; كيف تصبح ملكًا؟ | مجلة المجتمع

العنوان كيف تصبح ملكًا؟

الكاتب علي بن عمر بادحدح

تاريخ النشر الأحد 01-ديسمبر-2013

مشاهدات 100

نشر في العدد 2066

نشر في الصفحة 42

الأحد 01-ديسمبر-2013

كثيرة هي المطالب التي تتعلق بها النفوس، وتفكر بها العقول، ويسعى إليها الطامحون، ولتحصيلها تتفرق بالناس الدروب، وتختلف الأراء، وامر الدنيا ياخذ نصيب الأسد وقصب السبق في ذلك، كيف تصبح مليونيرًا، كيف تصبح مليارديرًا، دعوات وإعلانات وكتب ومؤلفات تناول ذلك.

وها هنا إعلان غير مألوف هو أعظم في بريقه وأشد لفتا للأنظار في عنوانه «كيف تصبح ملكًا»، ولا شك أن هذه الأمنية قد لا تمر بذهنك كثيرا، لكنها لو سهلت لك أو قربت إليك فلا أظنك ترفضها.

يقول الحق جل وعلا: ﴿  وإِذْ قال مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلِيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكَمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكَم مُلُوكَا وَآتَاكَم مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ العَالمينَ (20) ﴾ (المائدة)، ولم يكن كل بني إسرائيل ملوكًا لكن الاية نصها واضح وصريح في هذا .

روى الطبري في تفسيره عن عبدالله بن عمرو بن العاص أنه جاءه رجل فقال له: ألسنا من فقراء المهاجرين؟ فسأله عبدالله بن عمرو رضي اللّٰه عنه:

«أليست لك امرأة تأوي إليها (أي زوجة)؟ قال: بلى، قال: أليس لك مسكن تسكنه؟ قالٍ: بلى، قال: فأنت من الأغنياء، فأضاف الرجل قائلا: فإن لي خادما، فقال له عبدالله بن عمرو: فإنك إذا من الملوك»!

وكان ابن عباسٍ يقول: الخادم والمرأة والبيت من حازها كان ملكًا.

ورسولنا يد في الحديث المتفق عليه يقول: «انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم».

هذا مقياس دقيق؛ فإن كنت تشك أنك ملك أو ثري فانظر إلى غيرك، هل تملك قوت يومك؟! فثمة من لا يملكه، هل لك لباس يكسو عورتك؟! فهناك من لا يجد ما يستر به عورته، هل لك مسكن تأوي إليه؟ هناك من يسكن في أرصفة الطرقات، وهكذا في سائر ما نتمتع به من نعم الدنيا الكثيرة.

وفي حديث ابن ماجه بسند حسن عن النبي الي قال: «كلوا واشربوا وتصدقوا في غير سرف ولا مخيلة، إن الله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده».

فإذا لم يكن ثمة إسراف ولا خيلاء وتكبر فتلك نعمة من الله فوسع بها على نفسك، واحمد الله، وانظر إلى عظيم نعمته عليك، ليس في مال وطعام وشراب فحسب بل حتى في صحة بدنك، وصلاح ولدك، واستقرار أمرك، وهدوء بالك، وراحة نفسك، وطمأنينة قلبك، فإن نعم الله لا تعد ولا نحصى!

فما الذي تحتاج إليه من المال؟ أتريده لتأكل؟ فإنك لن تأكل أكثر مما يملا بطنك، وربما يأكل الفقير الذي لا يملك إلا القليل أكثر من الغني ذي المال الوفير: لأن ذاك يحسب السعرات الحرارية، ونسبة الكولسترول، وربما كان عنده أمراض وتوصيات طبية ينفق فيها أضعاف ما ينفقه على تلك اللقمة التي يأكلها.

وقد تناول هدي المصطفى لِيِ كل الأمور الصغيرة والكبيرة في حياتنا، فها هو يقول يخ: «من ترك اللباس تواضعا لله وهو يقدر عليه - والمقصود اللباس الجديد والفاخر - دعاه اللّٰه يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره من أي حلل الإيمان شاء يلبسها» (رواه أحمد والترمذي).

فهذه معانٍ من القناعة، ومعان من نظرات الإيمان التي تؤثر الاخرة على الدنيا، ومعان من استحضار عظمة نعمة الله عز وجل والنظر إليها بما تستحقه من الحمد والشكر العملي لله سبحانه وتعالى.

والترشيد في الإنفاق والاعتدال فيه سمة من سمات ديننا الحنيف، والله تعالى يقول: ﴿ وكلوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (٢)﴾ (الأعراف).

أفليس الترشيد قليلًا يجعلنا قادرين على أن نوفر مالًا ينفعنا لنتصدق به أو ندخره لأنفسنا وعيالنا؟

لو أننا اتخذنا قرارًا بأن كل إنفاق على الكماليات سنحسم منه ٥٪ لوجه الله أو لادخار يُستثمر ويُنتفع به في المستقبل، فسنجد أن المعادلة تتزن، وأن الأمر يكون على وجه غير الذي نرى ونسمع.

ولنتذكر قول الحق جل وعلا: ﴿ إِنّ المُبَذَرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (٢٧) ﴾

(الإسراء).

ولست أدعو إلى ترك النعمة، فإن ذلك مما لم يدعُ إليه رسولنا وخ، بل قد ورد في حديث صحيح عند البيهقي في الشعب عن رسول الله مه: «إن الله جميل يحب الجمال، ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده»، وقال لي لوالد أبي الأحوص: «فإذا أتاك من الله مال؛ فأظهر أثر نعمة الله عليك وكرامته» (رواه أبو داود في سننه).

ولكني أدعو إلى ترشيد الإنفاق في الأمور الكمالية لئلا نكون من المترفين والمبذرين.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا القناعة في قلوبنا والرضا بما قسم لنا في نفوسنا، وأن يجعلنا أوثق بما عنده مما في أيدينا .

الرابط المختصر :