; كيف تشكل السلطة الحاكمة ظاهرة الرأي العام؟ | مجلة المجتمع

العنوان كيف تشكل السلطة الحاكمة ظاهرة الرأي العام؟

الكاتب حامد عبدالماجد قويسي

تاريخ النشر السبت 28-يوليو-2001

مشاهدات 61

نشر في العدد 1461

نشر في الصفحة 66

السبت 28-يوليو-2001

تتم عملية تشكيل السلطة السياسية لظاهرة الرأي العام بالتدخل عبر مجموعة من الأنشطة والأفعال السياسية الهادفة والموجهة، ومن خلال آليات ووسائل متنوعة في مختلف مراحل تكون ظاهرة الرأي العام، بحيث يتم إنتاجها، وإعادة صناعتها، وفي الحقيقة، فإن العملية تتحدد وفقًا لمتغيرات ثلاثة طبيعة السلطة، والأشكال التي تتخذها، ونوعية المرحلة التي يمر بها الرأي العام بصدد المشكلة التي أثارته، ثم طبيعة القضية، أو المشكلة التي أثارت الرأي العام، وموضعها في أجندة أولويات كل من السلطة والرأي العام. وبعيدًا عن الإفاضة في هذا الأمر، نستطيع القول: إن السلطة السياسية، يمكن أن تتدخل في أي مرحلة من مراحل تكوين الرأي العام وتشكيله بل هي تتدخل فيها جميعًا. وهذا النموذج يميز بين ثلاث مراحل أساسية وهي:

1- المرحلة الأولى: مرحلة الإدراك والانتباه لوجود المشكلة أو القضية التي يتمحور حولها الرأي العام، ولا تتحقق قضية إلا من خلال توافر المعلومات المناسبة «كمًّا، ونوعًا، وتوقيتًا»، وهنا يمكن للسلطة الحاكمة أن تتدخل عبر سياسة حجب المعلومة أو احتكارها، أو تشويهها أو التلاعب في طريقة، أو توقيت إذاعتها وبثها، وما يترتب على ذلك من إحداث نوع من أنواع التشويه الإدراكي للقضية، أو المشكلة في شاشات الإدراك الفردية والجماعية، وتلك نقطة البداية المهمة في عملية تشكيل الرأي العام، وتتضمن درجة من درجات التحكم فيها من المنبع أي تمنع تشكل الرأي العام في الاتجاه الصحيح، أو تحرفه منذ البداية.

ولا يتحقق الإدراك فقط من خلال وصول المعلومات وتوافرها، تلك التي يستقبلها الفرد، ويعبر عنها على مستوى الجماعة به حق الاتصال، وإنما يتم إدراك هذه المعلومات من خلال شاشات نظام القيم الفردي والجماعي، وبالتالي فإن الهيمنة على الرأي العام تتحقق داخليًّا وخارجيًّا، عبر الرقابة والتحكم في المعلومات من ناحية، والتلاعب في البناء القيمي عبر الغزو الحضاري والثقافي من ناحية أخرى.

وتختلف طبيعة العملية حسب نوعية السلطة السياسية الحاكمة داخليًّا: هل تنتمي إلى النمط الديمقراطي التعددي، أو النمط الشمولي، بدرجاته وأنواعه المختلفة، وبالتالي تتعدد أنظمة الرقابة وأنواعها وأشكالها، ودرجاتها، أو السلطة السياسية المهيمنة خارجيًّا (طبيعتها، ونظرتها للآخر، ونظام القيم الخاص بها، وطبيعة الرسالة الحضارية التي تؤمن بها وتسعى لتقديمها للبشرية، حتى ولو من باب الادعاء... إلخ).

ويتفق هذا الأمر مع تحليل ظاهرة الرأي العام. فالرأي العام مفهومًا وظاهرة يفترض معرفة فكرية مسبقة بالمشكلة التي أثارته، وقدرًا من الإحاطة بجوانبها المختلفة، وهكذا يفترض تشكيل ظاهرة الرأي العام في هذا المستوى تعاملاً سلطويًّا من شقين هما:

أ- ممارسة عملية الرقابة والاحتكار على المعلومات عبر العديد من الآليات والأدوات.

ب- ممارسة الغزو الحضاري، وإعادة تشكيل الطابع القومي والتسميم السياسي على الإطار الفكري، والقيمي، والعقيدي، بآليات وأدوات تختلف نوعيًّا عن الأولى.

هذا المستوى هو الذي يحدد نوعية الاستجابة للمستوى الأول من مستويات عملية تكوين الرأي العام وتحدد نوعية نظام القيم ولو نسبيًّا نوعية الاستجابة أو كيفية التفاعل مع المعلومة، وكيف يجري التحكم فيها داخليًّا، والتلاعب بها خارجيًّا.

2- المرحلة الثانية: ما قبل تبلور الرأي العام في الشكل المعروف به الأغلبية والأقلية، وهي مرحلة تتميز بالنقاشات بين أوجه النظر المختلفة والمنافسة بينها وتصاعد الحالة النقاشية أو الحوارية إلى مستوى الصراع الذي يتصف بدرجة من درجات التحديد لأوجه الخلاف بين الآراء في توصيف المشكلة أو القضية، وتحديد الحلول أو الوسائل التي يتم من خلالها التعامل معها .. فبعد تمييز جوانب المشكلة، يحدث الانقسام في كتلة الجماهير بين أغلبية وأقلية. وقد تتدخل السلطة كطرف أساسي في الحوارات، والنقاشات تدير دفتها بوضوح وصراحة، أو تفعل ذلك من وراء ستار، ومن خلال مجموعة من «الوكلاء» لكي تؤثر على عملية تكون الأغلبية والأقلية حجمًا، ومضمونًا، ونوعية... إلخ.

3- المرحلة الثالثة: وهي مرحلة ظهور الرأي العام وتبلوره، حيث تظهر الأغلبية والأقلية بصدد القضية المعينة، وتتحدد أدوار السلطة في هذا المستوى من خلال مدى تملكها وهيمنتها على أجهزة الإقناع أو القمع الفكري التي يسميها البعض الأجهزة الأيديولوجية للسلطة - أو بتعبير أكثر حيادية قنوات السلطة السياسية، وهي تمارس هذه الأدوار من خلال تقنيات الدعاية السياسية.

أنماط استجابة الرأي العام:

نستطيع القول إننا إزاء ثلاثة أنماط من استجابة الرأي العام في علاقته بالسلطة السياسية بوجه عام:

1- نمط الخضوع والاستكانة: أي الخضوع والاستكانة إزاء تصرفات السلطة التي تهيمن بها على الرأي العام فنحن إزاء سلطة سياسية شمولية، وهنا تقدم دراسات الاستبداد الشرقي أمثلة واضحة على ذلك في تحليل أوضاع الأغلبية المقموعة، والأقلية المصنوعة.

2- نمط الرفض والعصيان: وهو العصيان الذي يصل إلى درجة الثورة من قبل الرأي العام. فنحن إزاء سلطة سياسية فقدت مبررات وجودها الواقعي، أيًّا كانت درجة استقلاليتها الكلية أو النسبية عن المجتمع السياسي الذي تحكمه واقعيًّا. وهناك العديد من نماذج لهذا النمط في أشكال مختلفة من السلطة السياسية الديموقراطية. والتعددية، والشورية، سواء أكان انتماؤها السياسي إلى نمط الحضارة السياسية أم عبر السياسية.

3- نمط الترقب والتحفز والانتظار: وهو نمط وسط بين المفهومين السابقين؛ فالوضع هنا أن الفرد والمجتمع لا يخضع ولا يقاوم، وإنما يترقب وينتظر، ويتحفز ليرى من ينطلق فينطلق معه في حركة هادرة، ويراه البعض إحدى سمات الطابع القومي لمعظم الشعوب العربية والإسلامية الذي يرتبط جزئيًّا بطبيعة التكوين الحضاري الخليط، أو الذي لا ينتمي لنمط حضاري محدد ويصفه البعض بأنه رأي عام كامن أو صامت.

وبعد أن تؤول الأغلبية إلى الظهور ننتقل إلى مرحلة تأسيس السلطة السياسية بجميع عملياتها ودينامياتها على الرأي العام عبر منطلقات ثلاثة التعديل أو الإلغاء أو الإرساء لقانون أو لقرار أو لإجراء، أو لسياسة معينة، أو لقاعدة سلوكية جديدة ومحددة، ويظهر هذا المستوى من خلال العديد من الأدوات والآليات تختلف من حالة إلى حالة أخرى، حسب نوع المشكلة أو القضية التي أثارت الرأي، ولكن الحل دائمًا يكون من خلال قيام السلطة السياسية الحاكمة بوظيفتها الأساسية وهي عملية التخصيص السلطوي للقيم، ويتجلى ذلك مثلاً في المؤسسة التعليمية من خلال وضع منهج تعليمي محدد، أو في المؤسسة الإعلامية من خلال تخطيط حملة إعلامية محددة، أو في المؤسسة التشريعية من خلال سن قوانين محددة لعلاج حالة خاصة أو حالة مطروحة على أن البعض لا يدخل هذه المرحلة ضمن نطاق اهتمام دراسة الرأي العام، ولكنه يعتبرها مرادفًا لمفهوم آخر هو الإرادة الشعبية.

(*) أستاذ زائر للعلوم السياسية – جامعة لندن.

الرابط المختصر :