو تغلبت على العدو في المعركة السابقة. إلا أنه من المهم أن نقول: إن العدو خسر الكثير في هذه المعركة، ربما يذكرنا بما حدث في عام ١٩٧٣م.
اسباب انتصار المقاومة
إذا أردنا أن نعيد النتائج إلى أسبابها فلا بد من ذكر سببين رئيسين: أولهما الإعداد الجيد للمقاومة، وثانيهما: صمود الشعب اللبناني.
فالمقاومة أعدت نفسها بتصور صحيح لطبيعة القتال الذي يمكن أن تضطر إلى خوضه، ونتيجة للتصور الصحيح أعدت أسلحة مناسبة، منها: الصواريخ «أرض - أرض». للرد على القصف الجوي المعادي بضربات صاروخية في العمق وفي أعماق متدرجة، كذلك أعدت أسلحة مضادة للدبابات، وأساليب لمقاومة دبابات العدو ومدرعاته قادرة على كسر شوكة مدرعاته.
وفي البحر أعدت صواريخ ساحلية، تستطيع أن تصيب سفن العدو على أبعاد كبيرة
في عمق البحر.
وفي الجو هناك من المؤكد طائرات بدون طيار استطاعت أن تصل إلى عمق العدو
والحصول على معلومات عنه.
جاء بعد ذلك التدريب على استخدام الأسلحة السابقة وإعداد الأرض جيدًا لحماية الأفراد والأسلحة وإخفائها عن العدو، ومن الواضح أن المقاومة قد وصلت إلى مستويات عالية في هذا المجال لم تكن قد وصلت إليه في تجارب سابقة. ومن المؤكد أن المقاومة قد أعدت نظمًا للسيطرة تستطيع أن تسيطر به على قواتها في ظل تفوق تكنولوجي ساحق من الجانب الآخر. لقد استطاعت أن تخدع العدو في حين يمكن للعدو اعتراض كل الموجات المنشرة في الأثير، وعرقلة السيطرة.
وهذا يعني أن المقاومة قد ابتكرت نظامًا للسيطرة يعتمد بدرجة كبيرة على لا مركزية القيادة، والعمل وفقًا لخطوط عريضة متفق عليها، والاعتماد على وسائل اتصال مأمونة، واستخدام الرمز في الاتصالات، واستخدام وسائل التحكم عن بعد.
طبعًا هذه خطوط عامة وربما تتكشف تفاصيل هذا النظام في المستقبل، لكن لا ينتظر الكشف عنها في مستقبل قريب.
أخيرًا، لقد جرى إعداد المقاتلين معنويًا بحيث يتحملون الصعاب ويستعدون للتضحية، والإيمان المطلق بالله والوطن والقيادة والسلاح. هنا تولدت إرادة التغلب على العدو وتحقيق الأهداف القومية.
صمود الشعب اللبناني والثقافة حول المقاومة: بق ذكر الصمود الأسطوري للشعب اللبناني الذي ساند المقاومة، وتحمل الأهوال، واتحد في مواجهة الخارج لحين تحقيق الأهداف، ولكي نقدر هذا الصمود علينا أن نذكر كيف كان الحال. المنازل تهدم والطرق والكباري والجسور تقطع، والوقود ينفد والكهرباء توقفت والأدوية في طريقها للنفاد، ولا أماكن في المستشفيات لمرضى جدد. كان من المتصور أن يبدي الشعب تذمره، وربما ثار على من يصورون له أنهم جروا عليه هذه الويلات، ولو حدث هذا لما أمكن للمقاومة أن تحقق ما حققته، ولأمكن القضاء على المقاومة في أيام لا أسابيع. إن صمود هذا الشعب يجب أن يوضع في مرتبة قوة المقاومة نفسها. كما أن القوى السياسية المختلفة كانت من الذكاء، بعد ظهور قوة المقاومة، لدرجة أنها تكاتفت خلف المقاومة، وبالتالي توافرت فرصة لتحقيق موقف سياسي أفضل بكثير مما توقع الآخرون.
غطرسة القوة وهزيمة الصهاينة
أما كيف خسر العدو!! فقد سيطرت عليه غطرسة القوة بعد خروج «مصر» من معادلة الصراع العربي - الصهيوني، وتصور أنه بواسطة قواته الجوية المتفوقة يستطيع أن ينتصر. وتصورت استخباراته أنها قادرة على معرفة وكشف نسمات الهواء المارة في كل مكان في لبنان، فما بالك بالصواريخ.
نسيت قواته البرية القتال إلا قتال العزل في فلسطين، وعربدت قواته البحرية في كل من البحرين المتوسط والأحمر، ولم تأخذ الحيطة لاحتمالات الإصابة، ولم تعرف من أين يمكن أن يأتيها الخطر والتهديد؟
أخيرًا، تصور أن الولايات المتحدة توفر له تكنولوجيا تؤمن له هزيمة أي خصم.
تعويض الهزيمة بضربة عسكرية السورية وإيران
سبق القول إن العدو وبالتعاون مع الولايات المتحدة يحاول أن يتجاوز الهزيمة وآثارها من خلال معركة جديدة غالبًا ما ستكون ضد حزب الله، وسورية وإيران، كما أن العدو سيعمل على استغلال الخلافات التي نشبت بعد المعركة في الساحة اللبنانية وبين سوريا ولبنان، بهدف حرمان المقاومة من قاعدتها الشعبية.
أما نتيجة الجولة القادمة فتتوقف بدرجة كبيرة على مدى الاستعداد لها والقدرة على حشد الجهود لمواجهتها.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل